صورة الفكر النصراني قبيل وإبان ظهور الإسلام

 

من العبث أن يقول المرء اليوم بأن "الإسلام" فكرة دينية محضة وإنها نبتت في فراغ روحي. وثمة كثير من الباحثين كتبوا في نشأة الإسلام، والقرآن، بأن محمدا (عليه السلام) دعا إلى إصلاح مجتمع فاسد متصدع، وذهب بعضهم إلى أنه دعم دعوته بتعاليم إنجيلية في الفقر وعمل البر والإحسان. وما يبرر ضحالة مثل هذه الأبحاث أن كتب السيرة والتاريخ الإسلامي، أغفلت ذكر الكثير من أخبار النصرانية قبيل وإبان ظهور الإسلام "وكل علم ليس في القرطاس ضاع". وعلى سبيل المثال فإن ما قيل في آثار الخطابة بين نصارى العرب في الجاهلية قليل جدا ، وكذلك شأن شعر النصارى. وكأن مؤرخي العرب تعمدوا أن يصوروا العرب وكأنهم عاشوا شبه عزلة عن المسيحية فلم يعرفوا منها شيئا.
وصحيح أن أهل الجاهلية لم يدونوا معارفهم في القراطيس وغيرها لقلة انتشار علم الخط. إلا أنه صحيح أيضا أن الرواة المسلمين لم يكترثوا بتدوينها حين بدأوا جمع آثار الجاهلية في القرن الثاني للهجرة ، وأهملوا بالتالي ما عرفه آباؤهم من تاريخ النصرانية في الجزيرة العربية فلم يعيروه أهمية تذكر.
أما لماذا أخذت على نفسي مواصلة التنقيب في هذا الإتجاه (1(، فلأن أي لقاء إسلامي - مسيحي جاد، لابدّ وأن يستند إلى تظهير صورة اللقاء الأول، لقاء السنوات الأولى التي سبقت ومن ثم أعقبت إعلان رسالة الإسلام ، وذلك لتكون الخلفية والأساس. وبدون ذلك ستبقى المجاملة هي الطابع لكل حوار، وستختفي الجدية ويحل محلها النفاق والملق الظاهر ، هذا إذا استثنينا التسخير السياسي ومتطلباته.
ثم انه لا بد من إعادة كتابة التراث الإسلامي. ومع أنني موقن تماما بأن عملية التصحيح تتطلب عملا مؤسسيا ضخما ، فان الأمل يحدوني دوما أن يجد غيري الجرأة والشجاعة لاقتحام هذا المجال ، وبعمق أكبر ، ولن يكون ثمة اقتراب من الحقيقة بدون محاذرة التعصب ومجانبته تماما.
وخطتي في هذا المبحث أن أعرض للمآسي التي عاشتها الكنيسة المسيحية عامة والنصرانية في بلاد العرب بصورة خاصة، قبل أن أعمد إلى تظهير صورة الفكر النصراني ونشوء البدع النصرانية وخلافاتها ولا سيما في الجزيرة العربية ، وسيكون ذلك ضروريا لازما قبل الخوض في ظروف الحنيفية التي تعاملت مع البدع النصرانية ، سيما وأن الإسلام قام على القاعدة الحنيفية في التحكيم بين البدع. وبعد ذلك سأستخدم أسلوب البحث المقارن لتبيان موطن التأثر والتأثير بين الإسلام والنصرانية.
ولقد تبينت مبلغ حرج بعض الباحثين عند الخوض في شعر نصارى العرب في الجاهلية ، وذلك أن كثيرا من آيات القرآن الكريم جاءت في كثير منها مطابقة لبعض أبياتهم ، ومشابهة لها في النص غالبا. والمرجح أن ابتعاد الباحثين عن ولوج هذا المدخل سببه الخوف من أن المقابلات والمقارنات بين القرآن والمصادر البشرية تقود إلى تقرير واقع ما. وهذا الواقع بنظر المتدينين قد يكون شتيمة وكفرا. كما أن المتعصبين من المسلمين لا يقبلون أن يكون القرآن الكريم خاضعا للبحث التاريخي. أو أن يكون له أي مصدر غير الله مباشرة. فالقرآن عندهم يعتمد كليا على اللوح المحفوظ.
ومع ذلك فإن جميع الأنبياء والمرسلين ـ ومحمد عليه السلام يفخر بالإنتماء إليهم ـ يدركون تماما أن الوحي في حقيقته يعتمد على ضعف الطبيعة البشرية وتحولات التاريخ. ويوقنون تماما بأن محبة الله تحتم على الله ذاته أن يتدخل مباشرة في تاريخ الإنسان وأن يشرك الإنسان في تدابيره. 
وكلمة الله لا تكون فاعلة إلا إذا كانت مفهومة. وحتى تكون مفهومة يجب أن تكون هي نفسها كلمة البشر. فلماذا الخوف إذا من مقابلة كلام الله مع كلام البشر. ثم إن الحطاب القرآني نفسه يؤكد هذه الحقيقة: "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخزون للأذقان سجدا (السراء ـ 107). وكذلك: "الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك") النساء ـ 162). ولهذا يكتفي محمد عليه السلام بشهادتهم: "قل كفى الله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب" (الرعد ـ 43).
ثم إن أعز الأشخاص على نبي الإسلام عليه السلام هم: إبراهيم وموسى ولم يظهر الخطاب القرآني صورة لواحد منهما تداني الصورة التي يرسمها لعيسى بن مريم (يسوع) كلمته وروحه. فهل يكون غريبا أن يأتي الخطاب القرآني موافقا لما نظمه نصارى الجاهلية في المسيح شعرا ، أو ما قالوه في خطبهم نثرا ؟

لم تثر عقيدة دينية من الخلاف والنقاش ما أثارته العقيدة المسيحية في جوهر وطبيعة مؤسسها. ربما لأنهم أرادوا للمسيحية أن تكون دينا فيما يسوع أرادها حركة حياة. وهكذا مرت عليها نحو سبعة قرون منذ تأسيسها وهي في حالة حرب مستمرة مع نفسها ومع مؤيديها ومع أعدائها.
والظاهرة الملفتة فعلا ، أن أكثر ما صادف المسيحية من حركات هرطوقية وزندقة في تلك الحقبة كان مصدره الشرق، الذي ورث عن اليونان شغفهم بتحديد ما لا حدّ له. ولن نستطيع أن نبحث ظروف نشوء البدع النصرانية ، في الشرق خاصة، ما لم نعرض للإشكالات التي وقع فيها أتباع المسيح وهي في أساسها لغوية ـ كما أعتقد جازما. وذات الله التي "تأنست فصارت إنسانا وصلبت على عهد بيلاطوس البنطي". كانت مثار لبس وغموض في ذهن المسيحي الشرقي في القرون السبعة الأولى ، ولم يستطيع منطقه اللغوي بالتالي قبول "الله الواحد في ثلاثة أقانيم"، ولم يستطع أن يؤمن كيف أن الله "الآب ضابط الكل خالق السماء والأرض ، كل ما يرى وما لا يرى"، هو نفسه "الرب الابن" الذي أسلمه يهوذا الأسخريوطي إلى الجلادين فعذب وصلب ومات "وقام في اليوم الثالث كما في الكتب". وهو نفسه الروح القدس "الرب المحيي" الذي أرسله الإبن إلى الرسل فحلّ فيهم. فنطقوا بكل لغة قوم دخلوا أرضهم.
وما حيّر ذهن المسيحي في تلك الحقبة أن المسيح نفسه ، في تعاليمه وإنجيله، ينطق مرة بلسان الآب، وينطق ثانية بلسان الإنسان. وهو حسب المعتقد الكاثوليكي بطبيعتين ومشيئتين:
" ليس كل من يقول لي: يا رب، يا رب يدخل ملكوت السموات بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السموات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب ، ألم بكن باسمك قد تنبأنا وباسمك قد أخرجنا الشياطين ، وباسمك صنعنا عجائب كثيرة ؟ فحينئذ أعلن لهم أني ما عرفتكم قط ، أبعدوا عني يا فاعلي الإثم" (متى 21:7).
"أما ذلك اليوم وتلك الساعة ، فلا يعلمها أحد، ولا ملائكة السموات ولا الإبن ، إلا الآب وحده" 
"يا أبتاه إن أمكن فلتجز عني هذه الكأس ، ولكن ليس ما أريد أنا بل ما تريد أنت" (متى 36:24 و 39:26)
وهكذا نرى أن المسيح يظهر في هذه الآيات وغيرها ، مرة على أنه هو الله: (ليس كل من يقول لي يا رب يا رب) ثم فجأة يتحول إلى إنسان عادي: (بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السموات) ولقد أدى ذلك مثلا إلى خلاف حول طبيعة المسيح ومشيئته ، وأدى بالتالي إلى انقسام الكنيسة ، فظهرت بدع عديدة على أيدي رجالات من الكنيسة. ومن هذه البدع ما اندثر ، ومنها ما بقي واستمر إلى اليومز ولست بصدد ذكر هذه البدع جميعها، وتفصيل معتقداتها ، وإنما سأكتفي منها بما كان مؤثرا منها على ساحة التفاعل المسيحي ـ الإسلامي. وهكذا سأهمل كلا من بدعة "سيمون"، وبدعة "ساتورنينوس" (في القرن الأول للميلاد)، وكذلك كلا من "شردون" و "والتيتنوس" و "تاسيان" و "منتانوس" (في القرن الثاني للميلاد)، و "بولس السميساطي" و "المانوية" (في القرن الثالث للميلاد)، وسأكتفي بالبحث في كل من "الأبيونية"، "ألأريوسية" و "البيلاجوسية" ، "النسطورية" ، و "اليعاقبة" ، إضافة إلى "المريمانية" و " الكسائية" لأن هذه البدع كانت فاعلة قبيل وإبّان ظهور الإسلام.

تعتبر فترة ظهور الإسلام من أحلك الفترات التي مرت على العالم البيزنطي وعلى الكنيسة المسيحية بآن واحد. فالدولة كانت تمزقها الإنقسامات في الداخل ، ويهاجمها الأعداء من جميع الجهات في الخارج. فقد كان الآفار والصقالبة يعبرون نهر الدانوب ويستولون على أراضي الإمبراطورية وبلدانها ، وكان الفرس يستعدون لاجتياح آسية الغربية ، وخسر القوط الغربيون اسبانيا ، واستولى اللمبارد بعد ثلاث سنوات من موت جستنيان على نصف ايطاليا (568م). وكان قد فشا الطاعون في جميع أنحاء الامبراطورية في العام 542م ، ثم ثانية في العام 566م. ومن ثم عمتها المجاعة في العام 569م.
ولم تكن العيوب في خلفاء جستنيان ، "فالمشاكل كان يتطلب حلّها أن يتوالى على الحكم رجال من طراز نابليون ولمدة قرن دون انقطاع". لقد قاتل جستين الثاني (565 ـ 578م) الفرس الساعين الى التوسع ببطولة وتيبيريوس كان صاحب فضل. وهاجم موريق الآفار الغزاة، وهو الذي صادف في حكمه ظهور ونشأة الاشلام. وكان آلاف من مواطنيه يدخلون الأديرة فرارا من الخدمة العسكرية. ولما أن نهى موريق الأديرة عن قبول أعضاء جدد فيها (الا بعد زوال الخطر عن الدولة) ، نادى الرهبان بسقوطه ، وتزعم فوقاس الذي عمّر مئة عام ثورة على الأشراف والحكومة (602م)، وذبح أبناء موريق الخمسة أمام عينيه ثم ذبح وذبحت معه الأمبراطورة قسطنطينة ، وبناتها الثلاث بعد أن سملت أعينهم واقتلعت ألسنتهم وبترت أطرافهم.
وأفاد كسرى الثاني من هذا الإضطراب فجدد الحرب القديمة ـ حرب الفرس واليونان. وعقد فوقاس الصلح مع العرب ونقل الجيش البيزنطي كله إلى آسيا ، لكن الفرس هزموه في كل واقعة. والآفار استولوا على جميع الأراضي الزراعية الواقعة خلف القسطنطينية. واستغاث أشراف العاصمة بهرقل ، امبراطور أفريقيا اليوناني ، فاعتذر محتجا بكبر سنه وأرسل اليهم إبنه هرقل الأصغر الذي جاء بعمارة بحرية إلى البوسفور ، فخلع فوقاس ، وعرض جثة المغتصب المبتورة الأطراف أمام الشعب ، ونودي به إمبراطورا عام 610م. وقضى عشر سنوات يعمل لإحياء روح الشعب المعنوية ، ويعيد تنظيم الجيش. واستولى الفرس على القدس عام 614م. وكان هرقل قد فقد مصر أيضا، حتى أنه فكر في نقل جيشه إلى قرطاجة ليحاول منها استرجاع الأراضي المصرية لكن الأهلين والقساوسة منعوه من السير ، ورضي البطريق سرجيوس أن يقرضه ثروة الكنيسة اليونانية بفائدة ، ليمول بها حربا مقدسة يستعيد بها أورشليم/القدس. وزحف لقتال الفرس وهزمهم في مواقع عدة وأسقط كسرى الثاني وعاد ظافرا الى القسطنطينية بعد أن غاب عنها سبع سنين. وانقضت الفتوحات الإسلامية على بلاد الشام بمساعدة القبائل العربية النصرانية ولا سيما من كان منهم على البدعة النصرانية وتم الاستيلاء عليها وانتزاعها من حامية يونانية منهوكة القوى. ثم تمّ الاستيلاء العربي على بيت المقدس (638م) ومن ثم على مصر عام 641م فيما كان هرقل يعاني سكرات الموت.
كان هذا هو الظرف السياسي والعسكري للدولة البيزنطية المسيحية، حين ظهر الإسلام. وكان الإسلام بدوره حكما بين الشيع النصرانية في الجزيرة العربية أول الأمر ثم دينا خالصا حنيفا يعادي النصرانية والمسيحية واليهودية معا. ولكن وضع الكنيسة المسيحية لم يكن مع الأحداث السياسية والعسكرية في تلك الحقبة، بأحسن حالا، فلم يكن بوسع بطارقة الكنيسة الشرقية بذلك السلطان الأعلى لأسقف روما أن يفعلوا شيئا. فهؤلاء البطارقة كانوا خاضعين منذ زمن بعيد لأباطرة الروم الذين لم يتنازلوا عن دعواتهم ـ حتى عام 871م ـ بأن لهم السيادة على روما ومن فيها من البابوات. ولقد كان البابوات يوجهون النقد إلى الأباطرة ، ويعصون أوامرهم في كثير من الأحيان. ولكن الأباطرة مع ذلك كانوا هم الذين يعيّنونهم في مناصبهم، ويعزلونهم منها، ويدعون المجالس الكنسية إلى الانعقاد، وينظمون شؤون الكنيسة بقوانين تسنها الدولة. ولم يكن ثمة ما يحدّ من سلطان الأباطرة الديني المطلق في العالم المسيحي الشرقي إلا سلطان الرهبان ، ولسان البطريق ، واليمين التي يقسمها الإمبراطور ـ حين يتوجّه البطريق ـ بأن لا يبتدع بدعة ما في الكنيسة.
ولقد كان غريغوري الأكبر هو البابا في حقبة ظهور الرسالة المحمدية. وكانت متاعب البابا غريغوري كبيرة جدا. ومن هذه المتاعب ـ على سبيل المثال ـ أن الايرلنديين كانوا يحتفلون بعيد الفصح حسب تقويم كانت تسير عليه الكنيسة في باديء الأمر، ولكنها غيرته في العام 343، فنشأ من ذلك نزاع بينها وبين القساوسة الغاليين ، فلجأ هؤلاء القساوسة إلى البابا غريغوري الأكبر. لكن القديس كولومبان الذي أسس الأديرة في جبال الفوج بفرنسا رفض أوامر البابا وقال: "إن الإيرلنديين أعلم منكم بالفلك أيها الرومان"، ودعا كولومبان البابا غريغوري أن يقرّ طريقة الإيرلنديين في الحساب "والا فسيعتبر من الخارجين عن الدين وتنبذه بازدراء كنائس الغرب".
ومع أن البابا غريغوري الأكبر كان هو المسيطر على أواخر القرن السادس فإن صحته المعتلة كانت تنعكس عليها فوضى زمانه. فأما صحته فقد كتب عنها عام 599م يقول: "قضيت أحد عشر شهرا قلما غادرت فيها فراشي، ينتابني فيها النقرس والقلق المؤلم ، الى حدّ صرت معه أرجو النجاة بالموت". وكتب في عام 600م ثانية: "أنا الآن ملازم للفراش منذ عامين ، وقد اشتد بي الألم إلى حدّ أكاد أعجز معه عن مغادرة سريري مدة ثلاث ساعات، أحتفل فيها بالقداس. وأنا أحسّ في كل يوم بأنني على حافة القبر، وأني في كل يوم أرتد عنه". وجاءه الموت فعلا في العام 604م.
إذا فيما رأس الكنيسة لم يغادر سرير المرض طيلة السنوات الخمس (595 ـ 604م) كان نبي الإسلام يرسخ دعوته في الشرق بمساعدة من أتباع أكثر من بدعة نصرانية إضافة إلى اليهود الذين لمت شملهم الجزيرة العربية بعد شتات متعدد.
أما كيف صوّر لنا التاريخ العربي والإسلامي الحضور النصراني في المنطقة العربية، إبّان ظهور الاسلام ، فذلك أمر يدركه القارىء ولا شك ، ولا حاجة لذكر شواهد في هذا المضمار ، فالإفادات التي خلفها المؤرخون والباحثون العرب، عن الأديان في جزيرتهم قبل الإسلام نزرة نادرة ، ولا سيما في النصرانية التي كانت أقرب لهم عهدا ، فاذا ما كتبوا شيئا عن المسيحية لا يكادون يذكرون من تاريخها غير شيوعها في بعض القبائل. وإنما يستطيع المرء أن يستجمع شيئا من صورة الحضور المسيحي من خلال ما كتبوه عن النصرانية عرضا عند حديثهم عن عادات العرب وأمثالهم وقصصهم ولهجاتهم. ولقد كان للأب "لويس شيخو" فضل في تجميع هذه الصورة حين تتبع التفاصيل في كتب نصارى الشرق، ولا سيما قدماء الروم والسريان وبعض الكتبة اللاتين.
والشواهد على النصرانية في بادية الشام كثيرة. فالمؤرخون العرب أفادوا أن القبيلة الأولى التي تولت على بادية الشام باسم الرومان إنما كانت "قضاعة" من قبائل اليمن ، ثم غلبتها على الأمر "سليح"، ثم جاءت بعدها "غسان" وبقي ملكها الى ظهور الاسلام ، وقد دانت بالنصرانية على رأي اليعقوبي في تاريخه ، والمسعودي في "مروج الذهب". ومما يثبت ارتقاء النصرانية واتساع دائرتها في بادية العرب أن منها خرج أول قياصرة الرومان النصارى ، وهو فيليبوس العربي ، الذي ملك على رومية من عام 244 الى عام 249 للميلاد ، وكان أصله من بصرى. ومن الآثار القديمة على ذلك بقاء عدد من الكنائس والأديرة حتى اليوم. ويقتضي التنبيه الى أن النصرانية في بادية الشام ثبتت في عزّها إلى ظهور الإسلام. ونحن نقول ب "نصرانية" بادية الشام ، وليس ب "مسيحيتها" لأن "البدعة اليعقوبية" كانت هي السائدة. أما أن اليعقوبي نسب اليهودية إلى قوم من غسان ، فلانتشار بدعة الأبيونية فيهم ، وهي من بقايا اليهود الأولين الذين تنصروا وحفظوا شيئا من نواميس موسى.
ومن الأدلة التي دونها المؤرخون تنصر "الضجاعمة" الذين سبقوا الغسانيين في ملك البلقاء. ولما انتهى طور الإضطهادات على المسيحيين في القرن الرابع قسمت منطقة الغور والسلط والبلقاء ونواحيهما إلى مدينتين دعيت الأولى بفلسطين الثانية وكانت حاضرتها مدينة باسان. ودعيت الأخرى بفلسطين الثالثة، وكانت حاضرتها "بترا". وقد بلغ عدد الكراسي فيها قبل الإسلام نحو أربعين كرسيا ، وعرف أسماء كثيرين من أساقفتها.
وممن دخلت النصرانية بينهم أمة النبط الذين كانت لهم دولة عظيمة. كذلك كانت نواحي الغور على ضفتي الأردن تضم عددا من الأديرة عرف منها عشرون.
وجاء في تاريخ القبط للمقريزي أن متياس ، وهو الرسول الذي أقيم بدلا من يهوذا الاسخريوطي سار إلى بلاد الشراة فبشر فيها المسيح.
وفي مصر ، ثمة شواهد تنتمي إلى أواسط القرن الثالث للميلاد ومنها رسالة للقديس ديونيسيوس أسقف الإسكندرية كتبها إلى فابيوس أسقف أنطاكية وقد وصف فيها المحن والبلايا المتعددة التي نالت نصارى مصر بسبب اضطهاداتها الحنفاء وعبدة الأوثان ، لا سيما في عهد القيصر دقيوس.
وقد أخبر المؤرخون أن القديسة هيلانة شيدت كنيسة على طور سيناء تذكارا لما جرى فيه من الأعاجيب في عهد موسى. وفي غزة اشتهر القديس هيلاريون.
واذا انحدرنا من طور سيناء إلى أطراف جزيرة العرب في جنوبها الشرقي حيث عسير مهر وحضر موت والشحر وغيرها مما يؤلف بلاد اليمن ، فإننا سنجد شواهد جليلة على دخول المسيحية في اليمن منذ القرون الأولى لتاريخ الميلاد ، ومما يستدل إليه من تواريخ العرب كالطبري ، والسيرة لابن هشام ، والمسعودي ، أن النصرانية واليهودية أخذتا في النزاع والمخاصمة في اليمن منذ أواسط القرن الثالث للمسيح. ومن الآثار التاريخية اليونانية عن نفوذ النصرانية في اليمن ما رواه المؤرخ الأريوسي فيلوسترجيوس )أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس( ودافع فيه عن أعمال الأريوسيين.
ومن أعظم الشواهد العربية على دخول النصرانية في اليمن ما رواه الطبري في تاريخه ، وياقوت في "معجم البلدان" (8) وابن خلدون (9)، وابن هشام (10) وغيرهم: من أن أهل نجران تنصروا جميعهم (8). وذكروا النبأ في قصة طويلة خلاصتها أن رجلا من بقية أصحاب الحواريين ويقال له فيميون، (وقالوا فيمون، وقالوا فيمون)، كان من أفضل الناس عبادة ، وكان سائحا تجري على يديه الكرامات والمعجزات، ووصل في سياحته الى بلاد غسّان فتبعه رجل من أهل الشام إسمه صالح ، فتوغلا في بلاد العرب ثم اختطفتها سيارة وباعوهما بنجران، وأهلها حينئذ من بني الحارث من كعب المنتمين إلى كهلان يعبدون العزّى على صورة نخلة، فأوقف فيميون سيده على بطلان الشرك بما صنع لديه من الآيات ولا سيما إذ دعا ربه في يوم عيد العزى فأرسل الله ريحا جعف النخلة من أصلها، فعرف أهل نجران صحة دينة، وجعل فيميون عليهم رئيسا أحد أشرافهم ويدعى عبد الله بن التامر ، كما رعاهم أسقف كان يدعى بولس. وأقام أهل نجران على دين المسيح حتى دعاهم الى اليهودية أحد ملوكهم إسمه ذو نواس فأبى النجرانيون اتباعه، وكان رئيسهم اذ ذاك الحارث ، واستعدوا للدفاع عن بلدهم، إلا أن ذو نواس دخله بالمكر وحفر أخاديد ، أشار اليها البيان القرآني، فأضرمها نارا وألقى فيها على ما روى ابن اسحق عشرين ألف من النصارى أو يزيدون ماتوا في سبيل إيمانهم مع الحارث رئيسهم(11).
ولا شك أن النصرانية في مدة ملك الحبشة على اليمن بلغت أقصى النجاح ، فقد جعلت الحبش من نجران قبله للنصرانية بعد أن اصطبغت بدماء أهلها فأقاموا فيها مزارا كان العرب يقصدونه من كل صوب، وأسموه "كعبة نحران" (12) أو كعبة اليمن.
ولكن هل كانت المسيحية في اليمن مستقيمة خالية من البدع؟ يرجح أن ايمانهم كان في أول الأمر كاثوليكيا يوافق تعليم المجامع الأربعة الأولى إنما يظهر أن بدعة "أوطيخا" سرت إلى اليمن لأن الحبشة في القرن السادس جنحوا إلى تعاليم اليعاقبة.
وعندما انتزع العجم اليمن من الحبش حافظت على نصرانيتها. وأما القول بأن سيف بن ذي يزن كان يهوديا فإنه مغلوط فمن الثابت أنه لاذ بقيصر ملك الروم النصراني ولو كان يهوديا كذي نواس لما جرؤ على ذلك.
ويعتقد الأب لويس شيخو أن نساطرة العراق انتهزوا فرصة دخول الفرس في اليمن ليعززوا بدعتهم فيها. وفي كتاب الأغاني أن عشرة من أساقفة نجران وفدوا على نبي المسلمين محمد عليه السلام وجادلوه فدعاهم إلى المباهلة ، ولعل منهم من كان نسطوريا وكان حينئذ رئيسا على نجران ، فأعطي الأمان هو وقومه.
ودخلت النصرانية مع الحبش إلى حضرموت ، علما أن قسما كبيرا من كندة كان يسكن في حضرموت ، والنصرانية كانت الديانة الغالبة على كندة كما هو معلوم.
كذلك دخلت النصرانية إلى عمان بواسطة دعاة أتوها من العراق ، ومن أسماء أساقفتها المذكورة في التواريخ الكلدانية: يوحنان (424م) ، وداود (544م) ، وشمويل (576م) ، واسطفان (676م). وفي جملة الرسائل التي بعث بها نبي المسلمين عليه السلام إلى الملوك، رسالة وجهها الى ملك عمان النصراني المسمى جيفر بن الجلندي.
وأهل البحرين في الجاهلية هم من بني عبد القيس ، وكانت "عبد القيس" إحدى القبائل المعروفة بنصرانيتها. وكان للنساطرة في بلاد البحرين أساقفة وخصوصا في قطر التي كانوا يسمونها "بيت قطرايا". وقد ثبت هؤلاء النصارى على دينهم بعد الإسلام ، كما يظهر من مجمع نسطوري عقد سنة 57للهجرة (676 م) (28). وكان على قطر اذ ذاك أسقف اسمه توما.
ومن مدن الاحساء بلدة اسمها "الخط" وتنسب إليها الرماح الخطية وكان الفرس يدعونها: "بيت ازدشير"، وكان للنساطرة فيها كنائس ، ويذكر من أساقفتها اسحق (576م) وشاهين (676م).
واليمامة التي تقع بين الأحساء شرقا والحجاز غربا كان معظم سكانها قبل الإسلام من بني حنيفة ممن يشهد المؤرخون المسلمون على نصرانيتهم. ويطول الحديث لو تحدثنا عن تاريخ المسيحية في العراق ، وتكفينا الإشارة إلى الكنائس القديمة في بابل الأنبار ، والحيرة ، والبصرة ، وبيت عربايا ، وميشان وغيرها. 
ولكن البدعة النسطورية نفثت سمومها في كنائس بابل والعراق في أواخر القرن الخامس للميلاد. ثم اقتفت أثرها البدعة اليعقوبية، فقامت الحرب بين البدعتين، فانقسم أهل البلاد إلى قسمين. القبائل الواقعة شرقي الموصل حتى خليج العجم مالت إلى النسطورية بينما القبائل الواقعة غربي الموصل ، وديار ربيعة حتى جهات الرها ، وتخوم حلب وحماة وحمص اتبعت اليعاقبة.
ويمكن ايجاز خارطة الصراع في أواخر القرن الخامس وحتى نهاية القرن السادس كما يلي:الكنيسة الكلدانية تبعت بدعة نسطور. والكنيسة السريانية غلبت عليها بدعة اليعاقبة.
وأما الجزيرة في شمال بلاد الشام ، فإن أول برهان يثبت دخول المسيحية بين عربها ما أصاب هذه المسيحية من الانتشار السسريع الغريب في ما بين النهرين، كما تصرح بذلك كل الآثار الكتابية والمعمارية كالكنائس والأديرة الباقية إلى يومنا والتي تنتمي إلى القرنين الرابع والخامس للمسيح. غير أن المسيحية في جزيرة بلاد الشام ، تشوهت منذ أواسط القرن الخامس للميلاد بأضاليل البدع ولا سيما اليعقوبية التي فصلتها عن مركز الوحدة.
ونحن نعرف ما كان للمسيحية من نفوذ في تدمر والبلاد المجاورة لها في القرن الثالث للميلاد. وقد كتبت في ذلك مئات المجلدات.
والآن بعد أن تتبعنا آثار المسيحية والنصرانية في أطراف بلاد العرب يبقى علينا أن نستكمل البحث في أواسطها لنتقصى ما كان للمسيحية والبدع من تأثير في القبائل الساكنة في الحجاز ونجد ، وبذلك تتم ابحاثنا عن تاريخ النصرانية في كل أنحاء جزيرة العرب. 
في تاريخ الطبري قصة عن رسول السيد المسيح أرويها بحرفيتها دون القطع بصحتها، قال:
"حدثنا ابن حميد عن أبي سليم الأنصاري ثم الزّرقي قال: كان على امرأة منّا نذر لتظهرنّ على رأس الجمّاء (جبل بالعقيق من ناحية المدينة (قال: (فظهرت معها ، حتى إذا استوينا على رأس الجبل ، إذا قبر عظيم عليه حجران عظيمان ، حجر عند رأسه ، وحجر عند رجليه ، فيهما كتاب بالمسند لا أدري ما هو. فاحتملت الحجرين معي ، حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطا ، ثقلا عليّ ، فألقيت أحدهما وهبطت بالآخر ، فعرضته على أهل السريانية هل يعرفون كتابته فلم يعرفوه. وعرضته على من يكتب بالزبور (أي العبرانية القديمة) من أهل اليمن ، ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه. فلما لم أجد أحدا ممن يعرفه إلقيته تحت تابوت لنا ، فمكث سنين. ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس ، يبتغون الخرز ، فقلت لهم: هل لكم من كتاب ، فقالوا نعم. فأخرجت اليهم الحجر ، فاذا هم يقرأونه فاذا هو بكتابهم: (هذا هو قبر رسول الله عيسى بن مريم عليه السلام إلى أهل هذه البلاد). فاذا هم كانوا أهلها في ذلك الزمان مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل".
ومن عجيب أمر كاتب هذه الشهادة أنه يعتبر كالمسيحيين "عيسى بن مريم" إلها ، اذ أن قرينة الكتابة تبين أن الرسول المذكور ليس هو السيد المسيح بل هو مرسل منه.
والواقع أننا نجد حضوراَ نصرانياَ (إضافة إلى الحضور اليهودي) في "أيلة" التي تقع في طرف الحجاز من جهة الغرب. فلا ينكر مؤرخو الإسلام أن صاحب "أيلة" كان نصرانياَ لما ظهرت رسالة نبي الاسلام. وإسم صاحبها: يوحنا بن رؤبة وقد صالحه محمد عليه السلام على جزية تبلغ 300 دينار. وكان قد قدم على نبي الإسلام سنة 9 للهجرة وهو في تبوك.
أما أهل دومة الجندل فكانوا من بني السكون وهم فرع من بني كندة ، وكانوا نصارى كما ورد في السيرة لابن هشام. وصاحب دومة الجندل عند ظهور الإسلام هو إكيدر الكندي المسمى أصبح بن عمرو الكلبي. ويروي إبن سعد أن خالد بن الوليد قد حاربه في السنة التاسعة للهجرة وقتل أخاه حسّان.
وتعتبر "دومة الجندل" من "وادي القرى"، وهو يعتبر من الحجاز ، وسمي كذلك لكثرة القرى فيه. وكان اليهود يسكنون هذا الوادي أولا ثم نزلته قضاعة، وهي من أثبت القبائل في النصرانية ، ومنهم بنو سليح الذين ذكر المؤرخون تنصرهم في الشام.
وفي تيماء ، وهي بلدة في الحجاز بين الشام ووادي القرى ، نجد حصن السموءل المسمى ب "الأباق" ومع ما ذكر عن السموأل أنه يهودي فإن الأب لويس شيخو يثبت نصرانيته من خلال أصله الغساني ومما نظمه شعرا في بعض تلامذة المسيح بل تصريحه باسم السيد المسيح في لاميته التي وجدت في الموصل حيث يقول : " وفي آخر الأزمان جاء مسيحنا فأهدى بني الدنيا سلام التكامل". إلا أن الأب شيخو يرجح أنه كان يتبع أحدى الشيع اليهودية المتنصرة.
وتعتبر "تبوك" مكانا حصينا بين وادي القرى والشام. وقد كان أهلها من نصارى قضاعة. ويقول ابن خلدون نقلا عن ابن سعيد: "وكان لقضاعة ملك آخر في كلب بن وبرة بن تغلب يتداولونه مع السّكون من كنده ، فكانت لكلب دومة الجندل وتبوك ، ودخلوا في دين النصرنية"(13).
ويقول ياقوت الحموي بشأن "معان": "هي مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء" (14). وكان أهلها نصارى تحت حكم الروم ، والمالك عليها عند ظهور الاسلام فروة بن أبي عامر شيخ بني جزام النصارى.
ثم "المدينة" وكان اسمها في الجاهلية "يثرب". وفي تقاليد العرب أن أول من سكنها هم العمالقة. ثم هاجر اليهود إليها في أزمنة مختلفة. ومما لا سبيل إلى انكاره أن النصرانية دخلت الى يثرب بعد السيد المسيح بقليل (16). وليس من المستبعد أن بين القبائل اليهودية المهاجرة من أورشليم قوم عرفوا النصرانية ودانوا بها. ويبدو أن بعض تلك البدع شاعت خصوصا في الحجاز كشيع الأبيونيين والكسائيين والأريوسيين، وبعض هذه البدع بالغ أصحابها في أضاليلهم فنبذ النصارى مزاعمهم كالمريميين الذين كانوا يبالغون في عبادة مريم العذراء قيقدمون لها نوعاً من القرابين. وهؤلاء كانوا يقولون - بحسب ابن البطريق - "أن المسيح وأمه الهان من دون الله". كذلك وصفهم ابن تيمية في كتابه "الجواب الصحيح". وعلى هذا شرح مفسرو القرآن قوله في سورة المائدة: "يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله". 
وروى القديس إيلاريوس في رسالته إلى الملك قسطنطين أن فرعا من أشياع آريوس ظهروا في جهات العرب وزعيمهم يدعى أقاقيوس. ويذهبون إلى أن السيد المسيح ليس ابن الله لزعمهم أن من قال ذلك جعل لله زوجة فخلطوا بين الولادة الجسدية والولادة الروحية الإلهية.
ومن الأدلة على نصرانية الأوس والخزرج أنهم ينتسبون إلى الحارث بن ثعلبة فيرتقي نسبهم إلى بني غسان الذين لا شك في نصرانيتهم. والأوس والخزرج كانوا الأغلبية في يثرب. إلا أن دين الأوس والخزرج في البداية كان الشرك، فقد كانتا تعبدان "المناة" كما روى الشهرستاني. لكنهما عدلتا بعد ذلك الى النصرانية. حتى أن أهل يثرب كانوا يسمون ب "أهل الكتاب" حتى أن الشهرستاني يقول في ذلك: "الفرقتان المتقابلتان قبل المبعث هم أهل الكتاب والأميون. والأمي من لا يعرف الكتابة ، فكانت اليهود والنصارى بالمدينة، والأميون بمكة" (17 ). وإذا، فان أهل المدينة كانوا قسمين: قسم يهودي كقريظة والنضير. وقسم نصراني وهم عرب الأوس والخزرج وقضاعة الذين كانوا يسكنون يثرب (المدينة(، بل إنه غلب اسم "أهل الكتاب" على النصارى كما يفيد القسطلاني. ويثبت ذلك أن أحد زعماء الأوس يوم وفد الهجرة النبوية إلى المدينة كان يدعى "أبا عامر الراهب" ، وفي إسمه إشارة إلى دينه ، فهذا قد حارب نبي الإسلام في "أحد" ثم خرج مع آله إلى ثقيف وهو الذي سماه نبي الاسلام ب "الفاسق" (18).
وكان النساطرة قد أقاموا في يثرب "مطروبوليطا" وذكر كذلك في التقويم القديم للكنيسة الكلدانية أنه كان في يثرب ثلاث كنائس على اسم ابراهيم الخليل، وأيوب الصديق ، وموسى الكليم.
وبقي النصارى في يثرب حتى بعد وفاة محمد عليه السلام كما يدل على ذلك قول حسان بن ثابت في داليته التي رثى بها نبي الإسلام: فرحت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملحد (19).
ومن المرجح أن النصارى واليهود بقوا في المدينة الى عهد عمر بن الخطاب الذي أخرج الفريقيين من جزيرة العرب استنادا إلى ما روى في الحديث: "لأخرجن النصارى واليهود من جزيرة العرب".
وكما عرفت يثرب النصرانية في عهد الجاهلية كذلك عرفتها مكة. وأقدم ما رواه كتبة العرب عن النصرانية في مكة هو ما ورد بصدد تاريخ "جرهم الثانية". فقالوا أن "جرهم" استولوا بعد بني اسماعيل على الحجاز ، وصارت إليهم سدانة بيت الحرام في مكة ، ومفاتيح الكعبة. أما زمن ذلك فلم يتفق المؤرخون المسلمون عليه ، فيما العلماء الأوربيون اجمعوا على أن "جرهم" الثانية قامت قبل تاريخ الميلاد بقليل. ومما رواه مؤرخو العرب كابن الأثير ، وابن خلدون وغيرهما أن سادس ملوك جرهم يدعى باسم نصراني وهو عبد المسيح بن باقية بن جرهم ، ويستنتج الأب لويس شيخو من ذلك أنه "يتعين أن النصرانية دخلت مكة قبل بني الأزد ، وتغلب بني خزاعة ، أعني بعد موت وقيامة السيد المسيح بزمن قليل. وهذا يوافق نصوص الكتبة المروية سابقا عن تبشير رسل المسيح في الحجاز". ويؤكد أبو الفرج الاصفهاني (20) أن بيت الحرام كان له في عهد بني جرهم "خزانة وهي بئر في بطنه يلقى فيه الحلى والمتاع الذي يهدي له ، وهو يومئذ لأسقف عليه"، ويأتي ذلك إثباتا لما روى مؤرخو العرب عن نصرانية الملك الجرهمي عبد المسيح بن باقية.
ونقرأ في كثير من تواريخ مكة ، بل وفي السيرة ما يطابق النص التالي: "فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله صلعم ، فأرسل الفضل بن العباس ابن عبد المطلب ، فجاء بماء زمزم ، ثم أمر بثوب فبلّ بالماء ، وأمر بطمس تلك الصور فطمست. قال: "ووضع كفيه على صورة عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام. وقال: امحوا جميع الصور الا ما تحت يدي فرفع يديه عن عيسى ابن مريم وأمه... وحدثني جدي قال: حدثنا داود عن عبد الرحمن عن ابن جريج قال: سأل سليمان بن موسى الشامي ، عطاء بن أبي رباح وأنا أسمع: أدركت في البيت تمثال مريم وعيسى ؟… قال: نعم ، أدركت فيها (كذا) تمثال مريم مزوقا في حجرها عيسى ابنها قاعدا مزوقا. وكان في البيت أعمدة ست سواري (كذا) … … قال: وكان تمثال عيسى بن مريم ومريم عليها السلام في العمود الذي يلي الباب. قال ابن جريج: فقلت لعطاء: متى هلك ؟.. قال: في الحريق في عصر ابن الزبير… قال ابن جريج: ثم عاودت عطاء بعد حين فخط لي ست سواري كما خططت ثم قال: تمثال عيسى وأمه عليهما السلام في الوسطى من اللاتي تلين الباب الذي يلينا اذا دخلنا"(21).
وقد روى مثل هذا النص الزرقي ، والهروي ، والبيهقي وابن العربي ، وفيه شاهد أكيد على تنصر قسم من قريش في مكة. بل وإن اليعقوبي ذكر في تاريخه: "أما من تنصر من أحياء العرب فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى ، منهم عثمان بن الحويرث بن أسد ، وورقة بن نوفل بن أسد"(22).
وفي الأغاني يطالعنا بيت من الشعر ل "عدي بن زيد" يقول فيه: سعى الأعداء لا يألون شرا عليك ورب مكة والصليب (23).
هذا مما يثبت نفوذ النصرانية في مكة بروز نهضة "الحنيفية" وهو أمر سنبحث فيه لاحقا.
ولم تخلى بقية مدن الحجاز من آثار النصرانية كالطائف وعكاظ ، وإذا وصلنا إلى بلاد نجد نرى في تاريخها عدة قبائل عرفت بتدينها بالمسيحية ك "طيء"، و "السكون"،
و "السكاسك"، وكندة.
الاسلام والبدع النصرانية
والآن ، كيف تعامل الإسلام مع البدع النصرانية؟!… هنا لا بد من البحث بشيء من التفصيل في "الحنيفية" وفي كيفية نشوئها. إنما قبل ذلك لابد من استذكار خارطة الصراع بين الشيع النصرانية.
رأينا إذا ، كيف أن حرب البدع النصرانية تأججت في الشرق بين أبيونيين وأريوسيين وبيلاجيوسيين ومانويين ومريميين وكسائيين ونساطرة ويعاقبه. وكان رهبان هذه البدع يتسابقون لنقل الصراع من جهات بلاد الشام والعراق وأطراف الجزيرة العربية إلى عرب البادية ومن ثم إلى الحجاز التي كانت قد عرفت الأبيونية والأريوسية في القرون الأولى للميلاد ويمكن ايجاز خارطة البدع ... المنتشرة في المحيط على الشكل التالي: في بادية الشام يعاقبة ونزاريون
• في مصر والحبشة أقباط من أصل نسطوري
• في اليمن أريوسيون ونساطرة ويعاقبه (على بدعة اوطيخا)
• في البحرين وقطر نساطرة
• في الأحساء نساطرة
• في العراق حرب بين النسطورية في النصف الشرقي المتاخم لبلاد فارس (ايران حاليا) ، واليعاقبة في النصف الغربي لملك الروم ، أي من شرقي "الموصل" حتى "الرها" وتخوم "حلب" و "حماة" و "حمص".
• والجزيرة في شمال سورية ، كانت المسيحية الملكانية هي السائدة فيها أولا ، ثم تبدلوا إلى يعاقبه في أواسط القرن الخامس للميلاد.
وكان طبيعيا أن يتركز صراع المحاور في الحجاز التي شهدت نهضة الحنيفية التي تستند استنادا تاما إلى البدعة الكسائية ، كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقا.
ولقد أشار الخطاب القرآني صراحة - كما اسلفنا- إلى انقسام النصارى من بني اسرائيل ، الضاربين في مكة والحجاز ، فجاء قوله: "ومن الأحزاب من ينكر بعضه" (24). 
كذلك قوله: "كل حزب بما لديهم فرحون".
وقد خشي بني الإسلام أن يسهم هو نفسه في توسيع رقعة الخلاف، فجاء في البيان القرآني قوله: "إني خشيت أن تقول مزقت بين بني اسرائيل" (25). ولكنه رفض أن يفرق بينها بل سعى لتوحيدها فجاء في البيان القرآني قوله: "لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (26) … … … وفي رأيه أن القاسم المشترك بين هؤلاء: أن كلا منهم "آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله" (27).
ولقد دققنا في جوهر العقيدة الإسلامية لوجدنا أنها تتوافق أو تتعارض مع الشيع النصرانية على الوجوه التالية:
أ - توافقت مع "الأبيونية" في أن العذراء مريم حبلت بالمسيح بفعل الروح القدس وبأنه فعل المكرمات ونال الفضائل وبأن له طبيعة واحدة بشرية.
ب - وخالفتها في أنه مولود من يوسف وأن الله اختاره ابنا له يوم عماده .
أ - توافقت العقيدة الاسلامية مع "الأريوسية" في أن المسيح كان شخصا عاديا ، وأن المسيح وروح القدس ليسا أقنومين في سر الثالوث.
ب - وخالفتها في أن المسيح ابن الله) ولو أنه غير مساو له في الجوهر) .
أ - توافقت العقيدة الاسلامية مع "البيلاجوسية" في نقضها للخطيئة الأصلية ، وفي أن الانقياد للشهوة ليس اثما ولا شرا. إنما اخضع الإسلام الشهوة للقوننة. فالزنا محرم ، لكن الزواج مباح من أربع ومما ملكت يمين الرجل وكذلك هنالك زواج المتعة.
ب - وخالفتها في ما ذهبت اليه من أن نعمة الله ليست ضرورية للإنسان ليعمل بوصايا الله بل تكفيه حريته الشخصية.
• ولم تقبل العقيدة الاسلامية بقول النساطرة أن المسيح مجرد هيكل لله. 
• رفضت العقيدة الاسلامية في جوهرها بدعة "أوطيخا" جملة وتفصيلا.
• كذلك رفضت العقيدة الاسلامية في جوهرها البدعة "اليعقوبية" ونبذتها تماما كما نبذت كافة البدع "المونوفيزية" التي تؤمن بطبيعة ومشيئة إلهية واحدة للمسيح. كما رفضت البدعة المريمية القائلة بتألية العذراء مريم.
ويكون بذلك مجموع ما أخذ به الإسلام من البدع المسيحية: إن الله واحد لم يلد ولم يولد ولم يتألم ولم يمت ولم يصلب وأن المسيح رسول كغيره من الرسل وفي أن الانقياد للشهوة ليس حراما اذا تم ضبطه بحدود شرعية ، وأن العذراء مريم واجبة التكريم لكونها أم المسيح الذي هو كلمة الله وروحه. والواقع أن موقف الاسلام من البدع تبلور في الحنيفية التي استندت الى القاعدة الكسائية، فقد أخذت الحنيفية من البدع ما ذكرناه آنفا إضافة الى ما أخذته من المسيحية الكاثوليكية من بعض الشرائع والعبادات (وسنرى ذلك لاحقا). ولا بد هنا من التفصيل في الحنيفية وعلاقتها بالكسائية ونهوضها كمذهب أصولي أخذ صفة الدين.