والقرطاس عليه الصليب

 

 

وليس النقد الذي تداوله المسلمون في صدر الإسلام وتداوله معهم نبي الإسلام محمد عليه السلام وحده الذي كان يحمل رسم الصليب. بل القراطيس أيضا. 
نعم أن محمدا نبي الإسلام براء من تعصب غالبية مؤرخيه ومن تبعهم. إن الأعمى الذي يحمل سراجا لا يمكن أن يهدي غيره ولا يمكن أن يهتدي.... وكثير من المؤرخين والفقهاء قد أعماهم التعصب فدلسوا وزوّروا وحرّفوا في الحقائق التاريخية. وحان لنا أن نلتفت إلى هذا التشويه ونعيد كتابة التراث، إنصافا للحقيقة وللرجل الذي قوّلوه ما لا يمكن أن يقول ونسبوا إليه كثيرا مما لا يمكن أن يفعل. ولو بحثنا عن ذكر الصليب عند الأوائل من المحدثين والرواة فسنجد أمثلة على التدليس الذي ارتكبوه. ودعونا نستعرض المتون قبل أن نكشف عن موضع الدلس فيها:
في صحيح البخاري نجد حديثا واحدا ورد في باب كسر الصليب وقتل الخنازير وهذا نصه:
"حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، حدثنا الزهري قال ، أخبرني سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلعم قال: لا تقوم الساعة حتى ينـزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (4).
وفي سنن أبي داود ، باب في الصليب والثوب جاء فيه: "حديث عمران بن حطان عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلعم كان لا يترك في بيته شيئا فيه تصليب إلا قضبه" (5). أي أنه عليه السلام- كما في حديث لعائشة - كان إذا رأى الصليب في ثوب قطع موضع الصليب منه. وفي الحديث نهى عن الصلاة في الثوب المصلب. وفي حديث عائشة أيضا .. .. "فناولتها عطافا فرأت فيه تصليبا فقالت: نحّه عني". وفي حديث أم سلمة أنها كانت تكره الثياب المصلبة.
وكل هذا منقول عن "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (جزء أول ص 37 المطبعة الخيرية).
وفي حديث عدي بن حاتم: "قدمت على النبي وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: الق عنك هذا الوثن" (6).
ولا يمكن أن تكون كل هذه الروايات صحيحة. فقد ثبت لدينا - كما في أول البحث - أن محمدا عليه السلام لم يمنع تداول النقد الرومي مع أنه كان يحمل شارة الصليب في أكثر من موضع.
ثم إنه في حديث جرير جاء قوله: "رأيت على الحسن ثوبا مصلبا" (7). كذلك فان نبي الإسلام قبل ساعات من وفاته في منزل أصغر زوجاته عائشة وبحضور عدد من صحابته خاطبهم بالقول: "أعطوني قرطاسا وقلما لأكتب لكم كتابا لا تضل بعده أمتي" (8).
القراطيس كانت إذا موجودة في حياة نبي أمة الإسلام. وقد كتب رسالته إلى المقوقس على قرطاس ، ويراد بالقراطيس أوراق البردي التي كانت تصنع في مصر وترسل إلى كل البلاد بما فيها الجزيرة العربية ، وكان صناعها بمصر من مسيحيي الروم والأقباط ، وكانوا يرسمون عليها في الطراز قبل صقلها البسملة المسيحية وشارة الصليب. بل إن الكسائي يعترف بذلك فيقول نقلا عن الرشيد: "كانت القراطيس للروم ، وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين الملك ملك الروم ، وكانت تطرز بالرومية وكان طرازها أبا وابنا وروح قديسا"(9).
والواقع أن الذين نسبوا أحاديث إلى نبي الإسلام عليه السلام أو زوجته عائشة رضي الله عنها سبق لهم أن أساءوا للإثنين معا وبأحاديث من نمط آخر...
فأبو هريرة نقل عن نبي العرب قوله: "الكلب والمرأة والحمار تقطع الصلاة إذا مرت أمام المؤمن فاصلة بينه وبين القبلة" (10) ولقد استنكرت عائشة رضي الله عنها هذا التدليس وردت عليه بالقول: "تقارنوننا الآن بالحمير والكلاب...." (11). (تقصد النساء).
وإذا كان أبو هريرة رضي الله قد نسب إلى نبي العرب قولا يحشر المرأة المسلمة بين حيوانين داجنين ويضعها في مستوى الكلب والحمار. فان البيهقي ينسب إلى عائشة في اشتدراكها على أبي هريرة حديثا لا يقل خطورة عن الحديث السالف فقد أورد في سننه: "من حديث عائشة أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتها ... قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" (12). 
البيوت يومئذ ليس فيها مصابيح لكن عائشة ترى النبي يغمزها لترفع قدمها. هل يعقل أن تكون عائشة قد ذكرت ذلك ؟!! ومع ذلك فان البيهقي يورد استدراكها هذا على أبي هريرة.
أبو هريرة ينسب إلى نبي العرب أنه حطّ من مكانة المرأة فجعلها بين حيوانين داجنين وقارنها بالكلب والحمار، والبيهقي في سننه نسب إلى نبي العرب أنه صلى فيما قدما زوجته عائشة في قبلته.
أبو هريرة والبيهقي ذاتهما هما اللذان نسبا إلى نبي الأمة موقفا من الصليب فيما أن الوقائع الثابتة تكذبهما من خلال تداول محمد عليه السلام نفسه للنقود الرومية التي تحمل الصليب وللقراطيس الرومية المطرزة بالتثليث والصليب وحتى الحديث القوي الوارد في صحيح البخاري لم يسلم من الجهل والتخلف ، ففي هذا الصحيح نقرأ مثلا الحديث التالي: "سوء الحظ يوجد في أشياء ثلاثة: البيت، المرأة، الفرس"(13).
والبخاري بهذا لا يختلف عن أبي هريرة والبيهقي. لقد استنكف حتى عن إيراد تصويب عائشة على أبي هريرة، بل أورد حديثا آخر ينسب إلى الإسلام موقفا مخزيا من المرأة فهو يروي عن نبي العرب قوله: "لم أترك بعدي أي سبب للفوضى أكثر شؤما للرجل سوى المرأة" (14).
والكسائي الذي يروي عن البيهقي لم يكن بعيدا عن التدليس ، ولا سيما في مسألة القراطيس.
يروي الكسائي عن البيهقي أنه ذكر ما يلي:
دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد شق عنه البدر شقا، وأمر بتفريقه في خدم الخاصة، وبيده درهم تلوح كتابته. وهو يتأمله. وكان كثيرا ما يحدثني. فقال: هل علمت من أول من سنّ هذه الكتابة في الذهب ؟ قلت يا سيدي هذا عبد الملك بن مروان. قال فما كان السبب في ذلك ؟ قلت لا علم لي غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة. فقال سأخبرك:
كانت القراطيس للروم ، وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين الملك ملك الروم. وكانت تطرز بالرومية. وكان طرازها: أبا وابنا وروحا قديسا. فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك فتنبه عليه وكان فطنا. فبينا هو ذات يوم إذ مرّ به قرطاس ، فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم بالعربية ، ففعل ذلك فأنكره وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام أن يكون طراز القراطيس وهي تحمل في الأواني والثياب وهما يعملان بمصر ، وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد على سعته وكثرة ماله وأهله تخرج منه هذه القراطيس فتدور في الآفاق والبلاد وقد طرّزت بشرك وبنيت عليه، فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان وكان عامله بمصر ، بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك. وأن يأخذ صناع القراطيس بتطريزها بسورة التوحيد (وشهد الله أنه لا اله إلا هو). وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت ، لم ينقص ولم يزد ولم يتغيّر. وكتب إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم ، ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع والحبس الطويل. فلما انبثت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد ، وحمل إلى بلاد الروم منها وانتشر خبرها، ووصل إلى ملكهم فلما ترجم له ذلك الطراز أنكره وغلظ عليه فاستشاط غضبا وكتب إلى عبد الملك: "إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم لم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته فان كان تقدمك من الخلفاء قد أصابوا فقد أخطأت. وان كنت أصبت فقد أخطأوا. فاختر من هاتين الخلتين أيهما شئت وأحببت. وقد بعثت لك بهدية تشبه محلك. وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق حاجة أتشكرك عليها. وتأمر بقبض الهدية. وكانت عظيمة القدر. فلما قرأ عبد الملك كتابه رد الرسول وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل الهدية فانصرف بها إلى صاحبه. فلما وافاه اضعف الهدية (ضاعفها) ورد الرسول إلى عبد الملك ، وقال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها، ولم تجبني على كتابي ، فأضعفت لك الهدية ، وأنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من رد هذا الطراز إلى ما كان عليه أولا. فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية. فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه. ويقول: إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تسعفني بحاجتي. فتوهمتك استقللت الهدية فأضعفتها ، فجريت على سبيلك الأول ، وقد ضعفتها ثالثة. وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه ، أو لآمرن بنقش الدنانير والدراهم ، فانك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في بلادي - ولم تكن الدراهم والدنانير قد نقشت في الإسلام - فينقش عليها من شتم نبيك ما إذا قرأته ارفض جبينك له عرقا ، فأحب أن تقبل هديتي ، وترد الطراز إلى ما كان عليه ، وتجعل ذلك هدية تبررني بها ، وتبقي على الحال بيني وبينك. فلما قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض. وقال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من شتم هذا الكافر غابر الدهر. ولا يمكنني محوه من جميع مملكة العرب. إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم. وجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به. فقال له روح بن زنباع: انك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر. فقال ويحك! … … من ؟ قال: الباقر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. قال: صدقت. فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إلى محمد بن علي بن الحسين مكرما ، ومتعه بمائتي ألف درهم لجهازه، وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته. وأزح علقه في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه ، واحتبس الرسول قبله إلى موافاته عليه. فلما وافى أخبره الخبر ـ فقال له الباقر: لا يعظمن هذا عليك فانه ليس بشيء من جهتين: إحداهما أن الله جل وعز لم يكن ليطلق ما يهددك به صاحب الروم في رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأخرى وجود الحيلة فيه. قال: وما هي؟ ... قال تدعو في هذه الساعة بصناع يضربون بين يديك سككا للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحدهما في وجه الدرهم والدينار ، والآخر في الوجه الثاني ، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي ضربت فيها تلك الدراهم والدنانير. ففعل عبد الملك ذلك ، ورد رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول:: إن الله جل وعز مانعك مما قدّرت أن تفعله ، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار الأرض بكذا وكذا وبإبطال السكك والطراز الرومية. فقيل لملك الروم: أفعل ما كنت تهددت به ملك العرب. فقال: إنما أردت أن أغيظه بما كتبت به إليه لأني كنت قادرا عليه ، والمال وغيره برسوم الروم ، فأما الآن فلا أفعل ، لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام ، وامتنع من الذي قال"(15).
من أعمل النظر في هذه الرواية تتبين له مساويء التحريف والتصنيع ، ولا يستبعد أن يكون الكسائي قد أعمل فيها خياله القصصي بعد أن تناولتها ألسنة السمار والندماء قبله ، وتوسعوا فيها ما شاءت قرائحهم في التملق للعباسيين وأهل البيت. والغضّ من ملوك الروم والحط من شأن رجال الأمويين. وقلّ أن يروي راو في الاسلام خبرا للخلفاء مع القياصرة البيزنطيين دون أن يشوه وجه الحقيقة.
أولا: لا حاجة الى فطنة لإدراك ما في قصته تكرار الهدية ثلاثا من السخف والتلفيق لاسقاط شأن ملك الروم وهو الذي كان عبد الملك بن مروان نفسه يدفع له الجزية قبلا ألف دينار في كل جمعة (16). 
ثانيا: هذا الجزع على رسول الله وعلى أن لا يساء لذكره والمنسوب الى عبد الملك بن مروان لا يستقيم وسيرة الخليفة الأموي الذي كان بطاشا غادرا ويكفي أن الحجاج الذي استعمله على العراق أراق دماء نحو مائة ألف من المسلمين.
ثالثا: لم ترد هذه القصة في تاريخ الروم.
رابعا: لم ترد في رواية عربية أخرى ولم يشر اليها البلاذري بحرف. واليكم فضيحة البيهقي والكسائي: "إن القول المنسوب الى صاحب القسطنطينية لعبد الملك بن مروان: "إن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصابوا فقد أخطأت، وان كنت أصبت فقد أخطأوا" … هذا القول نفسه وضعه مؤرخو الاسلام في فم ملك الروم حين بلغه اغتصاب الوليد بن عبد الملك لكنيسة دمشق الكبرى فقد ذكر سعيد بن العاص: لما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب له ملك الروم: "إنك قد هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فان كان حقا فقد خالفت أباك ، وان كان باطلا فقد أخطأ أبوك"(17).
خامسا: من بينات الوضع في حكاية الكسائي ، والتي تدل على رغبته في التقرب من العباسيين دعواه أن عبد الملك لم يجد في بطانته ورجال دولته في دمشق من يشير عليه برأي يرتضيه للخروج من مأزقه، فالتجأ الى أكبر اعداء دولته وهو سبط الحسين. فاستدعاه مع أصحابه بنفقات باهظة للاستعانة بمشورته في حين كان لديه في حاضرة الشام أحزم رجالات بني أمية رأيا وأوسعهم علما وخبرة وهو خالد بن يزيد بن معاوية.
ومما يثبت نهجهم هذا ما عزموه من جواب خطاب ملك الروم في شأن الكنيسة حسبما تقدم. قالوا: "فلم يدر الوليد ما يجيبه فكتب الى الكوفة والبصرة وسائر البلدان أن يجيبوه ، فلم يجيبه أحد ، وجلس عقلاء الرجال في حظيرة المسجد يفكرون في ذلك فدخل عليهم الفرزدق فقال: ما بال الناس أراهم مجتمعين حلقا حلقا، فقيل له السبب كيت وكيت. فقال: أنا أجيبه من كتاب الله ، قال الله تعالى: ففهّمناها سليمان. وكلاّ آتينا حكما وعلما. فسرى عنهم"(18).
ولا يخفى على المرء ما في هذه الحكاية من التسخيف للوليد وبطانته حتى ضاقوا ذرعا بالجواب على كلمة لملك الروم. واحتاجوا إلى النداء واستجاد الجواب في الآفاق والبلدان الى أن قيّض الله لهم الفرزدق ، وأرسله فقيها حافظا للقرآن. وناهيك بفقهه فقد كان مؤرخو الإسلام في العصر العباسي يدونون التاريخ بما صنع ويحطّ من قدر الأمويين، ووصم زمانهم ورجالهم بالغفلة وقلة الفهم.
والفضيحة في ما رواه الكسائي عن البيهقي هو وجود بعض النقود في المتاحف العربية وعليها اسم خالد بن يزيد بالرومية وهو ما يؤكد تدخله في ضربها بعد استشارة عبد الملك إياه... فمن أين جاء الكسائي والبيهقي بمشورة الباقر؟ ومن أين جاء بمجمل الحكاية ؟ !! ثم إنه يستدل من روايتهما أن طراز الصليب في مصر كان أيضا في الأواني والثياب والستور وغيرها. ولم نجد إشارة إلى ذلك في موضع آخر من الأصول التي راجعناها.
ومن الفطنة أن نشير الى أن خالد بن يزيد بن معاوية هذا الذي حمل النقد العربي إسمه بالرومية كان ميّالا الى المسيحية ويحترم أتباعها ورموزها.. فخالد كان قد قال في امرأته إبنة الزبير بن العوام أبياتا منها:
أحب بني العوام طرّا لحبها ومن حبّها أحببت أخوالها كلبا

ولم يكن الصليب في عهد من العهود وثنا يعبد، وحتى أصحاب البدع النصرانية التي كانت سائدة في صدر الإسلام وقبيل إعلان الإسلام ، لم يعتبروا الصليب غير رمز لتذكير المسيحي بآلام الذي افتدى البشر. لكن بعض مؤرخّي اٌلإسلام فهموا خطأ بأن هذا الرمز يعبده "النصراني" كوثن لذلك أنفوا منه ، اضافة إلى أنه رمز قياصرة وملوك الروم والفرنجة. والغريب أن غالبية المؤرخين لم يراعوا مشاعر النصارى العرب من الغساسنة وكانوا على بدعة المشيئة الواحدة والطبيعة الواحدة مع أن هؤلاء النصارى العرب قد مكنوا المسلمين من فتح بلاد الشام، وكذلك فعل الأقباط في مصر.
لقد كان "النصارى" عندهم من أتباع الصلبان. وكأنّ هؤلاء النصارى كانوا يعبدون الخشبة التي صلب عليها المسيح ويتنكرون لمن حمل عنهم خطاياهم ، فالصليب عند كتاب الانشاء الشريف هو عين النصرانية وشعارها. ولذلك قلما أشاروا إلى الدين المسيحي إلا بلفظ "دين الصليب" كما في نص الهدنة التي استقرت عام 682 للهجرة (1283 م) بين السلطان الملك المنصور قلاوون وبين افرنج عكا وصيدا وعثليث وغيرها. قالوا:
"كذلك يعتمد مولانا السلطان... على أن تكون الناصرة وأربع بيوت من أقرب البيوت لزيارة الحجاج وغيرهم من دين الصليب"(19).
وللقيسراني يمدح السلطان نور الدين بعد قتل الأمير وصاحب أنطاكية وهدم أربع بيوت يقول:
ضربت كبشهم فيها بقاصمة أودي بها الصليب وانحطت بها الصلب
ولابن منير في مثل ذلك:
صدم الصليب على صلابة عودة فتفرقت أيدي سبا خشباته
وفي هذا أيضا قول تقي الدين اسماعيل ابن أبي اليسر في قصيدته المشهورة لما اكتسح التتار بغداد:
عـلا الصليـب عـلى أعـلى منابـرهـا
وقـام بالأمـر مـن يحويــه زنـار
واذا ، فالنصارى عندهم "أتباع الصلبان" و "عباد الصليب" و "عبدة الصلبان" ومن ذلك قول عماد الدين الكاتب الأصبهاني من رسالة أنشأها عن السلطان صلاح الدين الأيوبي إلى ديوان الخلافة ببغداد مبشرا بفتح بيت المقدس سنة 883 للهجرة (1187 م).
"أسكنه الفقهاء والعلماء بعد الجهال والضلال من بطرك وقس وعبدة الصليب ومستقبلي الشمس" (20).
وممن مدح بأنه "قامع عبدة الصلبان" السلطان صلاح الدين الأيوبي ، وقد ورد ذلك في خطبة "إبن زكي الدين الدمشقي" بعد فتح القدس (21)، كما ورد في مقدمة كتاب "الأعلاق الخطيرة" لإبن شداد (22).
وأطلق الصليب في الكلام على جيوش الروم (على عدد عشرة آلاف مقاتل) ومنه قول ابن حمدان لأهل حلب حين نزل عليهم أمير الجيوش والي دمشق من قبل العزيز بالله الفاطمي وضجروا من طول حصاره فقالوا لبن حمدان:
"اما أن تدبّر البلد والا سلمناه، فقال أصبروا عليّ ثلاثة أيام. فإن البرجي والي انطاكية (من قبل الروم) قد سار الى نصرتي في سبع صلبان" (23).
ولكن يمكن أن نميز في التاريخ الإسلامي ثلاث ظواهر تتعلق بالصليب: 
الظاهرة الاولى: أن التاريخ الإسلامي حافل بشخصيات احترمت الصليب عن إيمان.
الظاهرة الثانية: أن هذا التاريخ مليء بذكر شخصيات احترمت الصليب لغايات تفضح قذارة نفوس أصحابها.
والظاهرة الثالثة: أن العرب المسلمين في بعض فترات التاريخ كانوا إذا ثاروا في وجه الظلم لجأوا إلى رفع الصليب وتحقير الرموز الإسلامية. ونبدأ بالظاهرة الأولى:
يستفاد من رسالة عبد الله بن اسماعيل الهاشمي وجواب عبد المسيح بن اسحق الكندي عليها (24) أن بعض المسلمين كانوا يستعيذون أحيانا بالصليب اما لحسن اعتقادهم في قدرة المسيح كلمة الله الذي هو ممثل له ، واإما على سبيل التجربة والامتحان للنعمة الحالة فيه والصادرة عنه ، وقد كان الهاشمي قد كتب للكندي في رسالته المذكورة ما يلي:
"دع ما أنت عليه من الكفر والشقاوة والبلاء ، وقولك بذلك التخليط الذي تعرفه ولا تنكره. وهو قولكم بالآب والإبن والروح القدس. وعبادة الصليب التي تضر ولا تنفع. فاني اربأ بك (25) عنه، وأجلّ فيه علمك وشرف حسبك عن خساسته".
فأجابه الكندي بما يمكن إيجازه في ما يلي: لقد كنت أيها الهاشمي قد جربت قوة الصليب واستغثت به يوما حين وقعت من الدابة ، وهربت من بعض أعدائك ، ولقيت مرة الأسد في طريقك. ففزت بمعونة الصليب بالنجاة والسلام ، وقد أقررت بذلك بفمك في مجلس حضرته.
ويقول الكندي هنا بالحرف الواحد:
واما قولك "عبادة الصليب التي تضر ولا تنفع" لما رأيته من تعظيمنا إياه وتقبيلنا له وتبركنا به ، فنجيبك عنه قائلين: إننا نفعل ذلك للذي مثّل لنا فيه من أمر المسيح وما جرى تدبيره في خلاصنا ، واستنقاذنا من الهلكة باحتماله الصلب عنا والموت لأجلنا ، فإن النعمة عندنا في ذلك مما لا يبلغه منا وصف ، ولا يفي به شكر. والصليب ممثل هذه النعمة نصب أعيننا، يحثنا على شكر موليها والمنعم بها ، وإليه نقصد بالتعظيم والتبجيل ، لا الى الخشب وغيره مما تصنع به الصلبان. ولو كنا نعظم الخشب كما توهمت لما اتخذنا الصليب من غيره ، ولكننا نتخذه من الخشب والذهب والفضة والحجارة وغيرها. ونخطه خطّا، ونرسمه بأيماننا ، وذلك دليل على أننا لا نقصد بالتعظيم الجواهر التي تتخذ منها الصلبان بل من هو ممثل بالصليب".
"لم أصلحك الله غلب عليك النسيان في هذا الموضع ، وحرّكتك العصبية الهاشمية ، فأزاغتك عن سبيل الحق ، وحادت بك إلى خلاف ذلك السبب الذي أنت أقررت به بفمك ، ولفظ به لسانك ، مما جربت من القوة الحالة في الصليب حين استعذت به عند سقوطك عن الدابة. وحين هربت ممن هربت منه ، وحين لقيت الذي لقيت في طريقك وأنت ماض الى عمر الأكيراح (26). وحين لاقاك الأسد وقت قاربت ساباط المدائن. أفتراك أصلحك الله نسيت هذه المواقف؟ ……فان كنت نسيتها فنحن ذاكرون لها. فلم، أصلحك الله تكفر بالنعمة، وتكافىء بالشر، وتقلّ من الشكر ، وتنكر المعروف ؟ وليس هذا مذهب من هو مثلك من أهل التحرج والتمسك بالصدق ولم قلت أن عبادة الصليب تضر ولا تنفع ؟ فليت شعري أي ضرر نالك عند التعوذ بالصليب ؟! وأنت تعلم أنا ، معشر النصارى، لا نعبد الصليب وإنما نعبد القوة الحالّة في الصليب ، والتأييد الذي أيدنا به ، والخلاص الذي أوتينا بسببه. ألم يجر بيننا من الكلام والمحاجة بحضرة من جرى ما قد أقنعك ؟ ونعلم كيف كان الحكم عليك في ذلك المجلس. فلم رجعت عما كان صح عندك وأقررت بصوابه حتى ذكرت أنك امتحنت ذلك فوجدته صحيحا"؟!
ولا بد من الإشارة هنا الى أن المناظرة بين الهاشمي والكندي هي حقيقة ، وتختلف عن غيرها من المناظرات المروية. فقد شهد بصحتها الإمام البيروني في كتابه "الآثار الباقية" فالإستناد إليها والإستدلال بها حجة لا تدافع.
كذلك فإن أشهر من كان يميل الى النصارى في عهد العباسيين ، ويساعد على إظهار الصليب في الإعلام ، واتخاذه في الكنائس زبيدة بنت جعفر زوجة هارون الرشيد وأم ولده الأمين، فقد روي أنها "كانت تكرم تيموتاوس (جاثلين النساطرة) كثيرا ، وتميل إلى النصارى وتستخدمهم. وأخرجت توقيع الرشيد بإعادة المتهدم من دير مافنثيون وتوسيعه. وعملت أعلام الشعانين وصلبانا من ذهب وفضة، وعاونت سرجيس مطران البصرة على بناء البيع فيها وعضدت جبريل الطبيب في خطابه في ذلك" (27).
وممن جارى المسيحيين في تعظيم الصليب ، وممن تم تكفيره بعض المسلمين من المترددين على الأديرة طلبا للنـزهة وشرب الخمر ، ولا سيما بعض الشعراء ، كالشاعر الكندي المنبجي ، حين مر بدير مار ماعوث فقال:
ولقد سلكت مع النصارىكل ما سلكوه غير القول بالثالـوث بتناول القربان والتكفير للصلبان والتمسيح بالطيبوث (28).
ومثله قول عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع:
أقمت بالدير حتى صار لي وطنا من أجله ولبست المسح والصلبا وصار شماسه لـي صاحبا وأخا وصار قسيسه لي والدا وأبا (29).
وحتى الذين أسلموا من النصارى ما كانوا يتركون تكريم الصليب والتبرك به في خلواتهم. ومن هؤلاء آل سليمان بن وهب الذين اشتهروا بالوزارة في الخلافة العباسية. وروى أن احدهم وهو الحسين بن القاسم بن عبد الله كان يتقرب الى النصارى الكتاب بأن يقول لهم: "إن أهلي منكم وأجدادي من كباركم. وإن صليبا سقط من يد عبد الله بن سليمان جده أيام المعتضد ، فلما رآه الناس قال هذا شيء تتبرك به عجائزنا فتجعله في ثيابنا من حيث لا نعلم" (30).
ولما كانت تقع الهدنة بين الروم والمسلمين ، كان ملك الروم ينفذ الى من جاوره من ولاة المسلمين صليبا من الذهب وفاء بالعهد. قال ابن العديم:
"في سنة اثنين وعشرين وأربعمائة (1939م) طلب نصر بن مرداس (صاحب حلب) الهدنة من ملك الروم. فأطلق الملك رسول نصر ، مقلد بن كامل بن مرداس، وأعطاه صليبا من ذهب مرصعا، أمانا لنصر ووفاء بالشرط" (31).
وممن اختار "الركوب تحت الصليب" على أن يرضي بالذل في ولايته خوفا من العزل ، وجيه الدولة بن حمدان التغلبي، وهو القائل:
من كان يرضى بذل في ولايته خوف الزوال فاني لست بالراضي
قالوا فتركب أحيانا فقلت لهم تحت الصليب ولا في موقف القاضي (32)
وأما الظاهرة الثانية. فإنها إشارة إلى شخصيات وشعراء من المسلمين رفعوا من شأن الصليب لخبث في نفوسهم كما أسلفنا.
فالوليد بن يزيد أحب حسناء نصرانية اسمها سفرى فقال فيها:
اضحى فؤادك يا وليـد عميـدا صبا قديما للحسـان صيـودا
من حب واضحة العوارض طفلة برزت لنا نحو الكنيسه عيـدا
ما زالت أرمقها بعيني وامــق حتى بصرت بها تقبل عـودا
عود الصليب فويح نفسي من رأى منكم صليبا مثله معبـودا 
فسألت ربي أن أكـون مكانـه وأكون في لهب الجحيم وقودا (33)
وقال أبو نواس:
إني هويت حبيبا لست أذكـره الا تبادر ماء العين ينسكب
مزنّر يتمشى نحو بيعتــــه الهه الابن فيما قال والصلب (34)
وللحسن بن هانيء يخاطب أحد غلمان النصارى:
قد رضينـا بسلام أو كلام من قريـب
فبروح القدس عيسى وبتعظيم الصليـب
قف إذا جئت إلينا ثم سلّم يا حبيبـي
وقال الفتح بن خاقان في مطمح الأنفس في ترجمة أبي عمرو يوسف بن هرون الكندي المعروف بالروماني (توفي 403 للهجرة ـ 1021م):
"وكان كلفا بفتى نصراني استسهل لباس زناره والخلوة معه في ناره ، وخلع بروده ، وتسوغ دين مسيحه وجعله معبوده ، وراح في بيعته ، وغدا من شيعته ولم يشرب نصيبه حتى خط عليه صليبه ، فقال:
أدرها مثل ريقك ثم صلب عادتكم على وجهي ورأسي (35)
وأما الظاهرة الثالثة فهي أن الجموع الإسلامية كانت في فترات معينة من التاريخ ، ولا سيما في العصر العباسي ، ترفع الصلبان وتعظم المسيح في وجه ظالمها. فمن أغرب مظاهر الفتن والثورات في عهد العباسيين رفع الصليب أحيانا ، والانتماء لملوك الروم. ولعل أول من أظهرها على الرايات من قواد المسلمين ، يعقوب بن الليث المشهور بالصفّار سنة 262 للهجرة (875م):
قال ابن شاكر الكتبي في أخبار السنة السالفة الذكر:
"قدم يعقوب بن الليث في جحافل فدخل واسط قهرا فانتدب له أبو أحمد الموفق أخو الخليفة في جيش عظيم فاقتتلوا إلى رجب من هذه السنة قتالا عظيما هائلا. ثم كانت الغلبة على يعقوب وأصحابه ، فقتل منهم خلق كثيرون ، وغنم منهم أبو أحمد شيئا كثيرا من الذهب والفضة والمسك والدواب ، ويقال أنهم وجدوا في جيش يعقوب هذا رايات عليها صلبان"(36). 
وفي سنة 416 للهجرة (1025م) أرسل المغاربة الذين في قلعة حلب يسألون الصلح من سالم بن مستفاد والي حلب من قبل صالح بن مرداس ، والتمسوا منه أشياء. فلم ير إجابتهم إليها ، فلما كان نهار ذلك اليوم ، نصبوا الصلبان على سور القلعة وصاحوا: باسيل يا منصور (أي باسم ملك الروم) وحطوا الصلبان بعد اشهارها وبقوا يصيحون ليلتهم تلك إلى الغداة ، وأعادوا نصب الصلبان في صباح يومهم. ولعنوا الظاهر (الخليفة الفاطمي بمصر) ودعوا لباسيل الملك. وبقيت الصلبان منصوبة على حالها الى يوم الجمعة ثالث يوم أشهروها فيه، وأضافوا اليها صليبا آخر كبيرا" (37).
وذكر إبن العديم هذه الواقعة في أخبار سنة 415 للهجرة، وأضاف أنهم بعد أن نصبوا الصلبان ثلاثة أيام نقروا الناقوس أيضا (38).
"وسرت هذه العادة أيضا الى بغداد مقر الخلافة العباسية. ففي سنة 421 للهجرة (1030م) كان الخراب قد شمل بغداد لضعف الهيبة وتتابع المجاعة. فاجتمع الهاشميون في شوال بجامع المنصور ، ورفعوا المصاحف واستنفروا الناس ، فاجتمع اليهم الفقهاء ، وخلق من الإمامية الرافضة ، وضجوا أن يعفوا من الترك فعمدت الترك.... ورفعوا صليبا على رمح ، وترامى الفريقان بالنشاب والآجر ثم تحاجزوا" (39).
"وفي سنة 382 للهجرة (1089م) في جمادي الأولى كثرت الفتن ببغداد بين أهل الكرخ وغيرها من المحال. وثار أهل الكرخ ، وقصدوا شارع ابن أبي عوف ونهبوه. وفي جملة ما نهبوا دار أبي الفضل بين خيرون المعدل. فقصد الديوان مستنفرا ومعه الناس. ورفع العامة الصلبان وهجموا على الوزير في حجرته ، وأكثروا من الكلام الشنيع" (40).
ونقل سبط ابن الجوزي هذا الخبر باسهاب مهم فقال:
"في صفر سنة 482 للهجرة (1089م) كانت فتنة عظيمة ببغداد بين السنّة والشيعة فغلقت أسواق الكرخ ، ورفع أهلها المصاحف وقتل بينهم خلق كثير. ورفع العامة الصلبان على القصب ونادوا: المستنصر يا منصور (أي باسم الخليفة الفاطمي بمصر ) ونادت الطائفة الأخرى: المسيح يا منصور. وتفاقم أمر الفتن. وقتل من الفريقين نحو مائتين. وسب أهل الكرخ (الشيعة) أصحاب رسول الله وزوجاتهم رضي الله عنهم. وتعدوا إلى سب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتب الخليفة الى صدقة بن مزيد بإنفاذ جيش قوي فبعث إليه بالعرب ، واتفقوا مع الشحنة. فنقضوا الدور ، وأحرقوا المحال ، وحلقوا الشعور ، ونهبوا أماكن المفسدين من الفريقين فسكتت الفتنة" (41).
ومن أغرب الخوارق أن يتفق فريقان متخالفان متناظران على انتحال شعائر المسيحية في حالة الشغب والقتال والنداء بالنصر للمسيح. ورفع الصليب وهو "شعار الكفر" بحسب ما يسمسه المقريزي. وهذه النـزعة العجيبة في مثل حاضرة الخلافة العباسية جديرة باسترعاء انتباه الناظر في تاريخ ماضي الإسلام.
ويدخل في هذا الباب إنحياز المسلمين إلى خيمة الصليب ووقوفهم تحته في الحروب التي كانت بينهم وبين الروم. وانتحالهم النصرانية. ففي سنة 322 للهجرة (922م) "سار الدمستق فوقاس في خمسين ألف من الروم. فنازل ملطية (مالطا) وحاصرها مدة طويلة ، فهلك أهلها بالجوع. وضرب خيمتين، على أحديهما صليب ، وعلى الآخر مصحف. وقال: من أراد النصرانية انحاز إلى خيمة الصليب ليرد عليه أهله وماله. ومن أراد الإسلام انحاز إلى الخيمة الأخرى وله الأمان على نفسه حتى يبلغ مأمنه. فانحاز أكثر المسلمين إلى الخيمة التي عليها الصليب طمعا في أهليهم وأموالهم. وسيّر مع الباقين بطريقا ليبلغهم مأمنهم وفتحها بالأمان في مستهل جمادى الآخرة"(42).
وفي سنة 354 للهجرة (965م) فتح نقفور طرسوس ونصب رمحين جعل على أحدهما مصحفا وعلى الآخر صليبا. ثم قال لهم من اختار بلد الإسلام فليقف تحت المصحف. ومن اختار بلد النصرانية فليقف تحت الصليب. فخرج المسلمون ، فحزروا بمائة ألف ما بين رجل وامرأة وصبي. وانحازوا إلى انطاكية (أي الى بلد النصرانية).
إذا ، حبذا لو يقال للذي يدعو المسلمين في خطبة الجمعة إلى نبذ الصليب من لباسهم وأدواتهم وزينتهم أنه أخطأ أكثر من مرة. وحبذا لو يكون الحوار معه حوار محبة فلا تؤذى مشاعره.
ليقل له أنه أصاب في الرجوع إلى حديث نبي العرب عليه السلام فقد ورد في باب كسر الصليب وقتل الخنـزير ما يلي:
"حدثنا علي بن عبد الله. حدثنا سفيان. حدثنا الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى ينـزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (43).
نعم لقد أصاب في الرجوع الى هذا الحديث ولكنه أخطأ في تدبر معناه. فقد انتبه عقله إلى أن المسيح سيكسر الصليب ولم يتنبه الى أن ذلك سيتم في آخر الزمان حيث الدينونة ، وحيث لا حاجة بعدها إلى الصليب. كما أنه غفل أن يقول لنا في الوقت ذاته أن المسيح سيعود ليتولى الدينونة.
وبكل الأحوال ومن باب أولى أن يرفض عقله مثل هذه الأحاديث المروية، وان كان تفسيرها على الغالب لا يسيء إلى الصليب. ذلك أن كل "الأحاديث الشريفة" في مسألة الصليب تصل في اسنادها إلى أبي هريرة أو إلى عائشة أصغر زوجات نبي الإسلام عليه السلام.
فعن الأول (أبي هريرة) كتب الدكتور محمد التيجاني السماوي وهو أحد أبرز قادة الفكر الإسلامي الشيعي المعاصرين فأورد في كتابه "فاسألوا أهل الذكر" ما يلي:
"وعقيدة الشيعة الذين ينـزهون الله عن المشاكلة والمجانسة والتجسيم ويقولون باستحالة رؤيته في الدنيا وفي الآخرة. واعتقد شخصيا بأن الروايات التي يحتج بها أهل السنة والجماعة كلها من دس اليهود في زمن الصحابة لأن كعب الأحبار اليهودي الذي أسلم في عهد عمر بن الخطاب هو الذي أدخل هذه المعتقدات التي يقول بها اليهود عن طريق البسطاء من الصحابة أمثال أبي هريرة ووهب بن منبه. فأغلب هذه الروايات مروية في البخاري ومسلم عن أبي هريرة ، وهذا الأخير ثبت أنه لا يفرق بين أحاديث النبي وأحاديث كعب الأحبار حتى ضربه عمر بن الخطاب ومنعه من الرواية في قضية خلق الله السموات والأرض في سبعة أيام" (44).
ولا بد من التذكير والإيضاح بأن الحديث دوّن في عهد الأمويين وأن المؤرخين (45) حدثوا أنه بعد وقعه الحرة حيث قتل عشرة آلاف من خيرة المسلمين سوى النساء والصبيان ، وافتضّ بها نحو ألف بكر ، وحبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج ، ثم بايع من بقي من الناس على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية. هذا ما جاء في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري وتاريخ ابن كثير والإصابة، ولسان الميزان وغيرها...
ويجمع هؤلاء المؤرخون أنه لما بلغ يزيد خبر تلك الجرائم والمآسي التي يندى لها الجبين ولم يشهد لها التاريخ مثيلا حتى عند المغول والتتار فرح بذلك وأظهر الشماتة بنبي الإسلام وتمثل بقول ابن الزبعّري الذي أنشده بعد موقعه أحد قائلا:
ليت أسياخي ببـدر شهدوا 
جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلّوا واستهلوا فـرحـا
ثم قالـوا: يا يزيـد لا تسل
قد قتلنا القرم من ساداتهــم وعد لنا ميل بدر فاعتـدل 
لسـت من خنـدف ان لم انتقم من بنـي أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالمـلك فلا خبر جاء ولا وحي نــزل
والأب معاوية يقول صراحة بحسب هؤلاء المؤرخين أنفسهم عندما يسمع المؤذن يشهد أن محمدا رسول الله: "أي عمل وأي ذكر يبقى مع هذا ، لا امّ لك والله إلا دفنا دفنا".
أو مثل هؤلاء الخلفاء كان يحارب الصلبان؟ ؟!! ……… إن الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعثمان وعمر منعوا كتابة حديث نبي الإسلام بل وحتى التحدث به. فهذا أبو بكر يجمع الناس في خلافته ويقول لهم: "إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا. فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه"(46).
كما أن عمر بن الخطاب هو الآخر منع أن يتحدث الناس بحديث نبي العرب. "قال قرظة بن كعب: لما سيرنا عمر بن الخطاب الى العراق مشى معنا وقال: أتدرون لم شيعتكم ؟ قالوا تكرمة لنا ، قال: ومع ذلك انكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث لتشغلوهم. جودوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم"...
ويضيف هذا الراوي: "فلم أنقل حديثا قط بعد كلام عمر. ولما قدم العراق هرع الناس اليه يسألونه عن الحديث فقال لهم قرظة: نهانا عن ذلك عمر" (47). 
كما أن عمر أمر الصحابة أن يحضروا ما في أيديهم من كتب الحديث فظنوا أنه يريد أن يقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم فأحرقها كلها في النار (48).
ثم أتى بعده عثمان بن عفان فواصل المشوار وأعلن للناس كافة أنه لا يحل لأحد أن يروي حديثا لم يسمع به على عهد أبي بكر ولا عهد عمر (49).
فلا بد أن هناك سرّا لمنع الأحاديث التي رويت عن نبي الإسلام عليه السلام ، والا لماذا يبقى حديثه ممنوعا طوال تلك المدة الطويلة ؟!


هوامش البحث
1- من كتاب "السلوك لمعرفة الدول والملوك" جزء 2 رقم الحفظ في باريس1727 ، صفحة 290.
2- الثاني من عقد الجمان. رقم 1544 ـ باريس ص 94.
3- من كتاب "السلوك" (المصدر السابق) جزء 2 ص 371.
4- صحيح البخاري جزء 2 ص 49 طبعة المطبعة الحسينية 1328 هـ.
5- سنن أبي داود جزء 2 ص 122.
6- لسان العرب جزء 17 ص 334.
7- "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير - الجزء الأول ص 73.
8- الطبري.
9- لا يخفى أن نص التثليث هذا جاء بالسريانية ، ويبدو أن النص نقل للرشيد بترجمته السريانية.
10- صحيح البخاري - الجزء الأول ص 99.
11- صحيح البخاري ـ الجزء الأول ص 137.
12- راجع "عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة تأليف العلامة جلال الدين السيوطي ص 30 (منشورات دار الايمان-دمشق وبيروت) كذلك تم ضبطه على ما ورد في "سنن البيهقي" ص 276.
13- صحيح البخاري جزء 3 ص 243.
14- صحيح البخاري جزء 3 ص 243.
15- المحاسن والمساويء لابراهيم بن محمد البيهقي - مصر 1906 – الجزء الثاني ص 126 - 129.
16- مجلد من"مرآة الزمان" لسبط ابن الجوزي خزانة اوكسفورد - مارش 189..
17- تهذيب تاريخ إبن عساكر - طبعة بدران جزء أول ص 202.
18- تهذيب تاريخ إبن عسكر - طبعة بدران جزء أول ص 202 - 203.
19- من صورة عن مخطوطة عنوانها: تشريف الأيام والعصور بسيرة الملك المنصور والمخطوطة الأصل محفوظة في باريس تحت رقم 1704ص 84.
20- إرشاد الأديب لياقوت الرومي جزء 7 ص 87. (وسمي النصارى مستقبلي الشمس لأنهم يتجهون في كنائسهم وصلواتهم جهة المشرق). 
21- وفيات الأعيان لإبن خلكان جزء أول ص 593.
22- محفوظ في خزانة الفاتيكان رقم 730 ص 2.
23- زبدة الحلب لإبن العديم ص 211.
24- رسالة عبد الله بن اسماعيل الهاشمي الى عبد المسيح بن اسحق الكندي - طبعة لندن 1885 ص 11 و 12.
25- وردت في الأصل المطبوع: "ارتابك" واعتقد أن المقصود الحقيقي هو:"أربا بك".
26- دير معروف في العراق.
27- أخبار بطاركة كرسي الشرق - طبعة روما - ص 73.
28- معجم البلدان لياقوت الحموي - جزء 2 ص 701. والطيبوت لفظة سريانية معناها في الأصل النعمة ولكن يراد بها ههنا الزيت السائل من بعض الأيقونات.
29- كتاب "الديارات" (الأديرة) للشايشتي - طبعة برلين ص 25.
30- صلة الطبري لعريب ص 164.
31- زبدة الحلب (مرجع سابق) ص 66.
32- معجم الأدباء لياقوت الحموي - الجزء الرابع - ص 202. وقد نسب هذين البيتين في الجزء الثاني من معجمه للأمير أبي الحسن بن علي بن مقلد. وروى في عجز البيت الأول: "من خوف عزل".
33- عيون التواريخ لابن شاكر الكتبي - الجزء الخامس - رقم 45 في الخزانة الظاهرية بدمشق.
34- ديوان أبو نواس - رواية الأصبهاني - المجلد الثالث - في خزانة باريس رقم 4831.
35- ديوان أبو نواس ص 95 محفوظ في الفاتيكان تحت رقم 456.
36- عيون التاريخ لإبن شاكر الكتبي - الجزء الثاني- ص 49.
37- تاريخ الذيل ليحيى بن سعيد الأنطاكي ص 247.
38- زبدة الحلب (مرجع سابق) ص 61.
39- الإعلام بتاريخ الإسلام لمحمد بن الجزري - خزانة الاسكندرية - رقم 2072 - ص 385.
40- الكامل في التاريخ لابن الأثير – الجزء العاشر ص 61.
41- من مجلدات مرآة الزمان - خزانة اوكسفورد - مارش 658 اف: 9.
42- الأعلاق الخطيرة لإبن شداد الحلبي - الجزء الأول. موجود في الفاتيكان تحت رقم 730. راجع ص 37 - 38.
43- زبدة الحلب (مصدر سابق) لابن العديم ص 37 ـ 38.
44- كتاب "فاسألوا أهل الذكر" مؤسسة الفجر لندن – الطبعة الأولى 1991 – 1412 هـ - ص 27 – 28.
45- راجع كتاب أنساب الأشراف للبلاذري جزء 5 ص 42. وراجع : كذلك "لسان الميزان" جزء 6 ص 294. وراجع أيضا تاريخ ابن كثير جزء 8 ص 221. وراجع الإصابة جزء 3 ص 473.
46_ تذكرة الحفاظ للذهبي - الجزء الأول ص 2 و 3.
47- سنن إبن ماجه - جزء أول ص 12 وسنن الدارمي جزء أول ص 85 وكذلك الذهبي في تذكرة الحفاظ.
48- الطبقات الكبرى لإبن سعد جزء 5 ص 239.
49- منتخب كنـز العمال بهامش مسند أحمد جزء 4 ص 64.