مواطن تأثر الإسلام بالوثنية

 

دأب دعاة المسلمين على نعت الفترة التي سبقت البعثة المحمدية بأبشع الأوصاف وأكرهها، حتى يرسخ في ذهن المسلم بأن تلك الحقبة التي سبقت الإسلام تطغى عليها الوثنية ، واستعاروا من القرآن لفظة "الجاهلية" وأطلقوها كمرداف ل "الوثنية" تارة، أو للدلالة على عدم معرفة القراءة والكتابة تارة أخرى.
وكان قد سبق للمسيحيين أن أطلقوا على الزمن الذي سبق ظهور المسيح إسم "الجاهلية" و "أيام الجاهلية" و "زمان الجاهلية"، وذلك استهجانا لأمر الإنسان ومصيره تحت حكم الناموس اليهودي (راجع أعمال الرسل 2 الإصحاح 17 – الآية 30)
ولقد تبينت لفظة الجاهلية في أربعة مواضع، وفي أربع سور من الخطاب القرآني. فقد وردت هذه اللفظة في سورة "آل عمران" (154)، وفي سورة "المائدة" (50) ، وفي سورة "الأحزاب" (33) ، ثم في سورة "الفتح" (26). ويبدو أن الكثير من المفسرين حسب أن معناها هو "الجهل" (ضد العلم والمعرفة) ويتأتى عن ذلك عبادة الأوثان، جهلا بحقيقة الله الواحد، إضافة إلى عدم معرفة القراءة والكتابة. والواقع أن "الجاهلية" والجهل هما ، في اللغة العربية ، من جذور "جهل" أي "سفه" ومعناه نقيض "الحلم" و "الأناة" و "النخوة" و "المروءة" و "التسامح". ودليل ذلك ما ورد في الخطاب القرآني نفسه: 
• ففي سورة الفرقان (63) ورد قوله: "عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"
• وفي سورة البقرة (67) : "قالوا أتتخذنا هزؤا …… قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين
• وفي سورة الأعراف (198): "خذ العفو وإأمره بالعروف واعرض عن الجاهلين"
• وفي سورة هود (46): "إني أعظك أن تكون من الجاهلين"
وسنجد اللفظة ذاتها في كل مكان من سورة هود (46) ، الفتح (26) ، الأنعام (111)، الأعراف (137) ، الأحقاف (23) النمل (55) وكذلك في سور أخرى كثيرة. وفي الآيات جميعها تعني كلمة "جهل" ومشتقاتها ما هو نقيض الحلم والمحبة والروية، والنخوة والغفران والرحمة، ولا تعني في أي آية منها الوثنية، أو عدم معرفة القراءة والكتابة.
لقد ظن دعاة الإسلام أن وصف تلك الفترة ب "الجاهلية" سوف يخدم الإسلام ، لأنهم يرسخون في الإذهان فكرة أن الإسلام جاء ردا على وثنية غلبت على الحياة العربية. مع أن النصرانية واليهودية كانت هي الغالبة. وفي ذلك يتسائل عميد الأدب العربي، طه حسين بقوله: "أفتظن قوما يجادلون في هذه الأشياء جدالا يصفه القرآن بالقوة، ويشهد لأصحابه بالمهارة، أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة" (1)؟
ويجيب طه حسين بقوله: "كلا لم يكونوا جهالا ولا أغبياء، ولا غلاظا، ولا أصحاب حياة خشنة جافية، وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء ، وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة" (2)
ثم إن القرآن قد تحدى عرب ما قبل الإسلام بقوله: "قل فأتوا بسورة مثله" (3). 
والتحدي لا يكون للضعيف بل للقرين الكفؤ ، وإلا لكان التحدي موضع سخرية.
هذا أمر.
والأمر الآخر، أن دعاة المسلمين يغفلون ذكر ما ورثه الإسلام من الوثنية، مع أن الوثنية كانت تقتصر على الأقلية وليس الأغلبية. وسيدهش القراء عندما يعرفون أن الإسلام أخذ الكثير من الوثنية ، مثل فريضة الحج ، والأشهر الحرم ، وحدود الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، فضلا عن بعض المسؤوليات الجزائية مثل القصاص ، الدية ، القسامة ، والعاقلة ……… الخ.
ويبقى من المهم هنا ، أن نوضح الصورة الحقيقة للحالة الوثنية في المجتمع العربي قبيل وإبان ظهور الإسلام.


حقيقة الأوثان

ويقينا، ليس ثمة أغمض من تعريف أوثان بعض العرب قبيل الإسلام. ولو جمعنا كل ما كتبه المؤرخون المسلمون في تصانيفهم التي نجت من الحرق أو الضياع لما وجدنا أكثر من أسطر قليلة تضمنتها معاجم اللغة، ومنها "معجم البلدان" لياقوت الحموي، وما رواه الحاج خليفة في كشف الظنون.
والسؤال هنا: كيف يضيع كتاب مهم لإبن الكلبي عنوانه "أصنام العرب" وكتاب آخر للجاحظ عنوانه "الأصنام" برغم المنقولات عن هذين الكتابين في تصانيف المؤرخين العرب. إن المنقولات في الواقع لا تشفي غليلا لأنها قليلة من جهة، ولأنها كثيرا ما تكون مضطربة ومتناقضة من جهة ثانية. ومع ذلك، يمكن القول بأن ما كتبه الشهرستاني في "الملل والنحل" قد يكون أوسع ما جاء في ذلك ؛ يقول: (4)
"وكانت أديان العرب مختلفة بالمجاورات لأهل الملل والإنتقال إلى البلدان والإنتجاعات فكانت قريش وعامّة ولد معد بن عدنان على بعض دين إبراهيم يحجّون البيت ويقسمون المناسك ويقرون الضيف ويعظّمون الأشهر الحرم وينكرون الفواحش والتقاطع والتظالم ويعاقبون على الجرائم فلم يزالوا على ذلك ما كانوا ولاة وكان آخر من قام بولاية البيت الحرام من ولد معد ثعلبة بن اياد بن نزار بن معد. فلمّا خرجت إياد وليت خزاعة حجابة البيت فغيّروا ما كان عليه الأمر في المناسك حتى كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب ومن منى بعد أن تطلع الشمس. وخرج عمرو بن لحيّ، وإسم لحيّ ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، إلى أرض الشام وبها قوم من العمالقة يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأوثان التي أراكم تعبدون. قالوا: هذه أصنام نعبدها ننتصرها فننصر ونستسقي بها فنسقى. فقال: ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب عند بيت الله الذي تفد إليه العرب. 
فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكّة فوضعه عند الكعبة فكان أوّل صنم وضع بمكّة ثم وضعوا به إساف ونائلة كل واحد منهما على ركن من أركان البيت. فكان الطائف إذا طاف بدأ بإساف فقبّله وختم به ونصبوا على الصفا صنما يقال له "مجاور الريح" وعلى المروة صنما يقال له "مطعم الطير" فكانت العرب إذا حجّت البيت فرأت تلك الأصنام سألت قريشا وخزاعة فيقولون: نعبدها لتقر بنا إلى الله زلفى. فلمّا رأت العرب ذلك اتّخذت أصناما فجعلت كل قبيلة لها صنما له تقرّبا إلى الله فيما يقولون. فكان لكلب بن وبرة وأحياء قضاعة ودّ منصوبا بدومة الجندل بجرش. وكان لحمير وهمدان نسر منصوبا بصنعاء وكان لكتابه سواع. وكان لغطفان العزّى وكان لهند ومجيلة وخثعم ذو الخلصة. وكان لطىء الفلس منصوبا بالحبس. وكان لربيعة وإياد ذو الكعبات بسنداد من أرض العراق. وكان لثقيف اللات منصوبا بالطائف. وكان للأوس والخزرج مناة منصوبا بفدك ممّا يلي ساحل البحر. وكان لدوس صنم يقال له سعد. وكان لقوم من عذرة صنم يقال له شمس. وكان للأزد صنم يقال له رثام".
أفترض أننا سنضيف إلى لائحة الأصنام التي ورد ذكرها آنفا أسماء آلهة أخرى ورد ذكرها في بعض التواريخ والشروح والمعاجم، مثل: رضا، مفاف ، جلسد ، سعير ، والقصير. فإن العد لن يبلغ بالقارىء إلى أكثر من ثلاثين صنما. ومعظمها لم يعبد في جزيرة العرب، مثل "ود" ، "سواع" ، "يغوث" ، "يعوق" و "نسر" الذين ذكر أنهم من آلهة قوم نوح ، كما أورد الخطاب القرآني (5). وإذا ذاك كيف يزعم إبن إسحق وابن هشام أن عدد الأصنام في الكعبة كان 360 صنما على عدد أيام العام الواحد.
إن هذا يعيدنا إلى ما ذكرته آنفا من أن المبالغة في تضخيم صورة الحالة الوثنية كان دأب الدعاة المسلمين، للإيحاء بأن الإسلام جاء ردا على عبادة الأوثان. بل إن هؤلاء الدعاة انساقوا في إتجاه آخر للإيحاء بأن الوجود النصراني في الجزيرة العربية اقتصر على مجموعة من الرهبان الذين تباعدت صوامعهم على الطريق بين مكة والشام.
يذكر الأب شيخو (6) إن الإكتشافات الحديثة جاءت كلها. لتدحض ما زعمه رينان من أن الشعوب السامية عموما والعربية خصوصا كانت تقول بالتوحيد، لا عن وحي 
خاص ، بل عن غريزة "لأن عقل الساميين على زعمه مطبوع من أصله على البساطة ، وكانت غايته من ذلك أن ينكر الوحي بالإله الواحد إلى بني إسرائيل". ويضيف الأب شيخو (7) أن العرب في الجاهلية عاشوا في الشرك مدة قرون عديدة "أما شركهم فكان تأليه قوى الطبيعة إجمالا والأنوار العلوية خصوصا".
والواقع أن الأب شيخو فاته في هذا المجال أن بعض الفراعنة سبق بني إسرائيل إلى التوحيد قبلهم أيضا. وليس هذا هو بيت القصيد. فقد فات الأب شيخو ـ رغم غزارة علمه ورجاحة عقله ـ أن مقياس الرسول الذي أقيم بدلا من يهوذا الأسخريوطي وسار إلى بلاد الشراة فبشر فيها بالمسيح، قد علّم القبائل العربية في الجزيرة بأن المسيح هو النور الحقيقي، نور الحياة، وأن العربي في ذلك الوقت لا يستطيع أن يؤمن بشيء لا يراه، فإن كان لا يرى إلهه فإن محتوم عليه أن يرمز إليه برمز، ومن ذلك تأليهه للأنوار العلوية والسيارات والشمس، وأنه لما كانت الشمس هي النور العظيم فإن عبادتها فاقت كل ما سواها. وكنت أود لو ألفت الأب شيخو في حياته إلى أن النبطيين الذي يعبدون ذي الشرى (أي الشمس) قد جعلوا يوم 25 كانون الأول ـ يناير من كل عام عيدا للإله المنير. وهذا التاريخ يوافق عيد مولد المسيح الذي تحتفل به غالبية المسيحيين كل عام.
أعود هنا للتذكير بأن الكثير من شواهد كتبة اليونان والسريان والعرب تثبت كرازة رسل المسيح في أحياء العرب. ويذكرون منهم متى وبرتلماوس ومتيا وتدّارس وتوما. وقد نقل المؤرخون المسلمون بعض هذه الشواهد كالطبري (10)، وأبي الفداء (11)، والمقريزي (12)، وابن خلدون (13)، والمسعودي (14)، هذا فضلا عن بعض تلاميذ الرسل ممن تناقل الرواة خبر بشارتهم بين العرب مثل فيليبس الشماس، وتيمون تداى. ولكن عزلة بطون القبائل أحيانا، وانقطاع البشارة أحيانا أخرى كان يؤدي في الغالب إلى أن يشذ هذا البطن أو ذاك عن عبادة المرموز له إلى عبادة الرمز نفسه.
وإذا، إن كنت لا أنفي إن بعض القبائل العربية قد تحول تدريجيا عن عبادة المرموز إلى الرمز نفسه لإنقطاع في التبشير والتعليم. فإنما أؤكد في الآن ذاته، أن العرب من بين الساميين قد عرفوا التوحيد في فترات محددة ومتقطعة.
وبالإضافة إلى عبادة الأنوار العلوية والسيارات عرف العرب عبادة "اللاة" وهي صخرة بيضاء مربعة كانت تعبدها ثقيف في الطائف. واليوم أجمع الأثريون على أن "اللاة" هي الزهرة. والعرب يدعونها "أليتا" وقد أصلحوا إسمها فدعوها الإلات وهو اختصار "الإلاهات" كما اختصروا كلمة "الإله" فقالوا "الله"، كما اختصروا "الإلات" فقالوا "اللات".
والزهرة نفسها أسماها بعض العرب "العزّى" وقد تسمى بإسمها كثير من العرب، فكان الواحد منهم يدعى ب "عبد العزى".
ومن أسماء العزّى أيضا "مناة". وهي على ما يروي ياقوت الحموي (8) _ كانت صنما أتى به عمرو بن لحي. وذكر في محل آخر (9) أن اللات أخذت من مناة. وكان بعض عرب ما قبل الإسلام يجعلون الآلهه أزواجا، لكل ذكر أنثاة. فكان لآلهة الشمس زوجها "البعل" وهو من أصنام العرب ـ أما ذكر العزى فهو الإله "عزيز". وذكر "اللات" هو "اللاه". 
ومما يلحق بعبادة الكواكب والنيرات عند بعض عرب ما قبل الإسلام إكرامهم لزحل والشعرى والجوزاء، أي الجبار ، والدبران ، والثريا ، وقزح الذي كان يكرم قرب مكة.
وكانوا ينعتون آلهتهم بأوصاف شتى، فقد وجدت في الكتابات الحميرية والنبطية ذكر تقادم للإله مالك وللإله رحمان، وللإله رحيم ، وللإله عزيز الذي سبق ذكره..


قد يدهش الكثير من القراء عند ما يعرف أن الإسلام قد أخذ من الجاهلية كثيرا من الشؤون الدينية الشعائرية من الحياة الوثنية.
ففي الخطاب القرآني ورد ذكر كثير من أصنام العرب في معرض التنديد غالبا. وأحيانا في معرض الإشارة كتلك الآية المنسوخة من سورة النجم والتي ورد فيها: "واللاة والعزى 
ومناة الثالثة الأخرى……… تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى". وهي الآية التي يذكر المفسرون أن الشيطان ألقاها في فم محمد عندما كان جبريل يلقنه الوحي. حتى أنه ورد في الخطاب القرآني ما يبرر نسخها بقوله: "وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته. فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم" (15).
ومن ذلك ما ورد في الخطاب القرآني من تسمية زوج المرأة ب "البعل" تعظيما لمكانته وسطوته عليها. وجاء ذلك في أكثر من آية. ومثال ذلك قوله: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما ان يصلحا بينهما……… "، وقوله: "قا لت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا" (17). وقوله: "وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا" (18). وقوله: "ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن…… "(19).
ولكن البيان القرآني الذي يسمى الرجل الزوج بعلا للتدليل على علو مكانته وتميزه عن زوجته، يندد ببعل الإله الصنم في آية أخرى فيتسائل مستنكرا: "أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين" (20). والغريب في هذه الآية أنها تشير إلى تعدد الخا لقين. وإلى أن الله هو أحسنهم، وذلك عند تناولها التنديد ببعل.
أما الإله الصنم عزيز وهو ذكر "العزى" فقد تحول إسمه في الخطاب القرآني إلى "عزيز"، وربما كان سبب الإختلاف هو التنقيط الذي أدخل على حروف القرآن. بل إن الخطاب القرآني اشتق من "عزيز" فعل التعزير كقوله: "… لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم…… " (21). والمقصود ب "عزرتموهم" هو (قبلتم أن رسلي هم من عزير).
وتكرر الفعل المشتق من عزير في الآية القائلة: "فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور … " (22). وكذلك في قوله: "لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه … " (23).
وأنكر الخطاب القرآني في الآن ذاته على اليهود أن يزعموا بأن العزيز (عزير) هو إبن الله: "وقالت اليهود عزير ابن الله" (24).
وإذ نكتفي من الخطاب القرآني بما أوردناه، ننتقل إلى الشعائر التعبدية الموروثة وفي طليعتها تعظيم البيت الحرام (الكعبة)


الحج قبل الإسلام


جاء الإسلام وأبقى على تقديس الكعبة ومكة وأطلق عليها البيان القرآني ما أطلـق من ألقاب التشريف والتي لا نرى موجبا لذكرها نظرا لكثرتها. ومن الثابت أن العرب قبل الإسلام كانوا يحجون في شهر ذي الحجة من كل عام. وكانوا يقومون بذات المناسك التي يقوم بها المسلمون حتى اليوم.
فالتلبية في الحج هي نفسها (مع حذف بعض عبارات فيها شرك بالله). ولم يتبدل الإحرام ولا ارتداء ملابس الإحرام، ولا سوق الهدى وإشعاره، ولا الوقوف بعرفة أو الدفع إلى مزدلفة. كذلك لم يتبدل التوجه إلى منى لرمي الجمرات ولا النحر ولا الطواف حول الكعبة سبعة أشواط. فكل ذلك لم يزد أو ينقض في الإسلام. واستمرت عادة تقبيل الحجر تعظيما له. كما استمر السعي بين الصفا والمروة.
جاء الإسلام وورث من العرب قبله هذه الفريضة بذات المناسـك واستخـدم الألفا ظ نفسها في التلبية بعد أن طهرها من عبارات الشرك، وأضاف عليها عبارات التوحيد. ورغم ذلك فإن الطواف يستمر حول حجر أسود، والسعي بين الصفا والمروة يبقى سعيا بين الصنمين "أساف" و "نائله". لقد كان قدامى الوثنيين العرب إذا اغتسلوا وتوضأوا طافوا حول الصنم دفعات معدودة ويستلمون الصنم فيقبلونه، أو يتقربون منه بتلبية معلومة، ومنها تلبية ذو الكفين وهو صنم دوس وقد رواها ابن حبيب على الشكل التالي:
"لبيك اللهم لبيك. إن جرهما عبادك. الناس طرف وهم تلادك ونحن أولى منهم بولائك".
وروى تلبية الصنم "نسر" كذلك فذكر أنهم كانوا يقولون في طوافهم: "لبيك اللهم لبيك لأننا عبيد. وكلنا ميسرة وأنت ربنا الحميد".
كذلك روى تلبية شمس، صنم بني تميم كما يلي:
لبيك اللهم لبيك، ما نهارنا نجرّه. أزلامه وحرّه وقرّه. لا نتقي شيئا ولا نضره، حجا لرب مستقيم برّه".
واستبدل المسلم في حجه الصنم بالله، وعبارات الشرك بعبارات التوحيد، وأبقى التمجيد في التلبية لإله واحد لا شريك له. وفي ما عدا ذلك بقيت الشعائر والمناسك نفسها من قص النواصي وحلق الشعور، ورمي الجمرات أو الحصى. إنما ألغى الإسلام طواف العذارى عاريات حول أصنام الكعبة، فقد كن يرقصن مسبلات ذيولهن كمـا روى امرؤ القيس:
فعنّ لنا سرب كأن نعاجه عذارى دوار في ملاء مذيل. 
والواقع أن نساء بعض العرب كنّ يفعلن ذلك لا من باب الإنحلال الخلقي، كما يحاول أن يوهم بعض الدعاة، وإنما لشدة تقديسهن للكعبة، خشية أن يطفن بها، ويقبّلن الحجر الأسود، بالثياب التي كنّ قارفن فيها ذنوبا وآثاما.
وسيتبادر لذهن القارىء هنا أنني أتحدث عن أصول وثنية للحج فيما كنت تحدثت عن أصول نصرانية للكعبة، والواقع أن الجذور الوثنية سبقت وعاصرت الأصول المسيحية. وهذه الأصول لم تتوحد، بل أظهرت تناقضا ملموسا، وكان هذا من جملة أسباب ظهور الحمس المتحنفين ثيابا يطوفون بها حول الكعبة، باعتبار أن المتحنفين متشددون ومتطهرون.
الأشهر الحرم والوثنية
وأبقى الإسلام كذلك على عادة الوثنيين في تحريم الأشهر الحرم. والواقع أن العرب قاطبة، يهودا ونصارى ووثنيين كانوا يعتبرون أشهر ذي القعدة، وذي الحجة، ومحرم، ورجب أشهرا حرما. أما شهر رجب قبل الإسلام فهو شهر العمرة. وما زلنا حتى الآن نسمع عن "الرجيبة" وهي العمرة التي تتم في شهر رجب. وكان العرب يسمونه الفرد فيقولون: "ثلاثة سرد وواحد فرد".


يوم الجمعة

ولم يكن هناك في الإسلام ما يقال له يوم الجمعة حتى استحدثها كعب بن لؤي. فقد كان يقال ليوم الجمعة "يوم العروبة" (25). وكان يوم اجتماع عام تناقش فيه القبائـل أوضاعها السياسية والإجتماعية، وكان بمثابة مؤتمر عام. وقد حافظ المسلمون الأوائل على هذه الصفة إلى أن تحول "الجمعة" إلى يوم عبادة يستسلم فيه المسلم لمواعظ وفتاوى الفقيه، الذي سبق واتعظ قبل ذلك من الحاكم أو الوالي.


الرقى والتعاويذ

ويلتقى الإسلام مع الوثنية، كذلك، في الرقى والتعاويذ. فلقد كان العرب قبل الإسلام يتلون العزائم لأصنامهم ويرقون لإخراج الشياطين والجان. وأكثر ما استعمل العرب الرقى قبل الإسلام، كان في الشفاء من لدغ الثعبان والعقرب والنملة. وكانت "الشفّاء بنت عبد الله ترقى قبل مبعث محمد من لدغ النملة، وهي ممن بايعن محمدا بن عبد 
الله وهاجرت معه إلى المدينة. وقد طلب منها نبي الإسلام أن تعلم رقية النملة إلى زوجه حفصة بنت عمر، فإنه لم يجد شركا في كلمات الرقية (26). وكان آل حزم 
كذلك ممن يرقون من لدغ الأفعى، وقد طلب نبي المسلمين من عمارة بن حزم أن يرقى بعض أصحابه بعد أن راجع نص الرقية فلم يجد به شركا (27).


الحسد

وانتقلت من الوثنية إلى الإسلام عادة الإيمان بالحسد وتأثير الحاسد. وأقر بذلك الخطاب القرآني في قوله: "قل أعوذ برب الفلق ومن شر
ما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب. ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد" (28).


العين

وانتقل إلى الإسلام من الوثنية الإعتقاد بتأثير العين، وهي بخلاف الحسد. ويقول "ابن قيم الجوزية أن "كل عائن حاسد وليس كل حاسد عائن" (29). وفي حديث عن نبي الإسلام روي عن أبي هريرة في الصحيحين قوله: "العين حق". كما ورد في الصحيحين عن عائشة قولها: "أمرني النبي صلعم أن نسترقي من العين". كما أخرج البـزار بسند حسن رفعه عن جابر قول نبي الإسلام: "إن العين لتدخل الرجل القبر والجمـل القدر".


النفث

ومن الوثنية انتقل إلى الإسلام الإعتقاد بتأثير "النفث في العقد" وهو من ضروب السحر ويقال عنه أنه "أشد من النفخ وأقل من القفل" فقد قال قبل الإسلام متمم بن نويرة:
نفثت في الخيط شبيه الرقى من خشية الجنة والحاسد
وقال عنترة بن شداد:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يفقد فحق له المفقود
وأقر الخطاب القرآني بذلك في سورة "الفلق" التي ورد ذكرها آنفا. بل إن المعوذتين وهما سورة "الفلق" و "سورة الناس" قد أنزلتا بوحي إلى نبي المسلمين لترقيه بهما أصغر زوجاته عائشة فقد كان ـ حسب ما روته ـ "يشعر بأنه يأتي النساء ولا يأتيهن" (30).