المرأة وتعدد الزوجات

 

 

لا بد من الإشارة قبل كل شيء إلى أن سيادة الرجل على المرأة انتقلت من الوثنية إلى الإسلام. وصحيح أن الإسلام قونن هذه السيادة وأخضعها لنظم وسنن إلا أنه أبقى على السلطة والسيادة الواسعتين اللتين كان يتمتع بهما الرجل في الأسرة قبيل ظهور الإسلام.
وقد أسمى الخطاب القرآني الزوج بعلا. والبعل قبل الإسلام هو الرب المالك والسيد. ونذكر في هذا الصدد ما قاله حاتم الطائي:
وما تشتكيني جارتي غير آنها إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيري ويرجع بعلها إليها ولم تسبل علي ستورهـا
وما من شك أن إطلاق البيان القرآني على الزوج اسم "البعل" هو من آثار الزواج عن طريق التملك. وتقابل "البعل" كلمة "المبعولة" وهي تعني هنا الزوجة التي هي بمثابـة مملوكة ومسودة ومربوبة لبعلها. وهذه التسمية في الذاكرة الجماعية أورثت الزوجة شعورا بالإستكانة والإستسلام والطاعة والتبعية المطلقة والقبول بالمهام التي حددها لها زوجها (البعل) وهي المتعة الجسدية والإنسال وخدمة البيت وتربية الأطفال. ولا بد من الإقرار هنا بأن الإسلام ألغى العرف القاضي بامتلاك الإبن لزوجة أبيه من بعد وفاة الأب.
ولقد أقر الإسلام تعدد الزوجات. وقد ورد في الخطاب القرآني قوله: "وانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع………" (31). ويختلف المفسرون في معنى هذه الآية، فمنهم من يرى أن الآية لا تعني الوقوف عند أربع زوجات، ولكن أجمعت الأمة على خلاف ذلك وهو الإكتفاء بأربع. وقد رأينا أن التحديد بأربع كان من تأثير تعليم الحبر اليهودي هليّل الذي حرص على تكاثر اليهود في الجزيرة العربية في أعقاب هروبهم من فلسطين في القرن الأول للميلاد. لكن المسلمين الذين ورثوا من أسلافهم عدم استساغة تحديد عدد الزوجات رأوا أن الطلاق هو السبيل إلى الإفلات من التحديد. فمـن حق المسلم أن يطلق زوجته ويتزوج بغيرها، شريطة أن لا تجتمع لديه في وقت واحد أكثر من أربع زوجات، بخلاف ملك اليمين، وهن الإماء والسراري.
وإن نظرة إلى سجل زواج الصحابة، ومنهم الخلفاء الراشدون، ومنهم المبشرون بالجنة وكتبة الوحي. لكفيلة بأن تفتح عيوننا على حقائق جديدة غير مسألة تعدد الزوجات:

• أبو بكر الصديق: تزوج أربعا. 
اثنتين قبل الإسلام وهما:
1- قتيلة بنت عبد العزى
2- أم رومان والدة عائشة واثنتين بعد الإسلام وهم:
1- اسماء بنت عميس
2- حبيبة بنت خارجة (توفي عنها وهي حامل)

• عمر بن الخطاب: تزوج تسعا (32)
1- زينب بنت فطعون بن حبيب
2- أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب
3- أم كلثوم بنت جرول بن مالك
4- جميلة بنت ثابت بنت أبي الأفلح
5- أم ولد سرية تسمى لهية (وانجبت له أبا المجبر)
6- أم ولد سرية (وأنجبت له عبد الرحمن الأصغر)
7- أم حكيم بنت الحارث بن هشام
8- أم ولد وتسمى فكيهة (وأنجبت له زينب)
9- عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل (ابنة عمه)
• عثمان بن عفان تزوج تسعا أيضا
1- رقية بنت محمد رسول الإسلام
2- أم كلثوم بنت محمد رسول الإسلام
3- فاطمة بنت غزوان
4- أم عمرو بنت جندب
5- فاطمة بنت الوليد
6- أم البنين عيينة
7- رملة بنت شيبة بن ربيعة
8- نائلة بنت الفرافصة
9- أم ولد (وأنجبت له أم البنين)

• علي ابن أبي طالب
1- فاطمة بنت محمد رسول الإسلام
2- خولة بنت جعفر بن قيس
3- أم البنين بنت حزام
4- ليلى بنت مسعود بن خالد
5- أسماء بنت عميس
6- الصهباء أم حبيب
7- أمامة بنت أبي العاص. (أمها زينب بنت محمد رسول الإسلام)
8- أم سعد بنت عروة بن مسعود الثقفي
9- محياة بنت امرؤ القيس بن عدي 

في خارطة الزواج هذه، يلفتنا ما يلي:
أولا – أن بعض النساء تزوجن ثلاثة أو أربعة أو خمسة
• عاتكة بنت زيد بن عمر بن نفيل تزوجت خمسة
1- عبد الله بن أبي بكر 
2- عمر بن الخطاب
3- طلحة بن عبيد الله (أحد المبشرين بالجنة)
4- محمد بن أبي بكر (شقيق عبد الله بن أبي بكر)
5- عمرو بن العاص
• أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط تزوجت بأربعة
1- زيد بن حارثة
2- الزبير بن العوام (أحد المبشرين بالجنة)
3- عبد الرحمن بن عوف (أحد المبشرين بالجنة)
4- عمر بن العاص
• عائشة بنت طلحة بن عبيد الله تزوجت بثلاثة:
1- عبد الرحمن بن أبي بكر
2- مصعب بن الزبير بن العوام
3- عمر بن عبيد الله 
• أم كلثوم بنت علي تزوجت بثلاثة:
1- عمر بن الخطاب
2- عون بن جعفر الطيار بن أبي طالب
3- وتزوجت من أخيه محمد

• أم اسحق بن طلحة تزوجت بثلاثة
1- الحسن بن علي بن أبي طالب
2- الحسين بن علي بن أبي طالب
3- محمد بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر
• أسماء بنت عميس تزوجت بثلاثة
1- جعفر الطيار بن أبي طالب
2- أبي بكر الصديق
3- علي بن أبي طالب
ثانيا: يلفتنا هنا أيضا أن عليا بن أبي طالب لم يكتف بفاطمة "ابنة رسول الله" و "سيدة نساء العالمين" بل تزوج بإبنة أختها أمامة بنت أبي العاص وهي حفيدة رسول الإسلام. وتزوج من أسماء بنت عميس بعد أن توفي عنها زوجها أبو بكر الصديق. ومن جهته أعطى عمر بن الخطاب ابنته أم كلثوم زوجة له. وكل هذا لم يمنع اطلاق تهمة النفاق علـى عمر بن الخطاب، وسلفه أبي بكر الصديق، من قبل أبناء وأحفاد علي والمتشيعين له. كما أن ذلك لم يمنع عمرا من استبعاد علي عن الخلافة.
ثم إن عمرا تزوج من عاتكة بنت زيد بعد أن طلقها حليفة أبو بكر. ولا ندري كيف قونن صحابة "رسول الله" عملية تبادل الزوجات هذه. وإذا كانت الغاية هي تشديد الأواصر بين الأقطاب، كما سبق وذكر أسباب تعدد زوجات الرسول، فإن سؤالا يعترض القائلين بذلك إن كان ذلك قد أسهم في رأب الصدع بين علي من جهة وأبي بكر وعمر من جهة ثانية!!!
لقد تزوج رسول الإسلام بحفصة إبنة عمر بن الخطاب، ولكن ذلك لم يمنع الفاروق من الإنقلاب والتمرد عليه قبل يوم من وفاته عندما طلب محمد فقرطاسا وقلما ليكتب للمؤمنـين كتابا لا يضلون بعده، فكان ردّه: دعوه إنه يهجر (أي يهذي) فقد غلبه الوجع … حسبنا كتاب الله" (33). لقد اتهمه بالهجر والهذيان مع أن الخطاب القرآني نزّهه عن ذلك بقوله: "إن هو إلا وحي يوحى". فأين تلك الذريعة القائلة بأن تعدد زوجات "رسول الله" كان غرضه توحيد كلمة العرب ! … … لقد كان نبي الإسلام يضمـن ولاء أبي بكر له منذ البداية وحتى النهاية، ومع ذلك تزوج من ابنته عائشة وهي لا تتجاوز التاسعة (وفي رواية أخرى سبعة أعوام فقط).
أروي هنا ملابسات محاضرة ألقاها الدكتور التيجاني السماوي في جامعة السوربون الفرنسية وكما دوّنها هو نفسه في كتابه: "فاسألوا أهل الذكر":
كنت يوما في جامعة السربون بباريس أتحدّث عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وخلقه العظيم الذي تحدث عنه القرآن وعرف به النبي (ص) حتى قبل البعثة فسمّوه الصّادق الأمين ودامت المحاضرة ساعة تقريبا أوضحت خلالها بأنه صلّى الله عليه وسلم لم يكن محاربا ولا غاصبا لحقوق الإنسان في تقرير مصيره، وفرض دينه بالقوة والقهر كما يدّعي بعض المستشرقين.
وخلال المناقشة التي شارك فيها نخبة من الأساتذة والدكاترة المختصّين بالإسلام وتاريخ المسلمين وجلّهم مستشرقون. وانتصرت نوعا ما على المناوئين الذين أثاروا بعض الشبهات، ولكن أحدهم وهو عربي مسيحي طاعن في السن (أعتقد أنه لبناني) اعترض عليّ بأسلوب فيه خبث ودهاء فكاد يقلب انتصاري إلى هزيمة نكراء.
قال هذا الدكتور بلسان عربي فصيح، بأنّ ما ذكرته في المحاضرة فيه كثير من المبالغة وبالخصوص فيما يتعلق بعصمة النبي إذ أنّ المسلمين أنفسهم لا يوافقونك على ذلك، وحتى محمد نفسه لا يوافق على ذلك، فقد قال عديد المرات، بأنه بشر يجوز عليه الخطأ وقد سجّل له المسلمون أخطاء عديدة نحن في غنى عن التعريف بها وكتب المسلمين الصحيحة والمعتمدة عندهم تشهد على ذلك، ثم قال: وأمّا بخصوص الحروب فما على حضرة المحاضر إلا مراجعة التاريخ ويكفي أن نقرأ فقط كتب الغزوات التي قام بها محمد في حياته، ثم واصلها الخلفاء الراشدون بعد وفاته حتى وصلوا إلى Poitier)) مدينة 
بواتييه بغرب فرنسا وفي كلها كانوا يفرضون دينهم الجديد على الشعوب بالقهر وقوة السيف.
وقابل الحاضرون كلامه بالتصفيق مؤيدين مقالته وحاولت بدوري إقناعهم بأن ما ذكره الدكتور المسيحي غير صحيح وإن أخرجه المسلمون في كتبهم، وارتفعت ضجة من الضحك في القاعة استهزاء وسخرية مني.
وتدخّل الدكتور المسيحي من جديد ليقول لي بأنّ ما ذكره ليس من الكتب المطعون فيها وإنما هو في صحيح البخاري ومسلم.
وقلت بأن هذه الكتب صحيحة عند أهل السنّة أمّا عند الشيعة فلا يقيمون لها وزنا، وأنا مع هؤلاء.
فقال: نحن لا يهمنا رأي الشيعة الذين يكفّرهم أغلب المسلمين، والمسلمون السنّـة وهم أكثر من الشيعة عشر مرات لا يقيمون لآراء الشيعة وزنا، ثم أضاف قائلا: إذا تفاهمتم أنتم المسلمون مع بعضكم البعض وأقنعنم أنفسكم بعصمة نبيّكم، عند ذلك يمكـن أن تقنعونا نحن (قال ذلك ضاحكا متهكما).
ثم التفت إليّ من جديد قائلا: وأمّا بخصوص الأخلاق الحميدة فأنا أسألك أن تقنـع الحاضرين كيف تزوّج محمّد الذي بلغ من العمر أربعا وخمسين بعائشة وعمرها ست سنين؟
وارتفعت من جديد ضجة الضحك واشرأبت الأعناق تنتظر ردّي وحاولت جهدي إقناعهم بأنّ الزواج عند العرب يتم على مرحلتين… المرحلة الأولى وهو العقد وكتب النّكاح … والمرحلة الثانية وهو البناء والدخول، وقد تزوج النبي عائشة وعمرها ست سنوات ولكن لم يدخل بها إلا بعد أن بلغت تسع سنوات، واستطردت بأنّ هذا ما يقوله البخاري إن كان مناقشي يحتج عليّ بما فيه. وأنا شخصيا أشك في صحة الرواية لأنّ الناس في ذلك الزمان لم يكن لهم حالة مدنية ولا تسجيل تاريخ الميلاد ولا تاريخ الوفاة، وعلى فرض صحة الرواية فإن عائشة بلغت سن الرشد في التاسعة من عمرها فكم رأينا اليوم على شاشة التلفزيون بعض الفتيات الروسيات والرومانيات لاعبات "الجمباز" اللاتي عندما تراهن وترى كمال أجسامهن تستغرب عندما يعلنون عن عمرها وأنها لم تتجاوز إحدى عشر عاما. فلا شك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل بها إلا بعدما رشدت وأصبحت تحيض، والإسلام ، لا يقول بالرشد لمن بلغ ثمانية عشر عاما كما هو معروف عندكم في فرنسا. بل الإسلام يعتبر الرشد بالحيض للنساء وبخروج المني للرجال. وكلنا يعلم حتى اليوم بأن من الذكور من يمنون في سن العاشرة ومن الإناث من يحضن في سن مبكرة قد لا تتجاوز العشرة.
وهنا قامت سيدة وتدخّلت لتقول: نعم وعلى فرض أنّ ما أوردته قد يكون صحيحا وهو صحيح علميا، ولكن كيف نقبل بزواج شيخ كبير أوشك عمره على نهايته بفتاة صغيرة ما زالت في العقد الأول من عمرها؟
قلت: إنّ محمدا نبي الله ولا يفعل شيئا إلا بوحي منه، ولا شك أنّ لله في كل شيء حكمة، وإن كنت شخصيا أجهل الحكمة في ذلك.
قال الدكتور المسيحي: لكن المسلمين اتخذوا ذلك سنة، فكم من فتاة صغيرة زوجها أبوها غصبا عنها برجل يوازيه في السن ومع الأسف فإن هذه الظاهرة بقيت حتى اليوم موجودة. انتهزت هذه الفرصة لأقول: ولذلك أنا تركت المذهب السنّي واتبعت المذهب الشيعي، لأنه يعطي حق المرأه في أن تزوج نفسها بمن شاءت هي لا بما يفرضه عليها الولي.
قال: دعنا من السنّة والشيعة ولنعد إلى زواج محمد بعائشة والتفت إلى الحاضرين ليقول بكل سخرية: إن محمدا النبي والبالغ من العمر أكثر من الخمسين يتزوج بنيّة صغـيرة لا تفهم من الزواج قليلا ولا كثيرا ، والبخاري يحدثنا بأنها كانت في بيت زوجها تلعب بالدّمى وهذا يؤكد على براءة الطفولة، فهل هذه هي الأخلاق العالية التي يمتاز بها النبي؟
وحاولت من جديد إقناع الحاضرين بأن البخاري ليس حجة على النبي (ص) ولكن بدون جدوى، فقد لعب هذا المسيحي اللبناني بأفكارهم كما أراد، وما كان لي 
لا أن أوقفت النقاش متذرعا بأننا لا نتكلم نفس اللغة لأنهم يحتجون علي بالبخاري في حين أنني لا أؤمن بكل ما ورد فيه.
وخرجت ناقما على المسلمين الذين أعطوا لهؤلاء، ولأعداء الإسلام وأعداء محمد (ص) السّلاح النافذ الذي يحاربوننا به وعلى رأس هؤلاء البخاري ! ورجعت للبيت يومها مهموما وأخذت أتصفح صحيح البخاري وما ذكره في فضائل عائشة وأحوالها فإذا بي أقول الحمد لله الذي فتح بصيرتي، وإلا بقيت متحيرا في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وربما داخلني الشك فيه العياذ بالله.
ولا بد من إظهار بعض الروايات التي أثيرت خلال المناقشة حتى يتبين للقاريء بـأن هؤلاء المنتقدين لم يفتروا علينا وإنما وجدوا بغيتهم في صحاحنا فاستعانوا بها علينا.
فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وقدومه المدينة وبنائه بها.
- عن عائشة رضي الله عنها قال: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين فقدمنا المدينة فنـزلنا في بني الحرث بن خزرج فوعكت فتمزق شعري فوفى جميمة، فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعى صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لألهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر. فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى فأسلمنني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين.
وأترك لك أيها القارىء لتعلق بنفسك على أمثال هذه الروايات.
كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الأدب باب الإنبساط إلى الناس.
- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمّعن منه فسربهنّ إليّ فيلعبن معي.
يقول الشارح: ألعب بالبنات، يعني التماثيل المسماة بلعب البنات ـ ويسربهن إليّ: أي يبعثهن ويرسلهن إلي وأنت تقرأ مثل هذه الروايات في صحيح البخاري أيبقى عندك اعتراض بعدها على نقد بعض المستشرقين إن كنت منصفا؟
قل بربّك ! عندما تقرأ قول عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك" (34).
ماذا يبقى في نفسك من احترام وتقدير لإمرأة كهذه التي تشكك في نزاهته صلى الله عليه وسلم، وهل لا يبعث ذلك في نفسك أنها تصرفات مراهقة لم يكتمل عقلها.
وهل يلام بعد ذلك أعداء الإسلام الذين كثيرا ما يثيرون حبّ محمد للنساء وأنه كان شهوانيا إذا قرأوا في البخاري بأن الله يسارع في هواه، ويقرأون في البخاري بأنه كان يجامع إحدى عشر زوجة في ساعة واحدة وقد أعطي قوة ثلاثين.
من هذا المدخل نستطيع التعرف على موقف الإسلام من المرأة على وجه العموم ـ لا كزوجة فقط ـ لقد حاول الكثيرون أن يشرفوا موقف الإسلام من المرأة، ولجأوا في سبيل ذلك إلى ليّ أعناق الآيات القرآنية لتنجسم مع ادعاءاتهم، وهو موقف ليس فيه ذرة من الأمانة العلمية. فيما الحقيقة العلمية تؤكد أن نظرة الإسلام إلى المرأة لم تكن أكثر من تهذيب لموقف الوثنيين العرب. ومن يشك في أن الإسلام تبنى بقليل من التهذيب الموقف الوثني، فليفسر لنا تفسيرا موضوعيا (النصوص المقدسة) مثل: "لن يفلح قوم ولوّا إمرأة عليهم" (35). والحديث: "النساء ناقصات عقل ودين". وكذلك البيان القرآني: "فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء"
(36). 
فشهادة المرأة هنا تعادل نصف شهادة الرجل"، وكذلك وصية القرآن: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" (37). والأمثلة القرآنية أكثر من أن تحصى في هذا المجال. لقد أقرّ الإسلام قوامة الرجل على المرأة. فالله في الإسلام وافق الوثنية السابقة على الإسلام في تفضيل الرجل في الميراث والشهادة والقوامة، وأعطى الزوج حق تأديب الزوجة، بالتوبيخ والتأنيب، ثم هجر المبعولة في المضجع، وضربها لقوله: "فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن" (38). الغريب في الأمر، أن نبي الإسلام عندما جاءه زيد بن حارثة يشكو اليه ضد زوجته زينب وما يعانيه من سوء معاملتها له لم ينصحه بهجرها وضربها في المضجع كما أمر الخطاب القرآني بل قبل منه أن يطلقها ليتزوج منها هو نفسه. مع أنه في حادثة أخرى ضرب رجل من الأنصار زوجته فأسرعت المرأة الجريحة إلى نبي الإسلام، وطلبت إليه، بصفته حكما، تطبيق الشريعة، والتمست القصاص، ووافق الرسول فورا، وأعد العدة لتنفيذ قراره وعندما أوحى له بالآية القائلة "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ……"(39). وأدرك نبي الإسلام أن قراره يخالف حكم الله استدعى الزوج وتلا عليه الآية المذكورة آنفا. وقال له: أردت شيئا وأراد الله شيئا آخر" (40). ونجد أن هذا التفاوت بين الله ونبيه لم يقم عندما شكا زيد بن حارث زوجته زينب بنت جحش إلى محمد. والمبرر نجده في الخطاب القرآني لقوله: "ولما قضى منها زيد وطرا زوجناكها…" (41).