تمييز العربي عن غيره

 

 

من المؤكد أن عرب ما قبل الإسلام كانوا متعالين جدا ويسمون غير العرب ب "العجم". وكان العرب قبل الإسلام يسمون كل من لا يتكلم بكلامهم "أعجميا" واستعلاء العرب يتضح في إطلاقهم صفة العجم أيضا على البهائم. فالمرأة العربية عجماء. 
والبهيمة أيضا عجماء، والفرس (أهل فارس) هم من العجم عند العرب، ومصدر احتقار. ومعروف أن أحد أسباب نشوب الحرب بين الفرس والعرب المشهورة بيوم "ذي قار" هو رفض النعمان الإصهار إلى كسرى. وانتقلت عدوى احتقار الأعجمية إلى الخطاب القرآني فتبرأ من الأعجمية بقوله: "لسان الذي يلحدون إليه أعجمي" (42). 
وبقوله: "أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء" (43). وبقوله: "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصّلت آياته" (44). وكذلك قوله: "ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين" (45).
ومناسبة الآيات الواردة في الخطاب القرآني أن "كفار قريش" كانوا يعيّرون محمدا بأن أعجميا كان يعلمه القرآن. وبعضهم ذكر أنه "جبر" وهو عبد لبني الحضرم. والبعض ذكر أنه بلعام القين الذي كان يقرأ التوراة. والبعض ادعى أنه سلمان الفارسي. مع أن سلمان لم يلتق نبي العرب إلا في يثرب (46).
ويروى أن عمر بن الخطاب قد قال مرة: "والله لو كان مولى سالم بن حذيفة حيا لوليته عليكم". وإن صح هذا الذي نسب إليه، فلا يعتقد أنه كان جادا فيه، فقد سبق له وأن رفض تزويج ابنته من سلمان الفارسي رغم فضله ومكانته عند رسول الإسلام. والسبب في ذلك واضح لأن (الأثر الشريف) يقول: "إن الموالي ليسوا أكفاء للعـرب" وفي الحديث النبوي ورد قوله: "جرح العجماء جبار" (يعني جرح البهيمة).
كذلك انتقلت إلى الإسلام من الوثنية السابقة عليه عدوى كراهية الأعراب، وواقع الأمر أن التفرقة بين "العرب" و "الأعراب" كانت مستقرة في المجتمع العربي السابق على ظهور الإسلام، لا سيما في مكة حيث ظهر الإسلام وفي يثرب التي استقام فيها عوده.
وكما انتقلت عدوى كراهية الأعجمية إلى الخطاب القرآني كذلك انتقلت إليه عدوى احتقار الأعراب ومن ذلك قوله:
"الأعراب أشد كفرا ونفاقا" (47) 
وقوله: "ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما" (48)
وقوله: "ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسـول الله" (49).
وقوله: "سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا" (50).
وقوله: "قل للمخلفين من الأعراب" (51).
وكذلك قوله: "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون" (52). وقد نزلت هذه الآية في أعراب بني تميم، أولئك الذين يسميهم محمد بن اسحق ب " حفاة بني تميم" (53). ولقد أسقط المسلمون فيما بعد وفاة رسولهم شهادة الأعراب عن الحاضرة ومنعوا إمامتهم في الصلاة (54).
ورغم أن رسول الإسلام قال بأن يقوم بإمامة الصلاة أقرأ القوم للقرآن (أي أحفظهم له) فإن مالكا صاحب المذهب المعروف بإسمه إلى اليوم، قد تجاوز هذا الحديث وأفتى بعدم جواز إمامة الأعرابي حتى ولو كان الأقرأ (55).


مسألة الرق

كانت الغزوات في الجزيرة العربية قبيل وبعد ظهور الإسلام هي المصدر الأول للرق. المنتصر يستعبد المهزوم، يأخذ الرجال أسرى ويحمل النساء سبايا. وأما المصدر الثاني فكان الفقر، فالمعوز من العامة يقترض من الأشراف، حتى إذا ما عجز عن سداد الدين استرقه الدائن. وظهر النخاسة وكان أبرزهم عبد الله بن جدعان زعيم قريش (56). وظلت الجارية ـ إلى ما بعد استقرار دولة الإسلام بقرون طويلة ـ تنفذ كل ما يوكل إليها من أعمال، وتعاون في جمع الطعام ويصنع بها سيدها ما يشاء، يتخذها أمة لنفسه، أو يكرهها على البغاء ويقبض ما قدره من دخل. وروى لنا الطبري: (57)
أنه كان لعبد الله بن سلول جارية تسمى مسيكة يجبرها على الزنا فتأتي له في آخر اليوم بدينار أو برد، فيقول لها في اليوم التالي: إرجعي فازني. وقد يعتق السيد جاريته ويتزوجها بغير مهر، كما فعل عروة بن الورد مع امرأة سباها أثناء السطو فهربت منه عند أول فرصة (58).
ويسهر العبد على خدمة سيده يلازمه كالظل، ويحارب عنه في الغالب، أو يبقى في المخيم لحماية المتاع. هذا فضلا عن تشغيل العبيد في الإنتاج، في التجارة والحرف وأعمال البناء والرعي.
والعبد ملك يصلح محلا للبيع والهبة والميراث. ذاك كان هو المجتمع العربي قبيل وإبان ظهور الإسلام مجتمع يعبد بعض أشرافه الأصنام، يأكلون الربا، يعسفون بالضعيف، يقهرون العبيد، يفسقون بالإماء. فهل غيّر الإسلام من هذا الواقع شيئا؟ 
لقد أفاد نبي الإسلام في أول ظهوره كرسول من النقمة الإجتماعية لدى الطبقات المعدومة ولا سيما العبيد، فاستقطبهم واستعان بهم فكانوا خليته وهنا يلفتنا ردة فعل أشراف قريش المعدية لرسالة محمد لم يكن مبعثها ديني، فلم تكن حربهم له دفاعا عن الأوثان كما يحاول التاريخ الإسلامي أن يصور لنا في آلاف مجلداته، بل دفاعا عن امتيازات طبقية، لقد انحاز محمد في البداية إلى المحرومين، فالآيات المكية التي تهاجم التجـار وتطالب بالكف عن الإستغلال كثيرة، وتكرارها يدل على عناد هؤلاء وعلى عدم جدوى إنذارهم:
وأوفوا الكيل والميزان بالقسط" (59)
"وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس" … (60)
"والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان" (61)
وقرر الخطاب القرآني حقا للفقراء في أموال الأغنياء:
"والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" (62)
"وفي أموالهم حق للسائل والمحروم" (63)
"وكذلك ما أرسلنا قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون". (64)
لكن رسول الإسلام الذي استقطب العبيد والإماء في حركته أعطى في الوقت ذاته مصادقة ربانية على التمايز الطبقي مكتفيا بالحض على المعاملة الحسنة:
"وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم. إن ربك سريع العقاب. وإنه لغفور رحيم" (65). وهناك من الدعاة المسلمين من ينفي أن يكون المقصود بهذه الآية إقامة نظام طبقي، بل يرى العكس من ذلك إن المقصود هو إنهاء النظام الطبقي، وأن اللبس يأتي حينما يروى جزء من الآية ويسكت عن الباقي. وهذا الإدعاء زائف لأن التمايز الطبقي هنا مقرر بإرادة إلهية. ولا يقلل من خطورة ذلك أن تكون الغاية اختبارا وامتحانا.
نعم، كان المستضعفون هو نواة التمرد الذي قادة رسول الإسلام، ونفر قليل من أصحاب التجار. فأول من أظهر الإسلام مع محمد خمسة من العبيد ـ هم بلال، وخبّاب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار، وتاجر واحد من تجار مكة هو أبو بكر. وهذا التركيب لأول نواة إسلامية يستدعي التوقف. لأن محمدا لم يثر حفيظة قريش بدينه الجديد، ودعوته الجديدة إلى إله واحد، بل أثار حفيظة أشرافها أنه استعدى عبيدهم عليهم. لقد تعايشت البدع النصرانية الستة عشر مع اليهودية والوثنية على أرض الجزيرة العربية، ولم تكن هذه الحركات والبدع الدينية في تفاعلها، وفي مصادماتها لتثير حفيظة قريش، فقد كان المجتمع القرشي قادرا على استيعاب الحركات الدينية الجديدة، إنما ما كان المجتمع القرشي عاجزا عن استيعابه هو إدخال خلل على تركيبه الطبقي. ولهذا تصدت قريش لمحاربة محمد وأصحابه. لم تكن المواجهة بين اللاة والعزى ومناة الثالثة الأخرى من طرف، والإله الواحد من طرف آخر. فقد كان هذا الإله الواحد موجودا في عقيدة اليهود والنصارى معا. ولم تشهد الجزيرة العربية صداما بين هؤلاء واولئك في وقت ما. 
إذا، فما استفز أشراف قريش هو أن عبيدها المقهورين كانوا في مقدمة الثوار: بلال، وخباب، وصهيب وعمار وسمية. ثم زيد بن حارثة الذي يذكر أنه أول من اعتنق الإسلام. 
وكان عبدا لمحمد أهدته له زوجته الأولى خديجة. وإذ حاول أشراف قريش التصدي لهذه الحركة الجديدة، فإن محاولتهم بادىء الأمر اقتصرت على التنكيل بالعبيد 
والجواري، ولم يذكر لنا التاريخ الإسلامي أن أبا بكر مثلا واجه محاولة قتل، أو تلقى إهانة ما. وإنما طعنت سمية في مقتل، وعذبت زنيرة حتى عميت، ونكل ببلال وصهيب وعمار. وهؤلاء كانوا يجتمعون عند رسول الإسلام ومعهم خباب، وزيد بن حارثة، وسالم مولى أبي حذيفة، وابن مسعود والمقداد، وغيرهم من العبيد والفقراء، فيمر عظمـاء قريش على المجلس فيقولون لمحمد: أما لو طردت هؤلاء العبيد …… نحن سادة القوم وأشرافهم …… كيف نجلس مع عبيدنا …… أنكون تابعين لهؤلاء؟ …… إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانـا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت (66). فنزلت الآية:
"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين" (67). في الحرب كان العبيد المؤمنون (بالثورة) مقدامين مقحامين، شهد خبّاب ابن الأرت، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان وغيرهم من العبيد كثيرون، مثل أبي كبشة عبد محمد، وخبّاب مولى عتبة، شهدوا بدرا وأحدا، والخندق والمشاهد كلها مع رسول الإسلام. ومات الكثير من هؤلاء العبيد وهم يقاتلون في سبيل دعوة محمد والرماح في أيديهم. وهنا يبرز سؤال خطير للغاية: فهؤلاء الرقيق الذين ساندوه في أول حملته، وناصروه ونصروه، هل ألغى رسول الإسلام الرق من أجل ثورتهم إلى جانبه ؟!
الإجابة أخطر من السؤال نفسه، وتكمن فيها الفاجعة لمن يتفحص ويتمعن. فرسول الإسلام حرر عبيد (المشركين) نكالا ب (المشركين) وأبقى على عبيده وإمائه وعلى رقيق المسلمين. 
ففي غزوة الطائف سنة ثمان للهجرة. حاصر المسلمون حصن الطائف عدة أيام. ونادى منادي (رسول الله): "أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر". وما أن سمع العبيد أجراس الخلاص تأذن بالحرية حتى سارع العديد منهم إلى الخروج من أسوار الطائف ، وهبطوا إلى معسكر رسول الإسلام. ولم يفتح محمد الطائف لكنه حرر العبيد، عبيد المشركين.(68) وحاولت الطبقة المالكة إثناء رسول الإسلام عن عزمه تحرير العبيد، وزعمت أن العبيد يلوذون به لا رغبة في الدين، وإنما هربا من الرق. فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردّهم إليهم، فغضب (رسول الله) وقال: "ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا، وأبى أن يردهم وقال: "هم عتقاء الله عز وجل" (69).
والواقع أن محمدا لم يلغ الرق بل اشترط المكاتبة. أي اشترط الفداء، والتزام المالك بقبول الفداء. وفيما عدا مولاه زيد بن حارثة الذي أعتقه بدون مكاتبة، أطلق سلمان الفارسي بموجب مكاتبة، وكذلك بريرة، وأبو محمد بن سيرين، وبرغم المكاتبة نجد أن رسول الإسلام لم يطلق مواليه بل احتفظ بمعظمهم حتى موته.
ذكر ابن عبد البر (70) أن ثمة أمتين لمحمد اسم الأولى ماريا القبطية، وهي ابنة شمعون التي أهداها المقوقس صاحب مصر إلى نبي الإسلام. واسم الثانية أيضا ماريا. كذلك كان لنبي المسلمين عبد يدعى رومان الرومي (71).
ومن موالي محمد أيضا ـ كما رأينا ـ زيد بن حارثة. إلا أنه أطلقه وتبناه ثم تزوج من طليقته زينب بنت جحش. وكان زيد نصرانيا من بني كلب أسره غزاة من العرب فباعوه في عكاظ واشترته خديجة لنفسها ثم أهدته لزوجها محمد، وجاء أبوه ليفتديه فرفض وآثر البقاء إلى جانب نبي الإسلام.
ومن مواليه محمد شقران. وكان عبدا حبشيا لعبد الرحمن بن عوف فأهداه لنبي الإسلام. وقد حضر وفاة محمد ومات بالمدينة. (72).
كذلك من بين مواليه الذين لم يطلقهم عبد يدعى أبو كبشة. (73). وقد ذكر عنه ابن سعد.
ومن مواليه الذين ظلوا في حالة الرق حتى وفاته عبد يدعى "عداد". وذكر ابن الأثير أنه كان قبل ذلك عبدا لشبيبة بن ربيعة بن عبد شمس، وهو من أهل نينوى ـ الموصل وكان نصرانيا. (74).
ومن مواليه أيضا، أبو لقيط. وذكر ابن الأثير أنه لم يحرر وبقي إلى أيام خلافة عمر. وكان حبشيا، وقيل أنه كان نوبيا. (75)
ومن عبيد محمد الذين لم يطلقهم أيضا، مولى اسمه روضه. وذكر السيوطي أنه "حضر زائر إلى باب النبي (ص) وقال أيمكنني الدخول ؟ فقال الرسول لعبده الذي كان يسمى روضه: أخرجه وعلمه الطريق الصحيحة …… الخ" (76).
وفي غزوة حنين اكتشف نبي الإسلام أن بين السبايا إمرأة تدعى أسماء ، وكانت أختا له بالرضاعة من حليمة السعدية فأطلقها وأرسلها مع هدايا. وكانت الهدايا عبارة عن عبدين (رجل وامرأة) (77). وهذا يعني أنه ـ عليه السلام _ كان يهدي الرقيق، فلم يكن يقتني العبيد فقط. 
وإذا، فالإسلام لم يلغ العبودية بشكل تشريعي. ومع أنه كان حاسما في مسألة الربا، فحرمه صراحة ونهى عنه في كثير من آيات الخطاب القرآني ـ رغم إضرار هذا التحريم في مصالح تجار قريش إضرارا بالغا ـ إلا أن الإسلام التزم نظريا بتخفيض مؤسسة الرق. وصحيح أنه وضع مبدأ للمساواة في الآية 177 من سورة آل عمران، إلا أنه ترك المجال واسعا أمام الإسترقاق من ناحية عملية. فالإسلام لم يبلغ الإسترقاق عن طريق الغزو. فقد كان هذا النوع من الغنائم دافعا كبيرا إلى (الجهاد في سبيل الله).
لقد حرر نبي الإسلام بعض النسـاء من الإسترقاق عقب أسرهن في الغزو. وهذا صحيح، لكنه فعل ذلك لأنه أراد الزواج بهن. وذلك كان حال جويرية بنت الحارس. فقد دفع محمد فديتها إلى ثابت بن قيس ثم أعتقها وتزوجها. وأيضا كان ذلك هو حال 
صافيا (صفية) بنت هويا اليهودية في إثر غزوة خيبر، ولكنه بحسب ـ ابن سعد في طبقاته ـ فإن الناس قد تساءلوا عما إذا كان سيتزوجها أو يحتفظ بها كأم ولد. ومعلوم أن أم الولد هي عبدة يتعاطى معها معلمها رسميا علاقات جنسية، ويكون الأولاد الناتجون عن ذلك أحرارا. (78) ولم تكن حال صفية استثنائية. فهناك أيضا كانت ماريا القبطية، وريحانة. نبي العدل والمساواة كانت له سراري لم يطلقهن رغم أنه أنجب من واحدة منهن وهي ماريا القبطية. فقد صنفت مع سرارية أي ـ كما يذكر الطبري ـ زوجاته اللواتي كانت حالتهن حالة الرقيق. (79) لقد قبل محمد، كما قبـل معاصروه نظام الإسترقاق على أنه من قوانين الطبيعة، تقول عائشة أصغر وأحب زوجاته إليه: "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فظننت أنه أتى بعض جواريه، ……" (80)
وعائشة أيضا لديها جواريها. فبعدما أطلقت بريرة التي شهدت لصالحها في حديث الإفك تقول أم المؤمنين: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه…" (81)
ويتسائل الدكتور محمد التيجاني السماوي: "وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجته عائشة التي كفرت عن يمين نقضته بتحرير أربعين رقبة. فهل هي أبر وأتقى لله من رسول الله ؟ (82)
فقد أخرج البخاري: "إن عائشة حدّثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهيّن عائشة أو لأحجرنّ عليها فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم. فقالت: هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالـت الهجرة، فقالت: لا والله لا أشفع فيه أبدا ولا أتحنث إلى نذري، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة. وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني علىعائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي. فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخل ؟ قالت عائشة: أدخلوا. قالوا: كلنا ؟ …… قالت نعم أدخلوا كلكم ولا تعلم أن معهما ابن الزبير. فلما دخلوا، دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي. وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه، ويقولان أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما عملت من الهجرة فإنه لا يحـل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما اكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد. فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة ……" (83). حدث ذلك بعد وفاة نبي الإسلام. فكيف حدث أن عائشة تملك أكثر من أربعيـن عبدا وجارية. لقد سبق لنبي الإسلام أن رهن درعه عند يهودي ليجد ما يقتات به. فأين هي الحقيقة ؟ … … وفي أي موقع وقع التزوير ؟ لا شك أن الحقيقة تكمن في ما روي عن عائشة. فقد كان لنبي الإسلام خمس المغانم من الغزو.
والنيسابوري (84) في ذكره لمعرفة الموالي وأولاد الموالي من رواة الحديث يبدأ بموالي رسول الإسلام، فيعدد منهم الكثير. وقد رأيت أن أنقل النص بحذافيره:
"وأول ما يلزمنا الإبتداء به موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمنهم شقران كان حبشيا لعبد الرحمن بن عوف فوهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وكان ممن شهد دفن النبي صلى الله عليه وسلم وألقى في قبره قطيفة والحديث به مشهور. 
ومنهم رويفع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من سبي خيبر.
ومنهم زيد بن حارثة من سبى العرب من كلب فمنّ عليه رسول الله صلى الله عليـه وسلم فأعتقه فقيل زيد ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت (أدعوهم لآبائهم)؛ وكانت امرأته أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له أسامة بن زيد وآنسة.
أخبرنا اسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني قال حدثنا جدّي قال ثنا إبراهيم ابن المنذر احزامي قال ثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو كبشة ويقال اسمه سليم.
أخبرنا إسماعيل بن محمد بإسناده عن ابن شهاب قال في ذكر من شهد بدرا أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل اسمه إبراهيم، زوّجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاته سلمى فولدت له عبيد الله بن أبى رافع كاتب أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وله رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضمرة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعقب، وسلمان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا الحسن بن يعقوب قال حدثنا يحيى بن أبي طالب عن علي بن عاصم بإسناده إسلام سلمان: ذكر أنه كان عبدا فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه فأسلم فابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم وأعتقه.
وسفينة: أخبرنا عثمان بن أحمد بن السماك قال ثنا الحسن بن مكرم قال حدّثنا عثمان بن عمر قال أخبرنا أسامة بن زيد عن محمد بن المنكدر عن سفينة قال: ركبت البحر في سفينة فتكسّرت فركبت لوحا منها فطرحني في جزيرة فيها أسد فلم يرعني، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق ثم همهم فظننت أنه السلام.
ومهران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، له حديث. "
إذا كان كل هؤلاء فضلا عن ما اعتقته عائشة لنقض نذرها هم موالي نبي الإسلام وثالث زوجاته فأين رقيق باقي أزواجه. إن النيسابوري الإمام لم يذكر لنا إضافة إلى ذلك سوى أم الحسن خيرة جارية أم سلمة زوج نبي المسلمين، فأين رقيق حفصة وصفية وجويرية،…… إلى آخر قائمة أزواجه عليه السلام ؟!!
يقول عباس محمود العقاد: "لقد شرع الإسلام العتق ولم يشرع الرق" (85). وقد فات استاذنا الكبير الراحل أن يدقق في خطبة نبى الإسلام يوم عرفة في حجة الوداع. ففيها اعتبر محمد إنكار العبد لفضل صاحبه بمثابة ومنـزلة الكفر بالله إذ قال: "أعدى 
الأعداء على الله قاتل غير قاتله وضارب غير ضاربه ومن كفر نعمة مواليه فقد كفر بما أنزل الله على محمد …… الخ" (86). فكيف أن الإسلام لم يشرع الرق ؟
لقد عرف الإسلام رق الإستدانة أو الوفاء بالديون تماما كما عرف رق البيع والشراء. أما أن الإسلام لم يعرف رق الإستدانة أو رق الوفاء بالديون فلا أدري كيف فات ذلك على استاذنا الكبير العقاد، وهو المشهور له بالموضوعية والموسوعية في آن معا. ذلك أن محمدا قبل نزول آيات الربا كان يقضي باسترقاق شخص يسمى "سرّق" عجز عن الوفاء بدينه لدائنه (87). وقد يكون الإسلام قد نسخ ذلك فيما بعد، أما أنه لم يعرف فذلك غير صحيح، وفي غير محله.
ثم لا بد من ملاحظة في محلها هنا. فالله بحسب القرآن حرم الخمر في الدنيا وأباحـة في الجنة حتى ليكاد يصح وصفها بأكثر من خمارة، ففيها نهر من خمر، وحرم البغاء وأباح الحـور العين للمؤمنين الفائزين. فهو يبشر بمبغى في الملكوت إضافة إلى الخمارة. أما الرق الذي لم يحرمه في الدنيا فإنه مباح في الآخرة أيضا:
"إن المتقين في جنات ونعيم، فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم، كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون، متكئين على سرر مصفوفة، وزوجناهم بحور عين، وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون، يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون" (88).
وهكذا يبدو أن الثواب في الحياة الآخرة يعني أن الإسلام قعد عن تحقيق المساواة والعدل في الحياة الدنيا.
وثمة ملاحظة أخرى حول واقعة أن النساء الإماء قد أنزلن إلى مستوى العاهرات، فقد أشار إليها الخطاب القرآني، فكانت إشارته كمرآة لممارسات جاهلية. ولكنه لم يحرم ذلك:
"ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم". (89)
وهذه الآية تؤكد على وجود بغاء منظم في المدينة. ونبي الإسلام لم يفكر في تحريـر النساء من سلاسل العنف إلا بعد أن تعرض أمن زوجاته للخطر. ومن أجل ذلك أرسل مبعوثيه إلى عبد الله بن سلول وأقرانه يستعملهم. فأوضح هؤلاء سلوكهم بالإدعاء إنهم لا يمارسون الغصب إلا مع النساء اللواتي يعتقدون أنهن عبدات (90). وفي ذلك لعب على اختلاط هوية النساء اللواتي يدنون من هؤلاء الرجال. ومن أجل ذلك أورد الخطاب القرآني آية توجب على نساء النبي ونساء المؤمنين كي يدنين عليهن من جلابيبهن فيتميزن كحرائر ولا يلاقين مصير أولئك الإماء. (91) ولم تكن الغاية حجابا برغم إدعاءات المفسرين والدعاة (وهم من الرجال على الدوام) وإنما هي شارة لتمييز الحرائر عن الإماء .
ولكن يلفتنا هنا أن الله يجسب الخطاب القرآني ـ يأخذ على عاتقه تخليص النساء الحرائر من إمكان غصب إرادتهن في فعل الزنا، فيما هو يترك الإماء لهذا المصير. إن اله القرآن لا يقر بوجود حرة وأمة وحسب، بل يترك الأمة لمصيرها المحزن وكأنها ليست من خلقه. إن الله إذ ذاك، إذ يوجد الحل في تميز المرأة الحرة عن المرأة الأمة أو الجارية فإنما يعترف أيضا بالشارع كمكان سمح فيه بالتزاني !… … ويبقى السؤال قائما !!
إذا كان رسول الله وأزواجه لديهم مثل هذا العدد من العبيد والموالي فكيف يقال أنه حرر العبيد، وإن الإسلام دين العدل والمساواة ؟ البعض يقول إن المهمة لم تكن عاجلة ولا آلية، بل إنها تطلق سلسلة من الخطوات والمفاوضات التي يمكن أن تسمح بنوع من التسويات. ولكننا نجد أن هذه التسويات لم تتم إلى أن ألغت القوى الإستعمارية الرق في القرن العشرين.
ونحن نرى أن الإتفاقية الدولية المبرمة في 25 أيلول/سبتمبر بجنيف ، تم توقيعها من جميع الدول تقريبا فيما رفضت السعودية توقيعها ولم توقعها حتى اليوم. وكذلك رفضت توقيعها اليمن. فيما وافقت مصر على ضمانة الحرية الفردية في دستورها عام 1923. وألغى العراق الرق عام 1924. ولم يلغ الرق في باقي الدول العربية إلا بموجب منشور صادر عن قوى الإستعمار، عن دول الحماية والإنتداب !!! 


هوامش البحث

1- د. طه حسين في "الشعر الجاهلي" ص 20. مطبعة دار الكتب المصرية ـ القاهرة طبهة عام 1926 م.
2- المصدر السابق نفسه ، الصفحة ذاتها
3- سورة يونس _ الآية 38
4- طبعة ليدن. الجزء الأول ص 294-296
5- سورة نوح
6- النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية ص 8 _ منشورات دار المشرق _ بيروت 
7- المصدر نفسة
8- معجم البلدان. الجزء 4 ص 652
9- المصدر السابق. الجزء 4 ص 337
10- تاريخ الطبري. الجزء الأول ص 737 _ 738
11- تاريخ أبي الفداء. الجزء الأول ص 38
12- في كتابه "الخطط" الجزء الثاني ص 483
13- تاريخ العبر. الجزء الثاني ص 47
14- مروج الذهب. الجزء الأول ص 127
15- سورة الحج (الآية 52)
16- سورة النساء (الآية 128)
17- سورة هود (الآية 72)
18- سورة البقرة (الآية 228)
19- سورة النور (الآية 31)
20- سورة الصافات (الآية 125)
21- سورة المائدة (الآية 12)
22- سورة الأعراف (الآية 157)
23- سورة الفتح (الآية 9)
24- سورة التوبة (الآية 30)
25- راجع "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ـ في تفسير يوم الجمعة
26- أخرجه أبو داوود في سننه
27- أخرجه البخاري ومسلم
28- سورة الفلق
29- كتابه (الطب النووي)
30- ورد ذلك في معظم تفاسير القرآن
31- سورة النساء (الآية 3)
32- تاريخ عمر بن الخطاب للإمام الحافظ أبو الفرج الجوزي. الطبعة الأولى 1394 هجرية
33- مصدر سابق
34- صحيح البخاري. ج6 ص 24. كتاب تفسير القرآن باب قوله: "ترجي من تشاء منهن وتأوي إليك من تشاء. ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك.
35- رواه البخاري في صحيحه
36- سورة البقرة (الآية 282)
37- سورة النساء (الآية 11)
38- سورة النساء (الآية 34)
39- مصدر سابق
40- تفسير الطبري
41- سورة الأحزاب (الآية 3)
42- سورة النحل (الآية 103)
43- سورة فصلت (الآية 44)
44- سورة فصلت (الآية 44)
45- سورة الشعراء (الآية 26)
46- القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن)
47- سورة التوبة (الآية 97)
48- سورة التوبة (الآية 98)
49- سورة التوبة (الآية 120)
50- سورة الفتح (الآية 11)
51- سورة الفتح (الآية 16)
52- سورة الحجرات (الآية 4)
53- أسباب النـزول ـ للواحدي النيسابوري. طبعة 1388 هجرية ـ بمصر
54- أحكام القرآن ـ ل "إبن العربي" ـ الجزء الثاني ص 1005
55- الجامع لأحكام القرآن ـ القرطبي ـ في تفسيره لسورة "براءة"
56- طبقات ابن سعد جزء 3 ـ القسم الثاني ـ ص 123
57- جامع البيان في تأويل القرآن ـ الطبعة الثانية
58- الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني. الجزء 2 ص 191-192
59- سورة الأنعام (الآية 152)
60- سورة الإسراء (الآية 35)
61- سورة الرحمن (الآية 7-9)
62- سورة المعارج (الآية 24-25)
63- سورة الذاريات (الآية 19)
64- سورة الزخرف (الآية 23)
65- سورة الأنعام (الآية 165)
66- صحيح مسلم بشرح النووي طبعة محمود توفيق. القاهرة الجزء 15 ص 187
67- سورة الأنعام (الآية 52) 
68- طبقات إبن سعد _ الجزء الثاني ـ القسم الأول ص 114-115
69- سنن أبي داوود السجستاني. الجزء الثالث ـ ص 65 _ المكتبة التجارية 
70- هو القرطبي في كتابه "الإستيعاب في معرفة الأصحاب" الجزء 2 ص 783
71- التاج ـ الجزء الثامن ـ ص 320
72- أسد الغابة ل "ابن الأثير ". الجزء الثالث ـ ص 2 ـ
73- طبقات ابن سعد ـ الجزء الثالث. القسم الأول ـ ص 33_
74- في كتابه أسد الغابة ـ الجزء الثالث ـ 289.
75- في كتابة أسد الغابة ـ الجزء الخامس ـ ص 286.
76- الإصابة ـ الجزء السابع ـ ص 258.
77- الطبري في "محمد خاتم الأنبياء" راجع أيضا "الحريم السياسي" لفاطمة المرنيـسي ـ ص 162.
78_ طبقات ابن سعد ـ الجزء الثاني ـ ص 107.
79- تاريخ الطبري. الجزء 3 ـ ص 180. 
80- مسند الإمام أحمد الجزء 6 ـ ص 147.
81- رواه البخاري في صحيحه من كتاب الجهاد باب الدرق. وكذلك مسلم في صحيحه في كتاب صلاة العيدين باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه. 
82- في كتابه "فاسألوا أهل الذكر". ص 271. مطبوعات مؤسسة الفجر ـ لندن.
83- صحيح البخاري ـ من كتاب الأدب، باب الهجرة (جزء 7 ـ ص 90).
84- هو الإمام الحاكم أبي عبد الله، في كتابه: معرفة علوم الحديث ـ منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر ـ بيروت راجع ص 197 و 198. 
85- حقائق الإسلام وأباطيل خصومه – العقاد. ص 215. مطبوعات المؤتمر الإسلامي بمصر.
86- راجع "مع الصادقين" لمحمد التيجاني السماوي. ص 43. الطبعة الأولى ـ دار سينا للنشر.
87- الربا والفائدة في الإسلام للمستشار محمد سعيد العشماوي. ص 43. الطبعـة الأولى _ دار سينا للنشر.
88- سورة الطور (الآيات 17 إلى 20 و 22 إلى 24).
89- سورة النور (الآية 23)
90- طبقات ابن سعد. الجزء 8 ص 176.
91- سورة الأحزاب (الآية 59)