أسرار عن القرآن

 

 

في الكلام على القرآن وما تميز به عن غيره من الكتب وفي كيفية كتابته ونشره والغاية العامة المقصودة به

اعلم أن لفظة قرآن مشتقة من قرآن أي تلا تلاوة ومعناها ما يقرأ أي ما ينبغي أن يقرأ وهي عند المسلمين اسم للكتاب بأسره وكل جزء منه أياً كان ولكل سورة أية كانت وذلك اقتداء باليهود في إطلاقهم لفظ قراه أو مقراً اسماً على التوراة بجملتها وعلى كل جزء منها كائناً ما كان وأول ما دعي من التوراة باسم مقرا خمسة أسفار موسى فقط انظر سفر نحميا ( الإصحاح 8 الآية 5 ) في الأصل العبراني وفي هذا إبطال دعوى جماعة من علماء المسلمين يزعمون أن كتابهم دعي قرآناً من قرأ الشيء إذا جمعه وضم بعضه إلى بعض وذلك لما جمع فيه من سور أو صحائف متفرقة كما يدحض حجة من زعم أنه لا بد من أن يكون القرآن قد لفق دفعة واحدة ولم ينزل نجوماً في أوقات شتى على ما يقوله المسلمون وذلك لأنه كثيراً ما يذكر ويدعي قرآناً في الكتاب نفسه أي قبل أن يجمع كل جزء منه على هيئة كتاب وبهذا ثبت أنه مأخوذ من لفظ مقرا العبراني ومن ثم جاز أن يدعي كل جزء منه أيا كان قرآناً على التوسع كما جاز أن تدعي التوراة مقرا ولم تكن مشتملة بعد إلا على أسفار موسى الخمسة وزد على ذلك أن أول فقرة زعم محمد أنها نزلت عليه قد افتتحت بلفظ مشتق من لفظ قرآن وذلك قوله في سورة الفلق اقرأ.

وللقرآن زيادة على هذا الاسم الخاص به أسماء أخرى يشركه فيها باقي الكتب المنزلة فيقال له الفرقان اشتقاقاً من فرق أي فصل أو ميز وذلك لا لأنه مفرق أجزاء وسوراً أو لأنه يفرق بين الحسنات والسيئات كما يزعم المسلمون بل للمعنى الذي يريده اليهود باستعمال لفظ فرق أو فرقاً للسفر أو الفصل من التوراة قال ابن ميمون وهو من مشاهير علماء اليهود كل فصل من كتاب المشنا يقال له عند اليهود فرق. قال المعرب الأظهر من مراد المصنف أن القرآن إنما سمي فرقاناً اقتداء باليهود الذين كان محمد يأخذ عنهم وكان بعضهم يكتب له ما يدعيه من الوحي كما سترى فلا يبعد أن يكون أحد كتابه منهم سمي القرآن فرقاناً جرياً على عادة قومه في تسميتهم فصول المشنا فلزمه هذا الاسم إذ كان اشتقاق لفظ فرقاً العبراني ولفظ فرق العربي من مادة واحدة.

ويقال للقرآن المصحف أيضاً وقد يدعى بالكتاب معرفاً بلام العهد تعظيماً لشأنه على حد ما كان يفعله اليونانيون من إطلاقهم لفظ ببلا معرفاً أي الكتاب على كل كتاب يريدون تعظيمه وكذلك يقال للقرآن الذكر وهو اسم شائع له وللإنجيل ولأسفار موسى الخمسة.

وقد قسم القرآن إلى مئة وأربعة عشر قسماً تختلف في الطول وتدعى سوراً واحدتها( مفردها ) سورة وهي كلمة لا تكاد تستعمل لغير القرآن وأصل معناها صف كما تقول صف أجر في البناء أو صف عسكر ولها من الدلالة والاشتقاق ما لفظه شوراً أو توراً بالعبرانية ومنها اشتقاق التوراة و يرادفها أيضاً في لغة لفظ سدر يجمعونه على سدريم ويدعون به الأقسام الثلاثة والخمسين المؤلفة منها أسفار موسى الخمسة ابن ميمون.

وليس لسور القرآن أعداد متتالية كما لفصول أكثر الكتب لكن المصنف قد وضع لها أعداداً في الترجمة الإنكليزية تسهيلاً لقراءتها على قومه وقد تابعه معرب هذه المقالة على ذلك في أكثر المواضع التي جاء فيها إشارة إلى القرآن لكنها جميعاً ما عدا الفاتحة قد وضع لها أسماء تميز إحداها عن الأخرى وهذه الأسماء أخذ بعضها عن قضية خصوصية جاءت في السورة أو عن اسم إنسان ذكر فيها وبعضها وهو الأكثر عن أول كلمة وردت في السورة ذات بال وذلك على حد ما فعله اليهود في وضعهم اسماء للسدريم. إلا أن بعض السور لا تأتي فيها الكلمة التي دعيت بها إلا بعد مسافة طويلة اي في أواسط السورة وأحياناً عند منتهاها وهو مستغرب ولعل سببه أن الآية التي وردت فيها تلك الكلمة قد أنزلت وكتبت متقدمة في التاريخ على أخواتها متأخرة عنهن في النسق وسميت بها السورة قبل تكامل آياتها أو قبل انتساقها على النظام الذي هي عليه اليوم فإنهم لما جمعوا القرآن ونسقوا السور وآياتها لم تقع تلك الآية دائماً في أول السورة. ولبعض السور اسمان أو أكثر وذلك لاختلاف النسخ.

والسور التي أنزلت في مكة تدعى مكية والتي أنزلت في المدينة تدعى مدنية غير أن كثيراً من السور قد أنزل بعض آياتها في مكة وبعضها في المدينة وكثيراً منها قد اختلف المفسرون في هل هي مكية أو مدنية.

وتنقسم السورة أقساماً ثانية غير متساوية في الطول ندعوها نحن فقرات وتدعى بالعربية آيات واحدتها آية وهي عين لفظة أو وثوث بالعبرانية ومعناها علامات أو معجزات لتضمنها ذكر أسرار الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وفرائضه وقد وضع لبعض هذه الآيات أسماء كآية الكرسي وآية السيف وذلك لأن الأولى ورد فيها اسم الكرسي والثانية دعي فيها إلى قتال من خالفهم في الدين على حد ما فعلوا بالسور. واعلم أن تقسيم السور إلى آيات أمر شائع معروف عندهم ومع ذلك لم يقع إلي بعد مصحف قد أعلمت آياته بالعدد فعلاً ولكنهم يذكرون في بعض المصاحف عدد آيات كل سورة بعد ذكر عنوانها ولعل ذلك لتحرج المسلمين عن أن يفصلوا فعلاً بين آية وأخرى إذ كان جل الاختلاف في نسخ القرآن إنما هو على تقسيم آياته وعددها.

وإذ قد ذكرنا اختلاف النسخ تعين علينا أن نعلمك إن تم سبع نسخ أولية أو أصلية لهذا الكتاب اثنتان منها كتبتا ونشرتا في المدينة وقرأ بهما أهلها والثالثة تنسب إلى مكة والرابعة إلى الكوفة والخامسة إلى البصرة والسادسة إلى الشام والسابعة تدعى العامة أو الشائعة. وعدد الآيات في الأولى ستة آلاف وفي كل من الثانية والخامسة ستة آلاف ومائتان وأربع عشرة آية وفي الثالثة ستة آلاف ومائتان وتسع عشرة آية وفي الرابعة ستة آلاف ومائتان وثلاثون آية وفي السادسة ستة آلاف ومائتان وست وعشرون آية وفي السابعة وهي العامة ستة آلاف ومائتان وخمس عشرون آية. أما عدد الكلمات فلا اختلاف فيه بين النسخ وهو سبعة وسبعون ألفاً وستمائة وتسع وثلاثون كلمة كما أن عدد الحروف واحد في جميعهن وهو ثلاثمائة وثلاثة وعشرون كلمة كما أن عدد الحروف واحد في جميعهن وهو ثلاثمائة وثلاثة وعشرون ألفاً وخمسة عشر حرفاً وفي هذا أيضاً اقتدى المسلمون باليهود فأحصوا مثلهم حروف كتابهم وكلماته بل زادوا عليه بما تجشموه من إحصاء عدد المرات التي تكرر فيها كل واحد من حروف المعجم في القرآن ولا أدري أصحيح هذا الإحصاء أم لا ؟.

وفضلاً عن انقسام القرآن إلى سور وآيات متفاوتة في الطول ينقسم أيضاً إلى ستين قسماً متساوية تدعى أحزاباً وكل حزب منها ينقسم أيضاً إلى أربعة أرباع متساوية في الطول وذلك ايضاً افتداء باليهود فإنهم قسموا كتاب المشنا قديماً إلى ستين قسماً لكن المألوف في أكثر نسخ القرآن قسمته إلى ثلاثين قسماً فقط تدعى أجزاء كل جزء منها بطول حزبين من الأحزاب المتقدم ذكرها وينقسم مثلها إلى أربعة أرباع متساوية وذلك لأجل التسهيل على القراء في المساجد السلطانية أو في الترب المجاورة لها حيثما يدفن الخلفاء وعظماء الرجال ففي كل واحدة من الترب ثلاثون قارئاً يقرأ كل واحد منهم جزءاً من القرآن في يومه حتى يختم القرآن مرة كل يوم.

وبعد اسم كل سورة خلا التاسعة وهي سورة براءة التوبة يأتي ما يدعوه المسلمون بالبسملة وهي قولهم بسم الله الرحمن الرحيم وبها يفتتحون كتبهم وكل ما يخطونه بأيديهم فهي شعارهم في الدين لا يهملونها ويحسبون تركها ضرباً من الكفر وفي الحديث كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر وكذلك كان اليهود قد اصطلحوا على شعار ديني يصدون به ما يكتبونه وذلك قولهم بسم الرب أو بسم الله العظيم وكذا كان لنصارى المشرق شعار وهو قولهم بسم الآب والابن والروح القدس إلا أنه يترجح عندي أن محمداً قد أخذ بسملته عن المجوس كما أخذ عنهم أشياء كثيرة غيرها فهم كانوا يصدرون كتبهم بقولهم بنام يزدان بخشا دادار وتفسير ذلك بسم الله الرحمن العادل.

وقد أجمع جمهور علماء المسلمين و مفسريهم على أن هذه الصورة من التيمن أعني البسملة المذكورة وذلك أسماء السور جميع ذلك كلام الله كمان الكتاب لكن فيهم مع ذلك من لا يشط هذا الشطط بل يقول إنها زيادات وضعها الناس وليست كلام الله نفسه.

وقد تميزت تسع وعشرون سورة من القرآن بأنها تبدأ بعد البسملة بواحد أو أكثر من واحد من حروف ا لمعجم ويعتقد المسلمون أن هذه الأحرف آيات خاصة بالقرآن وإنها تنطوي على معان وأسرار غامضة أقر البآؤهم بقصور إفهام البشر عن إدراك كنهها اللهم إلا محمد وحده وقد زعم مع ذلك جماعة منهم أنهم قد وقفوا على المراد منها فخرصوا فيها أنها تنوب عن ألفاظ تعرب عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأقضيته ولذا دعيت في القرآن آيات كسائر فقرات ذلك الكتاب وقد تأول جماعة معانيها من مخارجها أو من الإعداد المفروضة لها في حساب الجمل فمن اختلافهم في الحدس والخرص يتضح لك أنهم إنما يقولون بالظن ويخبطون خبط عشواء. وهاك مثالاً لما خرصوا فيه. إن في القرآن خمس سور قد بدئت بهذه الأحرف وهي المَ فزعم قوم أنها تنوب عن قوله الله لطيف مجيد أو قوله أنا لي مني أي أنا لي الكمال ومني كل خير أو عن قوله أنا الله أعلم فالألف تنوب عن اللفظة الأولى إذ هي أول أحرفها واللام عن الثانية إذ هي ثاني أحرفها والميم عن الأخيرة إذ هي آخر أحرفها أو عن قوله الله جبريل محمد أي من أنزل القرآن ومن نزل به ومن أنزل عليه وزعم آخرون أنه لما كانت من الألف من أحرف الحلق وهو أول الأعضاء من جهاز النطق وكانت اللام من حروف الغار وهو العضو الأوسط من ذلك الجهاز وكانت الميم من حروف الشفة وهي آخر الأعضاء منه كانت هذه الأحرف عبارة عن قوله الله هو الأول والوسط والآخر أو عبارة عن وجوب حمده في أول كلامنا وأعمالنا وفي وسطها وفي آخرها وزعمت طائفة أن هذه الأحرف تبلغ الأعداد المفروضة لها في حساب الجمل واحداً وسبعين فمعناها إذاً أن الدين الذي جاء به القرآن يتم انتشاره واستتبابه في الأرض في مدى إحدى وسبعين سنة وعندي أن لما فسرها به أحد علماء النصارى وجهاً لوجه لعله أدنى إلى الإصابة من تفسيرهم فقد حدس أنها أحرف وضعها كتاب محمد برأس السورة اختصاراً من قولهم أوعز إليّ محمد وذلك على حد ما وضع بعض كتابه من اليهود كهيعص برأس سورة مريم اختصاراً من قوله بالعبرانية كه يعص أي هكذا أمر كان بعض هؤلاء الكتاب غير مسلمين فلكي لا يظن بهم أنهم يؤمنون بما يكتبونه وضعوا هذه الأحرف تنبيهاً على أن محمداً هو الذي أمرهم أن يكتبوا كيت وكيت فكتبوه وهم منه براء.

وقد وقع الإجماع على أن القرآن كتب بأنصع لغات العرب وأفصحها وذلك بلغة قريش أشرف قبائلهم و أوفرهن حظاً من الأدب وهو لا يخلو مع ذلك عن شيء من لغات القبائل الأخرى. ومما لا خلاف فيه أيضاً أنه الحجة التي يرجع إليها في العربية وأنه شمس قلادة الكتب العربية وواسطة عقدها بل أن أهل السنة والجماعة من المسلمين يعتقدون ما أمروا في الكتاب نفسه أن يعتقدوه من أنه ليس في طاقة بشر أن يأتي بمثله وهذا ما ينكره بعض فرق المسلمين كما سيمر بك ويرون فيه معجزة مستمرة هي أعظم من إحياء الموتى أحمد بن عبد الحليم وابن خلدون وكثيرون غيرهما كافية وحدها إن تثبت أنه كلام الله.

وقد جعل محمد جل اعتماده على هذه المعجزة إثباتاً لمبعثه وبها تحدى فصحاء العرب وبلغاءهم وجزيرة العرب يومئذ مملوءة بآلاف منهم والفصاحة صنعتهم وبها منافستهم ومباعاتهم وكان ينادي بين أظهرهم تعجيزاً لهم أن يأتوا بسورة من مثله سورة الأسرى 90، والبقرة 2: 21 ويونس 10: 39 وهود 11: 16 وثم شواهد جمة لدي تثبت أن العرب وهم وقتئذ أرباب هذه الصناعة قد راعم من القرآن حسن تنضيده وتأليفه لكني أقتصر على إيراد شاهد واحد منها وذلك أن لبيد بن ربيعة الشاعر وكان من اعظم العرب ولوذعية أيام محمد لما علق قصيدته في الكعبة وهذا فخر لا يناله إلا المنظومات المبرزة لم يجسر غيره من فحول الشعراء على مباراته في ذلك فلما علقت سورة البقرة من القرآن بجانب تلك القصيدة أتى لبيد نفسه وهو إذ ذاك مشرك فما قرأ منها سوى الفقرات الأولى حتى أعجب بها غاية الإعجاب ودان من فوره بالدين الذي تدعو إليه وقال إن كلاماً مثل هذا لا يقدر عليه إلا من أوحي إليه وصار لبيد بعد لك كثير النفع لمحمد يرد على ما كان يهجوه به المشركون ولا سيما أمرؤ القيس ملك قبيلة أسد صاحب إحدى المعلقات المشهورة قال المعرب لا يخلو كلام المصنف هنا من وهم لأن المظنون أن لبيداً لم يقل من الشعر بعد إسلامه إلا بيتاً واحدا وهو قوله الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى لبست من الإسلام سرنا لا انظر كتاب الأغاني جزء 14 صحيفة 97 ولعل المصنف قد اختلط عليه اسم حسان ابن ثابت باسم لبيد في أمر الرد على أهاجي الشعر وعبارة القرآن حسنة منسجمة في أكثر المواضع ولا سيما حيث يحاكي أسلوب الأنبياء ويتقبل نمط التوراة وهي موجزة وغالباً عويصة مستغلفة يزينها أنواع من الكنايات والاستعارات بحسب ذوق الشرقيين ولكلامه رونق وزخرف وتحبير وفيه كثير من الجمل البليغة في إيجازها ثم أنه في مواضع كثيرة سني رائع ولا سيما حيثما يأخذ في ذكر عزة الله وقدرته.

وهو وإن كان قد كتب نثراً فلجمله وفقراته رويّ كثيراً ما ينقطع من أجله المعنى قبل أن يتم ويتكرر اللفظ تكراراً سخيفاً لم يكن له لولا الروي من ضرورة وهو في النقل اشد سخافة منه في الأصل لأنه يفقد في النقل حلية التسجيع التي جيء به من أجلها لكن العرب مولعون بهذه الطنطنة أعني التسجيع جداً حتى أنهم يجيئون به في أهم مصنفاتهم وأكثرها تحريراً ثم يحلونها بآيات مقتبسة من القرآن وبإشارات إليه حتى لا تكاد تفهم ما يكتبونه ما لم تكن مطلعاً اطلاعاً كافياً على القرآن.

ولعل ما ظهر للعرب في هذا الكتاب من سلاسة العبارة وحسن الرصف هو مما حداهم إلى قبول الدين الذي جاء به ولعله قوي في القرآن حججاً ما كانت لتقوم بسهولة لو جيء بها عارية عن هذه الحلية من البديع ومن الخطابة فكم وكم من قصة تحكي عما لزخرف القول من التأثير وسحر العقول إذا أحسن قائله اختيار الألفاظ وتلطف في سبكها وتنضيدها على ما يوافق عرضه فتفعل في الألباب فعل الموسيقى ولذلك صار مصافع الخطباء يعزون إلى هذا الباب من فن الخطابة تأثيراً لا ينقص عن تأثير غيره من الأبواب ولعمري أن من لا نشجوه فقرة متزنة اللفظ حسنة السبك فبئس السمع سمعه وما كان محمد يجهل ما لزخرف الخطابة من فعل السحر وهو القائل أن من البيان لسحرا وسلب الألباب فلذلك لم يهمل شيئاً من بهرج البيان زخرف الخطابة فيما ادعاه من الوحي هذا مع إفراغ جهده في المحافظة على سمو عبارته حتى يكون خليقاً بالإله الذي نحله إياه ونسبه إليه وبذل وسعه في محاكاة أسلوب الأنبياء أنبياء التوراة فنجح فيما تجشمه أتم النجاح وخلب قلوب مستمعيه بزخرف قوله حتى خيل لخصومه أنه سحر كما نراه يشكو من ذلك أحياناً سورة 15: 15 و21: 3 و34: 42 و43: 29 و46: 6.

أما الغاية العامة التي توخاها محمد في قرآنه فهي كما قال أحد علماء عصرنا أن بلاد العرب كانت وقتئذ غاصة بشعوب وأمم عديدة مختلفة ويتفرقون في بيداء ضلالهم بلا هاد يهديهم إذ كان معظمهم وجلهم عبدة أوثان وباقوهم يهوداً أو نصارى من أهل البدع أي اساطرة ويعاقبة فتوخى محمد أن يجمعهم على معرفة إله واحد أزلي لا تدركه الأبصار به كانت الأشياء كافة وبه يكون ما ليس بكائن هو مدبر الكون وديانه وربه المطلق حتى إذا عرفوه عبدوه وحده عبادة مبنية على شرائع معلومة وعلى رسوم وشعائر بعضها قديم الوضع وبعضها حديثه فمن قبل ذلك أثيب ومن رفضه عقب في دنياه وآخرته كما توخى أن يحملهم كافة على الانقياد إليه والطاعة له من حيث هو نبي ذلك الإله ورسوله الذي بعثه بعد تكرار الإنذار والوعد والوعيد ليقيم دينه في الأرض بحد السيف وليعترف الناس بأمانته في أمور الدين وبرئاسته في أمور الدنيا فيكون وحده إمامهم وأميرهم.

فإذا تقرر هذا القول أن الركن الأعظم من أركان الدين الذي جاء به القرآن هو التوحيد وأن رد الناس إليه هو أهم ما بعث محمد لأجله فيما زعم إذ كان مما لا ريب فيه عنده أنه لم يكن قط ولن يكون أبداً سوى دين واحد حق قيم وأن هذا الدين وإن كانت فروضه وشعائره زمنية وقابلة للتبديل تبعاً لما يوحيه الله إلى عباده فجوهره لا يتغير بل يستمر كما هو لأنه حق لا يحول ولا يزول ثم كلما كان هذا الدين يهمل أو يتطرق الفساد إلى أصوله الجوهرية كان الله يستأنف بلطفه إعلانه للناس على لسان أنبياء متعددين كان موسى وعيسى أعظمهم حتى جاء هو أي محمد فكان خاتمتهم ولا نبي بعده ينتظر كما جاء في حديثه الذي رواه قتادة كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث. ثم أنه لكي يحمل الناس على تلبية دعوته شحن قسماً كبيراً من القرآن بشواهد وقصص عما نزل قديماً من العقاب الهائل بالذين كذبوا أنبياء الله وآذوهم وقد أخذ كثيراً من هذه القصص أو بعض أحوال منها عن التوراة وأسفار العهد الجديد ولكن معظمها أخذه عن كتب موضوعة يشير المؤلف هنا إلى الكتب التي يدعوها النصارى غير قانونية وهي المعروفة بالأبوكريفا كإنجيل الصبوة وغيره وأحاديث كانت دائرة على ألسنة اليهود والنصارى في عصره فأخذها وأوردها في قرآنه كحقائق راهنة واتخذ من معارضتها للتوراة والإنجيل حجة على ما اتهم به اليهود والنصارى من تحريفهما انظر سورة 5: 18 ويغلب على ظني أنه ليس في تلك القصص شيء قد اختلقه من عند نفسه كما يتهم إذ يسهل علينا أن نجد لأكثرها أثراً في تلك الكتب الموضوعة المتقدمة على محمد بكثير كما كان يسهل علينا أن نجد أصلاً لباقيها لو توفرت عندنا تلك الكتب بتمامها أو لو كان في تقصي ذلك ما يساوي العناء.

وشغل محمد قسماً آخر من القرآن بما لا بد منه من الشرائع والأحكام وبتكرار الحض على الصلاح والفضائل ولا سيما التدين وعبادة الإله الحق وحده وتفويض الأمور إليه وفي خلال ذلك أشياء كثيرة صالحة حرية بأن يتلوها النصارى أنفسهم.

أما ما بقي من القرآن ففيه كثير من الآيات التي نزلت في أمور خاصة أو حوادث عارضة وذلك أن محمداً كان كلما عرض له أمر يربكه أو فاجأته معضلة يضيق بها ذرعاً ولا يتهيأ له وجه التخلص منها يعمد إلى دعوة الوحي فيها على الوجه الذي يختاره وهو الحكم الفصل الذي لا يتوجه عليه تكذيب ولا اعتراض فنجحت حيلته هذه على وفاق ما كان في نفسه. لكن ألطف حيله وأبرعها أنه استنزل القرآن تاماً إلى السماء الدنيا فقط ولم يستنزله دفعة واحدة إلى الأرض لأنه لو وقف عليه الناس تاماً لاعترضوا عليه اعتراضات جمة يعسر على محمد حلها حتى لا نقول يستحيل لكنه بادعائه أنه أنزل عليه نجماً نجماً بحسب ما كان يرى الله أن الأصلح لهداية عباده وتفقيهم سهل عليه أن يعد لكل مسألة جواباً ويتخلص من كل معضلة تخلصاً محموداً. فإن اتخذ المعترض من ذلك حجة على ما يعتقده المسلمون من أزلية القرآن عمدوا إلى ما يؤمنون به من سابق القضاء والقدر فجعلوه جواباً له وقالوا أن الأمور الطارئة أو العوارض التي دعت إلى نزول تلك الآيات كان الله قد قدرها وقضى بها منذ الأزل.

ومما لا ريب فيه ولا ينبغي أن يختلف فيه اثنان أن محمداً هو في الحقيقة مصنف القرآن وأول واضعيه وإن كان لا يبعد أن غيره أعانه عليه كما اتهمته العرب انظر سورة 16: 105 و25: 6 »وتفسيري الزمحشري والبيضاوي فترى أن بعضهم قال أعانه عليه جبر الرومي مولى عامر بن الخضرمي وكان قارئاً كاتباً وقال غيرهم بل أعانه اثنان من الموالي يعملان السيوف بمكة وكان لهما حظ من القراءة فكان محمد إذا مر بهما وقف واستمع ما يقرآن ووعاه. وقالت طائفة من علماء النصارى أن الذي لفق له ما ادعاه من الوحي يهودي اسمه عبد الله بن سلام وكان صديقاً لمحمد وكان معه يهوديان آخران أحدهما وهب بن منبه والآخر كعب الأحبار. لكن الذي عليه أكثر مؤلفي النصارى هو أن أعظم معين لمحمد على وضع القرآن هو راهب نسطوري اسمه بالرومية سرجيس ويعرف عند العرب ببحيرا وكان محمد قد لقيه ببصرى من الشام وتعرف به. ومما يدل على أن سرجيس أو سرجيوس وبحيرا اسمان لمسمى واحد وهو الراهب المذكور قول المسعودي في الباب السادس من مروج الذهب أن بحيرا يدعى في كتب النصارى سرجيوس وقال ابن العبري عن حسن البكري أن اسمه باللاتينية فيلكس وتفسيره وكنيته بحيرا لكنهم لشدة اختلافهم في تعيين الأشخاص الذي زعموا أنهم كانوا يعينونه عليه وهت حجتهم وعجزوا عن إثبات دعواهم ولعل ذلك لأن محمداً كان أشد احتياطاً من أن يترك سبيلاً لكشف الأمر.

ومهما يكن من هذا فالمسلمون ينكرون أشد الإنكار أن محمداً نفسه وضع القرآن أو أن أحداً غيره وضعه له وقد أجمع أهل السنة والجماعة منهم على اعتقاد أنه كلام الله نفسه لا بل أنه أزلي غير مخلوق قائم بذات الله وأنه أول ما كتب بجانب العرش في لوح عظيم يدعى اللوح المحفوظ قد كتبت فيه أقضية الله الماضية والتي ستأتي وأن جبريل نزل ليلة القدر من شهر رمضان سورة القدر إلى السماء الدنيا بنسخة منه قد نقلت عن ذلك اللوح وكتبت في درج من القرطاس وكان من هناك يهبط به على محمد نجوماً في أوقات متفرقة ومواضع مختلفة تارة في مكة وتارة في المدينة على مدة ثلاث وعشرين سنة وذلك حسبما كانت تقتضيه الأحوال وتدعو إليه الحاجة لكنه كان تطبيباً لنفس النبي يعرضه عليه تاماً مرة كل سنة وذلك بمصحف مجلد بالحرير محلى بالذهب وجواهر الجنة وقد تكرم عليه في آخر سنة من عمره بأن متعه بالنظر إليه مرتين.

ويقول المسلمون أيضاً أنه لم ينزل من السور تامة دفعة واحدة إلا القليل وأن معظم القرآن نزل نجوماً وكذلك اليهود يقولون أن الناموس أعطي لموسى نجوماً فكان إذا نزل نجم منه على محمد كتبه كتابة في موضعه من السورة بإرشاد جبريل حتى تستوفي كل عدد آياتها وقد أجمعوا على أن أول ما نزل منه الآيات الخمس الأول من سورة العلق. فإذا أملى محمد على كتابه ما نزل عليه منه كتبوه ودفعوه إلى المسلمين فيأخذ بعضهم نسخة عنه لنفسه لكن أكثرهم كانوا يتحفظونه غيباً فإذا استعيدت النسخ الأصلية وضعت في صندوق مختلطة بما تقدم عليها وبدون مراعات تواريخها فلذلك لا يعلم على التحقيق تاريخ كثير من الآيات ومتى نزلت.

ولما توفي محمد ترك وحيه على ما ذكرناه من الاختلاط غير مرتب على ما نراه الآن ولكن أن كثيراً من الآيات لم يكن لها ما يضبطها سوى تحفظ بعض المسلمين لها غيباً وكان كثير من هؤلاء قد قتلوا في المغازي فأمر بجمع ما كان مكتوباً منها على الأقتاب والعسب كان القرآن يكتب عليها وعلى الجلود وعظام الأكتاف ويجعل ذلك بين دفتين وما كان منها في صدور الرجال يقرأ عن ظهر القلب فلما تم جمعه وكتبه في مصحف أودع المصحف عند حفصة بنت عمر إحدى زوجات محمد.

ولما أفضت الخلافة إلى عثمان وقف في السنة الثلاثين من الهجرة على اختلاف نسخ القرآن في بعض الأمصار عن بعض إذ كان أهل العراق مثلاً يقرءون بقراءة أبي موسى الأشعري وأهل الشام بقراءة مقداد بن الأسود فشاور الصحابة وأمر أن تكتب عدة مصاحف عن مصحف أبي بكر المودع عند حفصة وفوض ذلك إلى زيد بن ثابت و عبد الله بن الزبير وسعيد ابن العاص وعبد الرحمن بن الحارث المخزومي وقال لهم إن اختلفتم في كلمة فاكتبوها بلسان قريش فإنما نزل القرآن بلسانهم أبو الفداء ولما كتبت هذه المصاحف حمل كل واحد منها إلى مصر من الأمصار وأحرقت المصاحف القديمة وتلاشت. وقد صحح هؤلاء النساخ أشياء كثيرة في مصحف أبي بكر الذي أخذوا عنه إلا أ نه لم يزل مع ذلك في القرآن قراءات مختلفة بعضها في الحروف والكلم وبعضها في الشكل وهو الأكثر اعلم أن صور الشكل التي نراها اليوم لم تستعمل في العربية إلا بعد محمد بسنين عزا قوم وبضعها إلى يحيى بن يعمر وغيرهم إلى نصر الليثي وغيرهم إلى أبي الأسود الدؤلي وهم من علماء البصرة التابعين. قيل أنه لما وضع الشكل أمر الحجاج فكتبت مصاحف مشكولة وأحرق كل ما كان سواها فاتهم أنه إنما فعل ذلك ليمحو سورة من القرآن كانت في لعن بني أمية كما سيمر بك في التذييل وذلك أنه لعدم وجود علامات للشكل إذ ذاك افتقروا إلى قراء يحسنون قراءة الكتاب بحركات إعرابه إلا أن هؤلاء القراء لم يتفقوا على قراءة واحدة في كل المواضع وهذا سبب ما نراه اليوم في المصاحف المضبوطة بالشكل من الاختلاف في الحركات أما القراء الذين اعتمد المفسرون على قراءتهم فهم سبعة.

واعلم أن في القرآن بعض آيات متناقضة يحتج عنها علماء المسلمين بحجة النسخ ويدفعون اعتراض المعترض بقولهم أن الله أمر بأشياء كثيرة في القرآن إلا أنها نسخت بعد ذلك لعلة أوجبت نسخها. ومنسوخات القرآن ثلاثة أنواع نوع نسخ حرفه وحكمه ونوع نسخ حرفه وبقي حكمه ونوع نسخ حكمه وبقي حقه. فمما نسخ حرفه وحكمه بضع آيات كانت على ما روى أنس بن مالك تقرأ في سورة التوبة على عهد محمد لكنها لا توجد اليوم في القرآن ولم يذكر أنس منها سوى آية واحدة وهي قوله لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولو أن له ثالثاً لابتغى إليه رابعاً فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. ومن ذلك أيضاً ما رواه عبد الله ابن مسعود من أن محمداً أملى عليه آية فكتبها ثم التمسها ثاني يوم في مصحفه فلم يجدها وكانت الصحيفة خالية فأخبر النبي بذلك فقال له أنها نسخت من ليلتها. ومما نسخ حرفه وبقي حكمه آية تدعى آية الرجم روى الخليفة عمر أنها كانت في القرآن أيام محمد وليست فيه اليوم وهي قوله ولا ترغبوا عن آبائكم فإن ذلك كفر بكم والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم اطلب كتاب آية الرجم بقرش صاغ ومما نسخ حكمه وبقي حرفه مئتان وخمس وعشرون آية متفرقة في ثلاث وستين سورة. فمن ذلك أمره باستقبال بيت المقدس في الصلاة وأمره بالصيام على الحكم القديم سورة البقرة 2: 197 والكف عن الكفار وأشباه ذلك قاله أبو هاشم هبة الله قال المعرب »وقال ابن العربي كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخ بآية السيف وهي الخامسة من سورة براءة فتكون قد نسخت أكثر من مائة وعشرين آية وهذا النوع من المنسوخات قد عني بجمعه وتبيان نواسخه طائفة من العلماء.

ثم أنه وإن كان أهل السنة والجماعة من المسلمين يعتقدون أن القرآن غير مخلوق بل هو أزلي قائم بذات الله ويقولون أن محمداً نفسه كفر من قال بخلقه إلا أن كثيراً منهم ولا سيما المعتزلة والمزدارية قالوا بخلقه وكفروا من قال بقدمه لما يلزم عن ذلك من القول بقديمين. وقد احتدمت نار الجدال في هذا الأمر على عهد بعض الخلفاء العباسيين فلحق الناس بسببه بلاء عظيم و نكال شديد. وذلك ان المأمون أمر الناس أن يقولوا بخلق القرآن وذلك سنة 218 للهجرة كما في تاريخ ابن العميد وابن العبري وجرى على ذلك المعتصم والواثق من عبده وكان في خلافة المعتصم عالم اسمه أبو هرون بن البكاء وكان ينكر خلق القرآن لكن يقر بكونه مجعولاً لقوله إنا جعلناه قرآناً عربيا سورة الزخرف 43: 20 ويسلم بأن كل مجعول مخلوق لكنه يحجم عن النتيجة ابن العبري فكان من قال بالخلاف يجلد ويحبس ويقتل صبراً فلما أفضت الخلافة إلى المتوكل بعد الواثق كف الاضطهاد والمحنة وأبطل الجدل في القرآن وأن الذمة بريئة ممن يقول بخلق أو بغير خلق.

ويشبه أن يكون الغزالي فد ألف بين المذهبين إذ قال أن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب وهو مع ذلك قديم قائم بذات الله لا يقبل الانفصال والفراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق وكأنه يريد بذلك أن أصل معنى القرآن أي فحواه هو القائم بذات الله فيلزم عن ذلك أنه مع الله في الجوهر أو الذات وفي القدم لكن المصاحف مخلوقة وقد كتبها البشر.

وللجاحظ الذي تنتسب إليه فرقة الجاحظية مذهب في القرآن أغرب من أن يهمل التنبيه عليه فإنه كان يقول أن القرآن جسد يجوز أن ينقلب مرة رجلاً ومرة حيواناً الشهرستاني وهذا يوافق مذهب الذين يقولون أن للقرآن وجهين وجه رجل ووجه بهيمة وأظن ذلك إشارة إلى احتماله وجهين من التأويل أحدهما حرفي وهو حمل الكلام على ظاهره والآخر مجازي ولعل الوليد بن يزيد الأموي الذي يدعوه المسلمون فاسقاً زنديقاً كان يعتقد أن للقرآن وجهاً واحداً لا غير وهو وجه الرجل فعامله معاملة من يعقل وذلك أنه استفتح فيه فألاً ذات يوم فخرج له قوله واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد سورة إبراهيم 14: 18 فألقاه ورماه بالسهام ثم أنشد :

أتوعد كل جبار عنيد … فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشر … فقل يا رب خرقني الوليد

وكما أن في المسلمين من قال بخلق القرآن فكذلك فيهم من أنكر إعجازه وقال ليس فيه من خارقة لا باعتبار الفصاحة ولا باعتبار التنضيد والتأليف إلا ما قص فيه من أمور مضت والإنباء بأمور ستكون لو لم يصرف الله الدعاوي عن معارضته ويمنع العرب عن الاهتمام به جبراً وتعجيزاً بل لو خلاهم وشأنهم لكانوا قادرين على ان يأتوا بكتاب مثله بل يفوقه بلاغة وفصاحة وتنضيداً وهذا مذهب آخر من مذاهب المعتزلة خصوصاً المزدارية والنظامية الشهرستاني وسنلمع بشيء من مذهبهم في الفصل الثامن.

ولما كان القرآن دستور المسلمين في الإيمان والأعمال كثر ولا غرو مفسروه ولعلنا لا نخرج عما نحن فيه إذا نبهنا على القواعد التي يراعونها في تفسيره. فاعلم أن أحد أعلام المفسرين الزمخشري في تفسر الآية الخامسة من سورة آل عمران نوّع ما في القرآن وقمسه إلى مجازيّ وهو ما يدعى في الكتاب نفسه متشابهاً وإلى محكم وهو الآيات الصريحة التي تدعى ثمّ أم الكتاب سورة آل عمران 3: 5 فالمتشابه يدخل فيه الآيات المبهمة والأمثلة المضروبة والمعاني المستغلقة و المنسوخات والمحكم هو كل ما كان بيناً لا لبس فيه ولا احتمال ولم يبطل حكمه.

ولا بد لتفسير ذلك على وجه الصواب من البحث في الحديث وغيره لمعرفة الزمن الذي نزلت فيه الآية المفسرة وأسباب نزولها والأحوال المتعلقة بها والتي دعت إليها أي أنه لا بد لمن يروم تفسير آية ما من أن يعرف هل هي مكية أو مدنية منسوخة أو ناسخة متقدمة أو متأخرة وذلك باعتبار زمن نزولها لا باعتبار موضعها من المصحف منقطعة عن غيرها أو متصلة خاصة أو عامة مجازية أو حقيقية هذا معنى كلام أحمد بن محمد الثعلبي ويحيى بن سلام البصري في أصول التفسير فمما تقدم يسهل عليك أن تعلم أن القرآن كتاب يحترمه المسلمون غاية الاحترام ويعظمون شأنه غاية التعظيم لا يسمونه ما لم يتوضأ أولاً وذلك كاحترام اليهود ناموسهم فلا يمسونه قبل غسل أيديهم وتجليل الكتاب بغطاء أو نحوه واحتراساً من أن يمسوه على غير انتباه وهم غير أطهار فقد اصطلحوا أن يكتبوا على جلده هذه الآية منه لا يمسه إلا المطهرون سورة الواقعة 56: 78. وهم يقرأونه بالتفهم والهيبة لا تنحط به أيديهم تحت مناطقهم أبداً ويقسمون به ويستفتحون به في المهمات وذلك أنهم يفتحونه صفحاً ويأخذون فالهم من أول كلام يقع عليه نظرهم كما فعل الوليد وقد مرت بك قصته وإنما أخذوا ذلك عن اليهود أيضاً فإنهم يستفتحون بالتوراة على هذا الوجه ويحملونه معهم في الحروب ويكتبون آيات منه على راياتهم ويوشونه ويحلونه بالذهب ويرصعونه بالأحجار الكريمة ولا يدعونه على علم منهم في حوزة غير المسلم.

وقد وهم من زعم أنهم يرون ترجمته إلى غير العربية انتهاكاً لحرمته فإنهم قد عنوا بنقله إلى الفارسية وغيرها من اللغات ولا سيما لغة ملقة من جزائر الهند ولغة جاوه لكنهم إجلالاً للعربية التي كتب بها يجعلونها أصلاً في المصاحف ويجعلون الترجمة بين سطورها.

_تذييل الفصل الثالث

زعم أن أهل السنة والجماعة متابعة لنبيهم أن القرآن كلام الله نفسه لفظاً ومعنىً وأنه معجزة في الفصاحة والبلاغة إلا أن ذلك باطل ولنا على بطلانه أدلة متعددة. فأولاً أن في طريقة كتابته وجمعه جاء في الكامل وتاريخ الخلفاء ما تلخيصه: أن أبا بكر أرسل إلى زيد بن ثابت يأمره بجمع القرآن خوف استمرار القتل بالقراء فيذهب معهم كثير منه فتتبعه زيد وجمع ما قدر عليه من الرقاع والعظام وصدور الرجال

دليلاً على أنه قد سقط منه شيء وأنه ليس اليوم بأيدينا كل ما زعم محمد أنه نزل عليه منه انظر كتاب »هل من تحريف في الكتاب الشريف؟« فقد جاء في حديثه قوله رحم الله فلاناً لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتهن ويروى أنسيتهن الشفاء للقاضي عياض. فثبت بهذا من نفس لفظه أنه كان قد أسقط أو أنسي بعض آيات القرآن ويؤيد ذلك قوله في سورة الأعلى سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ولنا من هذا الاستثناء أن نزعم أنه قد أسقط أو أنسي آيات لم يتفق له من يذكرها إياها. وذلك قد ثبت أن الصحابة حذفوا من القرآن كل ما رأوا المصلحة في حذفه مقدمة الشاطبية فمن ذلك آية المتعة أسقطها عليّ بتة وكان يضرب من يقرأها وهذا مما شنعت عائشة به عليه فقالت أنه يجلد على القرآن وينهي عنه قد بدله وحرفه. ومنه أيضاً ما كان يرويه ابن أبي كعب ولا نجده اليوم فيه وهو قوله اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك رسالة عبد المسيح الكندي وانظر أيضاً إلى ما قاله المصنف عن آية كانت تقرأ في سورة التوبة على عهد محمد لكنها لا توجد اليوم في القرآن إلى آخر الوتر ثم أن كثيراً من آياته لم يكن لها من قيد سوى تحفظ الصحابة لها وكان بعضهم قد قتلوا في مغازي محمد وحروب خلفائه الأولين وذهب معهم ما كانوا يتحفظونه من قبل أن يوعز أبو بكر إلى زيد بن ثابت بجمعه فلذلك لم يستطع زيد أن يجمع سوى ما كان يتحفظه الأحياء. أما ما كان مكتوباً منه على العظام وهذا ما حدا العلماء إلى الزعم أن فيه آيات قد نسخت حرفاً لا حكماً وهو من غريب المزاعم وحقيقة الأمر فيها أنها قد سقطت بتة بضياع العظم الذي كانت مكتوبة عليه ولم يبق منها سوى المعنى محفوظاً في صدورهم ولما قام الحجاج بنصرة بني أمية لم يبق مصحفاً إلا جمعه وأسقط منه أشياء كثيرة كانت قد نزلت فيهم وزاد فيه أشياء ليست منه وكتب ستة مصاحف جديدة بتأليف ما أراده ووجه بها إلى مصر والشام ومكة والمدينة والبصرة والكوفة وهي القرآن المتداول اليوم وعمد إلى المصاحف المتقدمة فلم يبق منها نسخة إلا أغلى لها الخل وسرحها فيه حتى تقطعت وإنما رام بما فعله أن يتزلف إلى بني أمية فلم يبق ما يسوءهم.

وهذا الكتاب كما اعتراه النقص تطرقت إليه الزيادة أيضاً وذلك أن الخلفاء الذين أمروا بجمعه أولاً لم يكفهم أنهم حذفوا منه كل ما رأوا المصلحة في حذفه حتى زادوا فيه ما ليس منه وتصرفوا في ما دعوه كتاب الله تصرف المالك في ملكه قال ابن عباس عن المعوذتين أنهما ليستا من القرآن ولما رآهم يثبتونها فيه عند جمعه قال لهم لا تكتبوا في القرآن ما ليس منه وستقف بعد هذا على ما ضم إليه من كلام أبي بكر وغيره وهم الذين نهجوا السبيل للحجاج حتى فعل به ما فعل فكيف يكون كل ما بين دفتيه كلام الله وقد رأيت أن فيه بإقرار المسلمين أنفسهم نقضاً في مواضع وزيادة في غيرها وشيئاً كثيراً من كلام المخلوقين. وهذا الذي قلناه إنما هو منقول عن رواتهم العدول الثقاع عندهم المأخوذ بقولهم المعول في الدين على ما نقلوه ونحن لما وقفنا على ما في الكتاب من كلام مبتور لا نظام له ولا تاليف ولا معنى ينسق صح عندنا أن الذي نقلوه إلينا من خبره هو على ما حكوه.

ثانياً إن تعارض كلامه بدلنا على أنه ليس من الله في شيء لأن الله لا يعارض نفسه ولا ينقض كلامه بعضاً ومصنف القرآن نفسه يقول عن كتابه أنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ونحن نجد فيه اختلافاً كثيراً فهو إذاً من عند غير الله. وحسبنا لتأييد حجتنا ذكر لمع من تناقضه. قال في سورة النحل أنه أي القرآن لسان عربي مبين. والمبين ما لا يحتاج إلى تأويل فنقض ذلك بقوله في سورة آل عمران أنه فيه آيات متشابهات وأنه لا يعلم تأويله إلا الله. وقال في سورة الأعراف أن الله لا يأمر بالفحشاء وقال في سورة الأنعام ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون فنقض هاتين الآيتين بقوله في سورة الأسرى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً. والأمر بالفسق هو أمر بالفحشاء وإهلاك أهل قرية عن بكرة أبيهم من أجل مترفيهم فقط فسقوا فيها كما أمروا ظلم محض. وقال في سورة يونس خطاباً لفرعون وقد اتبع بني إسرائيل بغياً حتى أدركه فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ويترتب على هذا الكلام أن الله نجىّ فرعون من الغرق فنقض ذلك بقوله في سورة الأسرى فأغرقناه ومن معه جميعاً وبقوله في سورة الزخرف فأغرقناهم أجمعين وبقوله في سورة القصص فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم. ولما وقف المفسرون على هفوة القرآن في هذه الآية تأولوها تأولاً يخجل من مثله صبيان المكاتب فقالوا معنى ننهيك ننقذك من قعر البحر ونجعلك طافياً أو نلقيك على نجوة أي مكان مرتفع من الأرض ليراك بنو إسرائيل ويصدقوا بما أخبرهم به موسى من غرقك إن عاينوك مطرحً على ممرهم من الساحل لأنه كان في نفوسهم من عظمة فرعون ما خيل لهم أنه لا يهلك وهكذا ظن المفسرون أنهم تخلصوا من الإقرار بالتناقض إذ جعلوا لقوله ننجيك معنى غير معناه المتبادر إلى الذهن وهو التنجية من الغرق فقالوا أنه ألقى بدنه مجرداً من الروح على نجوة ليكون آية لمن خلفه أي لبني إسرائيل ولكن فاتهم أنه ليس في ذلك آية لبني إسرائيل لأنهم كانوا قدامه لا خلفه فلا يتأتى لهم أن يعاينوه مطرحاً على ممرهم من الساحل بل ليس في ذلك من آية لأحد البتة لأن هذه حال أكثر الغرقى تطفو جثثهم على الماء أو يلقيها البحر بالساحل وإنما الآية في نجاة فرعون وحده من الغرق بعدما أشرف عليه حتى لا يكون آية لمن خلفه من المصريين وهذا هو المعنى الذي أراده القرآن وإن كره المفسرون.

وقال في سورة المؤمن ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين على فرعون وهامان وقارون كلام القرآن ههنا يوهم أن قارون من قوم فرعون وأن موسى أرسل إليه كما أرسل إلى فرعون إلا أنه جاء في موضع آخر سورة القصص 28: 46 وأنه كان من قوم موسى وهو الصواب وزعم المفسرون أنه ابن يصهر فهو إذاً قورح بن يصهر المذكور في التوراة سفر الخروج 6: 31 فذكره ههنا مع هامان وفرعون مجلبة للغلط لأنه يتبادر منه إلى الذهن أنه كان مصرياً من قوم فرعون مع أنه إسرائيلي من قوم موسى فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معهم. فالظاهر من هذا الكلام أن فرعون لم يأمر بقتل أبناء اليهود إلا من بعدما جاءه موسى بالحق من عند الله لكن ذلك منقوض بقوله في سورة طه خطاباً لموسى إذا أوحينا إلى أمك ما يوحى أن أقذفيه في التابوت في اليم وهذا يترتب عليه أن فرعون أمر بقتل أبناء اليهود وموسى إذ ذاك طفل ولما يجئه بالحق من عند ربه إذ لا باعث على قذفه في اليم وهو في التابوت إلا الخوف عليه من أن يقتله فرعون كما كان يقتل غيره من أطفالهم. وقال في سورة البقرة ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذا تصريح بأن من عمل صالحاً من أهل الكتاب فهو ناج. وقال فيها أيضاً لا إكراه في الدين وهذا حظر صريح عن إكراه الناس على الدخول في دين لا يريدون الدخول فيه. فنقض ذلك بقوله في سورة آل عمران ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وبقوله في سورة براءة وسورة التحريم جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم. وبقوله في سورة البقرة وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. والمراد بالفتنة هنا كل دين خالف الإسلام. وقال في سورة مريم عن لسان عيسى ابنها السلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً. وهذا إثبات لموت عيسى وبعثه لكنه منقوض بقوله في سورة النساء وما قتلوه وما صلبوه بل رفعه الله إليه. وهذا نفي لموته وبعثه وهو المعنى الذي أراده القرآن وإلا فقد كذبه بما تنبأ به عن نفسه ولا أظنه أراد ذلك. وقال في سورة فصلت أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى أن قال وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم أستوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أئتنا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين. فهذا الكلام يتحصل منه أمران أحدهما أنه خلق الأرض والسموات في ثمانية ايام والآخر أنه خلق السماء بعد الأرض لا قبلها لكن الأول منقوض في سبعة مواضع من القرآن بما معناه أنه خلقهما وما بينهما في ستة أيام لا في ثمانية الأعراف 7: 52 ويونس 10: 2 وهود 11: 9 والفرقان 25: 60 والسجدة 32: 4 وق 50: 47 والحديد 57: 4 وقد تنبه المفسرون لهذا التناقض فتأولوه بما تلخيصه أنه عني بقوله في أربعة ايام في تتمة أربعة أيام أي أنه خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي وقدر أقواتها في يومين آخرين فتلك أربعة أيام وأنه قال أربعة أيام ولم يقل في يومين إشعاراً باتصال الأيام وتصريحاً على الفذلكة إلا أن هذا التأول من عبث الولدان ولو صح للزم منه أن يقول بعد ذلك عن السموات فقضاهن سبع سموات في ستة أيام أي في تتمة ستة أيام لا في يومين كما قل فمالي أراه يريد الاشعار باتصال أيام الإبداع والتصريح على الفذلكة في توسط الكلام ولا يريد ذلك في آخرة مع أن الفذلكة موضعها آخر الكلام لا وسطه إلا أ ن يقال هذا من الفصاحة التي بذت فصاحة كل منطق والبلاغة التي فحمت كل خطيب مصقع والثاني منقوض بقوله في سورة النازعات أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها.

وعد في جملة هذا المناقضات مائة وخمساً وعشرين آية متفرقة في ثلاث وستين سورة منه تأمر بالصفح والتولي والإعراض والكف عمن لم يكن مسلماً وقد نقضتها كلها آية السيف وهي قوله في سورة التوبة فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد. وهذا في زعمهم كلام الله يأمرهم في مائة وخمسة وعشرين موضعاً من كتابه بالصفح عمن خالفهم في الدين ثم يبطل ذلك كله اعتباطاً حاشا لله أن يفعل ذلك وإنما هذا يفعله رجل كان في أول أمره مستضعفاً فلما قوي أخذ بالثأر أو كان مظلماً ثم حكم فجار.

ومما يقضي بالعجب أن يناقض القرآن نفسه في القدر الذي هو من الإيمان وركن مهم من أركان الإسلام فقال ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر. أي من كل أمر قدر في تلك السنة كما عليه جمهور المفسرين. وقال أيضاً إنا أنزلناه في لية مباركة وهي عندهم ليلة القدر التي تفصل فيها الأقضية ويفرق اي يقدر كل أمر يقع ذلك العالم من حياة أو موت أو غير ذلك إلى مثلها من قابل وهذا يترتب عليه أن أمور الخلق تقدر عاماً. لكن ذلك منقوض بقوله في سورة الحديد ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في نفوسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها أي إلا مكتوبة في اللوح المحفوظ مثبتة في علم الله من قبل أن تخلق وأنت تعلم أن هذا اللوح قد كتب فيه بزعمهم كل الأمور وقدرت من قبل أن تكون ليلة القدر. وزاد ذلك إيضاحاً فقال وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه أي ألزمناه عمله وما قدر له وعليه منذ ميلاده حتى لزمه لزوم الطوق للعنق ويترتب على هذا أنه قدر على الإنسان دفعة كل ما يعمله في عمره لا ما يعمله في عامه فقط وهذا تناقض بين في أركان الإيمان لا يصح وقوعه في كتاب جميع ما فيه كلام الله.

ولما تنبه المفسرون لما في القرآن من التناقض الظاهر ولم يجدوا له تأولاً يرضيهم على ما بهم من التساهل في قبول التأول الذي يأباه العقل لجأوا إلى حجة النسخ فدعوا الناقض ناسخاً والمنقوض منسوخاً وهي حجة واهية وإن قلنا تساهلاً أنها قد تجوز في الأحكام بالشروط التي ستقف عليها فلا تجوز في الاخبار أبداً لأن الخبر لا يقبل النسخ وإنما هو أمر جرى على وجه واحد معين فإن جعلته على وجهين مختلفين فلا بد من أن يكون أحدهما كاذباً قال السيوطي في الاتقان لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي أي في الأحكام أما الخبر فلا يدخله النسخ إذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيراً من آيات الأخبار. إذا علمت هذا فاعلم أن لجواز نسخ الأحكام شروطاً أهمها أن يبين للناس ما هو الناسخ وما هو المنسوخ وذلك بنص الشارع نفسه وبالتضمين حيث لا يمكن التصريح ومنها أن لا ينسخ إلا إذا دعت إلى ذلك ضرورة من تغير الزمان أو العادات وهذا لا يكون في الغالب إلا بعد مضي مدة متطاولة إذ أن نسخ الخكم بعد قليل من وضعه بحكم ثان يدل على قلة بصيرة الشارع في وضعه الحكم الأول أو قلة حكمته في وضعه الثاني. ومنها أن يكون الناسخ تالياً للمنسوخ لا متقدماً عليه وهذا من البديهيات. لكن القرآن لم يراع شيئاً من هذه الشروط. فأولاً لا يعلم أحد من نصه نفسه أن آية السيف مثلاً قد نسخت كل آيات الصفح والتولي بل هذا ما قاله المفسرون عندما وقفوا على التناقض ولم يجدوا إلى تأويله سبيلاً ولكن لا يمكن أن يعتبر قولهم بمنزلة قول القرآن. ثانياً لم يقع فسحة كافية بين الناسخ والمنسوخ بل رب آية نسخت ولما يمض على تنزيلها سوى ليلة انظر ما ذكره المصنف في الفصل الذي نحن بصدد تذييله. ثالثاً أن الناسخ كثيراً ما يكون متقدماً في النسق على المنسوخ فمن ذلك قوله في الآية الحادية والأربعين بعد المائتين من سورة البقرة والذين يتوفون منكم وذرون أزواجاً وصية إلى الحول فقد أمر ههنا بالعدة أن تكون حولاً أي عاماً تاماً لكن هذه الآية منسوخة بآية متقدمة عليها في النسق وهي الرابعة والثلاثون بعد المائتين من السورة نفسها يقول فيها والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشراً. فمن ذلك قوله في الآية الحادية والخمسين من سورة الأحزاب خطاباً لمحمد لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن. فقد نهي محمد بهذه الآية عن أن ينكح بعدها كل امرأة أعجبه حسنها إلا أنها منسوخة في زعمهم بآية متقدمة عليها وهي التاسعة والاربعون يقال له فيها إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله وامرأة مؤمنة الخ. قالوا أن هذه الآية ناسخة لتلك. وإنما قالوا ذلك لأن نبيهم نكح أزواجاً جدداً من بعد ذلك النهي ولما لم يسعهم الإنكار لجأوا إلى هذه التعلة السخيفة نعم أن التقدم في النسق لا يلزم منه ضرورة التقدم في التاريخ إلا أنه ينافي حسن النظام الذي هو من شروط البلاغة.

وأعجب ما في قضية النسخ أن ينسخ الله حكم آية ويبقى حرفها كقوله في سورة النساء واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا فهذه الآية حرفها باق كما ترى لكن حكمها منسوخ بآية الرجم وقد ذكرها المصنف في موضعها وهي آية قد نسخ حرفها فلا تجد اليوم في القرآن لكن حكمها باق كما عليه جمهور العلماء والفقهاء وهي مستندهم في إقامة حد الرجم على من زنى وكان محصناً اطلب كتاب آية الرجم بغرش صاغ فإن قلنا أن نسخ آية بآية مثلها أو أقوى منها له وجه فلا وجه لنسخ الحرف وإبقاء الحكم لأنه من عبث الولدان وهذا لا يجهله أحد من الناس خلا الراسخين في العلم. وإنما حملهم على الجزم ببقاء الحكيم من آية الرجم وإن كان حرفها منسوخاً قول القرآن ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها إلا أنه نسخ آية الرجم ولم يأت بخير منها ولا بمثلها فلذلك احتاجوا في إقامة حد الزنا على المحصن إلى حكم آية لا تجدها في القرآن بل لو أعدتها اليوم إليه إذ كانت بزعمهم كلام الله لأقاموا عليك القيامة. وما الحكمة يا ليت شعري في نسخ أية والاتيان بخير منها في كتاب هو كلام الله إلا أن يقال أن الله كاتب قصير الباع في فن الكتابة فيحتاج إلى التسويد أولاً ثم يعيد النظر في ما كتبه فيهذبه وينقحه ويحرره ثم يبيض تصنيفه كحال الكتبة من البشر فإن كان الأمر كذلك فالقرآن في قضية آية الرجم باق على المسودة لأن هذه الآية قد نسخت ولكن لم يؤت بخير منها.

ثالثا أن غلطه في الحوادث التاريخية وأسماء مشاهير رجالها وجهله من أمور الطبيعة ما لا ينبغي جهله كل ذلك يدل على أنه ليس من الله في شيء لأن الخطأ مستحيل في موضع العصمة والجهل ممتنع على من أحاظ بكل شيء علماً. فقد زعم مصنف القرآن أن كتابه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه جاء مصدقاً لما بين يديه من الكتب المنزلة أي ما تقدمه من التوراة والإنجيل لكنه خالفهما في مواضع كثيرة فدعا أبا إبراهيم آزر سورة الأنعام 6: 74 وهو في التوراة تارح. ودعا مريم العذراء بنت عمران وأخت هرون وهي في الإنجيل بنت هالي لوقا 3: 23 واين مريم من عمران أبي موسى وهو متقدم عليها بألف وستمائة سنة.

ومن غلطه أيضاً أنه جعل هامان وزيراً لفرعون ولم يكن أحدهما من الآخر في شيء لأن هامان متأخر عن فرعون بزهاء ألف سنة وكان وزيراً لأحسويروش في بابل لا لفرعون في مصر. ومن ذلك قوله خطاباً لموسى قد فتا قومك من بعدك وأضلهم السامري وأراد بذلك أن هذا السامري هو الذي صنع عجل الذهب لبني إسرائيل ودعاهم إلى عبادته لما كان موسى غائباً عنهم وأنت تعلم أنه لا يمكن أن يكون في بني إسرائيل سامري على عهد موسى لأن هذا النعت لم ينعت به أحد إلا بعد موسى بقرون عديدة أي بعد جلاء بابل. ومن ذلك ما جاء في سورة البقرة من قوله فلما فصل طالوت بالجنود قال أن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده آية 250 فقد عزا هنا إلى شاول وقومه ما جاء في التوراة عن جدعون وقومه سفر القضاء 7: 5-7 ومن ذلك أنه تعرض لتاريخ اسكندر فدعاه ذا القرنين وقال عنه أنه بلغ قوماً لا يفقهون قولاً وأنه بنى سداً من زبر الحديد وغير ذلك مما لا حقيقة له أصلاً إذ تاريخ الاسكندر معروف وقد كتبه الثقات قبل القرآن بكثير وليس فيه ذكر لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً ولا للسد سورة الكهف 18: 92 وما يتلوها. ولعل مصنف هذه القصة من القرآن قد سمع بسور بلاد الصين الشهير فنسب بناءه إلى الاسكندر لكنه غلط من وجهين أحدهما أن الاسكندر لم يبلغ تلك البلاد قط حتى يبني فيها السور والآخر أن هذا السور متأخر عن زمان الاسكندر بزهاء مائة سنة ومن ذلك قوله أنه أسري به إلى المسجد الأقصى أي هيكل سليمان وزعم في حديثه أنه زاره وصلى فيه مع الأنبياء ووصفه وصفاً يقضي بأنه عاينه مع أنه كان قد خرب وأمحت آثاره من قبل هذا الإسراء بخمسمائة وخمسين سنة. ومن ذلك قوله ثم يأتي من بعد ذلك يغاث فيه الناس أي يمطرون والإشارة هنا إلى القحط الذي أصاب أهل مصر سبع سنين متوالية أيام يوسف والكلام تبشير لهم بالخصب بعد الجدب ويترتب عليه أن خصب مصر مسبب عن المطر وهذا خلاف الواقع فالمطر قلما يقع في ذلك القطر ولا دخل له قي خصبه بل ذلك مسبب عن فيض النيل وهذا لا يجهله أحد من أهل البلاد النازحة عن مصر فضلاً عن العرب المتاخمين لها.

ويترتب على ما مر من التناقض والغلط والجهل أن القرآن كلام البشر لا كلام الله وأنه من حيث المعنى تصنيف رجال مختلفي المقاصد والمذاهب من عرب ومجوس ونساطرة ويهود لما مات الراهب بحيرا وثب ثلاثة من اليهود وهم عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن منبه وقد اشتهروا بالمكر والدهاء. فتوددوا إلى محمد وتلطفوا به وأظهروا له أنه تابعوه على رأيه وقالوا له بقوله ولم يزالوا على ذلك بالحيل وكتمان ما في أنفسهم يلقنونه أو يدسون إليه ما يوافق غرضهم لعلمه بعجزه عن دفع قولهم في أشياء توهم أنهم أعلم بها منه وهذا سبب ما في القرآن من مذهب اليهود وقصص التلمود زيادة على ما فيه من عقائد النساطرة. أما ما فيه من مذاهب المجوس فقد تلقاه محمد عن سلمان الفارسي الذي ذكر المصنف قصته في الحاشية. وأما سائر ما فيه من جهل ما لا ينبغي جهله فسبب أمية محمد نفسه وأمية صحابته وأن بعضهم كان أمياً لا معرفة له في شيء فلذلك كان فيه الغث والسمين وكثر تلونه حتى لم يبق له لون يعرف.

رابعاً أن وجود اللغو فيه يدحض دعواهم له بأنه كله بيان وهدى وأنه كلام الله وانظر أي بيان أم أي هدى في قوله ألم وقوله كهعيص بل هذه الأحرف وأمثالها في غاية البعد عن الهدى بدليل أنه لم يهتد أحد منهم حتى ولا الراسخون في العلم لإدراك معناها فالخطاب بها إذا كالخطاب بالمهمل وإنما هي مما وضع كتبة محمد من اليهود تنبهاً على انقطاع كلام واستئناف آخر ومعناها أوعز إلي محمد وهكذا أمر كما ذكر المصنف ذلك في محله وفي هذا إشارة إلى أنهم كانوا يتبرأون من الإيمان بما يأمرهم بكتابته ولا معنى فيها لغيرهم. إذا علمت هذا جزمت بأنها وما يشاكلها ليست من كلام الله ولايمكن أن تكون من كلامه لأنه سبحانه لا يخاطب عباده بما لا يقدرون على فهمه.

خامساً قد زعموا أنه معجزة من حيث الفصاحة لفظاً والبلاغة معنى حتى لو اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثله لعجزوا. وهذا مردود من وجهين أحدهما أن الكتاب نفسه قد نفى بالتضمين صفة الإعجاز عن كلامه فذكر في مواضع متعددة كلاماً يؤخذ منه أن قائله ما كان يرى القرآن معجزة. والآخر أن محمداً نفسه جاء بكلام يضاهي في فصاحته كلام القرآن وذلك أنه قرأ ذات يوم سورة النجم التي ادعى أنها نزلت عليه فلما بلغ منها إلى قوله أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى بدره في زعمهم لسانه فقال تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم لترتجى. وهذا الكلام كفر محض وإنما قاله محمد تألفاً لقلوب قريش كما كان دأبه في أول الأمر إذ كانت هذه الطواغيت من معبوداتهم وقد جاء به فصيحاً من جنس فصاحة القرآن غير أن المفسرين يزعمون أنه من كلام الشيطان ألقاه في نفس النبي المعصوم وهذا يؤيد ما قلناه قبلاً من أن محمداً كان يسمع من الخطاب ما لا يسمعه غيره وما لا يخاطبه به غير وهمه إذ ليس الشيطان ههنا سوى مخيلته المتنبهة أو دماغه المحتد. ولكن هب أنه كلام الشيطان نفسه كما زعموا فيترتب عليه أن إبليس الجني لا محمداً الأنسي قد جاء بكلام يضاهي فصاحة القرآن ولم يتنبه لذلك محمد حتى نبهه جبريل كما زعموا بل أن مستمعيه أنفسهم وكانوا عرباً فصحاء مثله لم يجدوا فرقاً في الفصاحة بين الكلام المنسوب إلى الله وكلام محمد أو الشيطان.

وكم وكم في القرآن من كلام لا ينبغي أن يتردد أحد في الجزم بأنه لمحمد نفسه وأنه قاله تواً من عند نفسه. فمن ذلك قوله في سورة الأنعام قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ. وقوله فيها أفغير الله أبتغي حكماً. وقوله في سورة النمل إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة. وقوله في سورة حم عسق الشورى ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب. وقوله في سورة براءة لا تحزن أن الله معنا وغير ذلك من الآيات التي يظهر منها ظهوراً جلياً أنها من كلام محمد نفسه وقد ضاهت فصاحت القرآن.

بل وكم وكم فيه من كلام لكتبة محمد يعده المفسرون من كلام الله الذي يفوق قدرة البشر فصاحة. فقد جاء في الصحيح عن أنس أن نصرانياً كان يكتب الوحي لمحمد وكان يقول لا يريد محمد إلا ما كتبت أنا. وجاء عبد الله بن سعد بن سرح وكان من كتبة الوحي أيضاً أنه قال كنت أصرف محمداً حيث أريد كان يملي عليّ عزيز حكيم فأقول عليم حكيم فيقول نعم كل صواب حتى قال له آخر الأمر اكتب كيف شئت الشفاء للقاضي عياض وكان يوماً يكتب له قوله ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة قي قرار مكين إلى قوله ثم أنشأناه خلقاً آخر فلما بلغ إلى هذا الموضع من الكلام وقف يتفكر في فاصلة تليق بالمقام فقال عبد الله بن سعد تبارك الله أحسن الخالقين تعجباً من تفصيل خلق الإنسان فقال له محمد اكتبها فكذلك نزلت. فشك عبد الله وقال لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إليّ كما أوحي إليه ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال تفسير المؤمنين 14 ولعمري أنه نطق بمثل الجيد من كلام القرآن وجاء بفاصلة جعلت لما تقدمها من الكلام رونقاً وكان لولاها ركيكاً لكن ذلك احفظ محمداً عليه فأهدر دمه يوم فتح مكة ولم يعف عنه إلا لشفاعة عثمان فيه انظر كتاب »هل من تحريف في الكتاب الشريف«.

وجاء فيه أيضاً من كلام أبي بكر قوله في سورة آل عمران وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين. قال ذلك أبو بكر يوم مات محمد وكادت تنشق لذلك عصا أمته لأنه كان في نفوسهم أنه لا يموت ثم لما جمع القرآن ضم إليه هذا الكلام. وكذلك جاء فيه من كلام عمر لفظاً قوله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ومعنى أشياء كثيرة حتى أن محمداً نفسه قال أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وأنه ما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال ألا نزل القرآن على ما قال وكان عمر نفسه يقول وافقت ربي في ثلاث في الحجاب سورة الأحزاب 33: 53 وفي أساري بسورة الأنفال 8: 68 وفي مقام إبراهيم سورة البقرة 2: 119 وانظر تفسير هذه الآيات للبيضاوي وغيره من المفسرين وعليه فإن كان في قوله واتخذوا الخ معجزة فيه له للقرآن.

وقد شط بعض الائمة في دعوى الإعجاز لكتابهم حتى قالوا أن كل جملة منتظمة منه معجزة وإن كانت من كلمة أو كلمتين الشفاي للقاضي عياض وأن كل ما بين دفتيه كلام الله وهذا يترتب عليه أن كل ما ورد فيه من حكاية قول الآخرين هو معجزة لهم ضاهوا بها فصاحة ما يزعم أنه كلام الله فإن قالوا أنه نقل أقوال الآخرين بمعانيها لا بألفاظها فلا معجزة لهم فيها بل المعجزة لمن سبك تلك المعاني في قوالب اللفظ الفصيح قلنا أولاً أن القرآن عندهم معجزة باعتبار المعنى كما هو معجزة باعتبار اللفظ انظر تفسير سورة النحل 16: 105 للبيضاوي وغيره ثانياً أنه ليس ثم دليل على نقله المعنى دون اللفظ إلا إذا كان القائل أعجمياً فيدخل في ذلك كلام كثير من العرب ورد ذكرهم في القرآن ونقل كلامهم فيه حتى المشركين والكفرة والمستهزئين الذين كانوا يناصبون محمداً ويجادلونه في دعوة النبوة أمثال ذلك الترجمة إلى اللغة الانكليزية التي أغلب سورها وآياتها بلا معنى للطالب الانكليزي فنادر من يصير على قراءتها بتلك اللغة.

سادساً إن فيه مضامين لا يمكن أن تكون مما أوحى به الله فمن ذلك قوله وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً. هذا لا يقوله ولايوحي به إله عادل رؤوف بعباده تنزه الله عن أن يأمر بالفسق أو أن يهلك أهل قرية ظلماً ليقتص من مترفيها لأنهم فسقوا فيها بأمره. وكذلك الشارع الحكيم لا يأمر الناس بالكذب بل ينهاهم عنه إلا أنه جاء في القرآن أن الله أمر مريم أم عيسى أن تقول كذباً أنها نذرت للرحمن صوماً فلن تكلم أنسيا وهي لم تكن صائمة بدليل أمره ياها في العبارة نفسها أن تهز إليها بجذع النخلة تساقط عليها رطباً جنياً فتأكل وتشرب وتقر عيناً. وبعد فإن أمره إياها أن تقول أنها صائمة لا تتكلم كلام متناقض لأن الصائم لا يتكلم فإن قالت ما أمرها بقوله فقد تكلمت. وكذلك الشارع الحكيم لا يحلل نكث العهد والحنث بالإيمان فضلاً عن أنه لا يأمر به إلا أن القرآن أمر بنكث العهد في أول سورة براءة وحلل الحنث في سورة التحريم وغيرها ودعاه تحلة الأيمان. ويا ليت شعري أي رئيس أمة حكيم بصير يقول ما قاله القرآن في سورة النور 33 »وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ« سورة النور 24: 33 وتفسيرها لسائر المفسرين وقد تأولوا كافة تأويلاً لهذه الآية فقالوا غفور رحيم للمكرهات وهو من أغرب التفاسير واسخفها فإن المكرهة المضطرة غير آثمة ولا حاجةبها الى الغفران فذكر الغفران والرحمة حيث ينبغي ذكر سرعة الحساب وشدة العقاب إغراء على الذنب الذي رام أن ينهي عنه ولذا استمرت العرب من بعد هذه الآية على ما جرت به عادتهم من إكراه إمائهم على البغاء ولا عجب من ذلك لأن كتابهم أطمعهم في الغفران والرحمة من ربهم وإن لم يقفوا عند نهيه. ومثل هذا الكلام لا يمكن أن يكون كلام الله أو موحى به منه بل هو كلام رجل يتزلف إلى قومه ويتألف قلوبهم ولا يكلفهم ما يشق عليه فلذلك كان يدعو طاغيتهم الغرانيق العلى ويقول أن شفاعتهم لترتجى ويصرح أن من جاء بالحسنة منهم فله عشر أمثالها بل سبعون بل سبعمائة ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها سورة الأنعام 6: 161 ويقول أن شفاعته لأهل الكبائر من أمته وأن من مات منهم لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ولو زنى أو سرق أو شرب الخمر فصاحب هذه الاحاديث وأمثالها هو صاحب ذلك الكلام المنسوب إلى الله.

سابعاً أن القرآن مشحون بأمور محمد نفسه وكثيراً ما نزلت سور منه برمتها في ما لا يهم أحداً غيره ولو كان كلام الله كما زعموا لما صلح أن يتنزل بارئ الأكوان وخالق الخلق إلى أن يوحي بما لا يهم أحداً من خلقه سوى محمد وأزواجه وشواهد هذا كثيرة نكتفي بالقليل منها لإقامة حجتنا. فمن ذلك أن محمداً استصحب في إحدى غزواته زوجته عائشة فأذن ليلة بالرحيل فمشت عائشة لقضاء حاجة ولما عادت إلى الرحل لمست صدرها فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع فرجعت لتلتمسه فظن الذي كان يرحلها أنها دخلت الهودج فرحله على مطيتها وصار ولم ير أنها لم تكن فيه. وهذا يدلنا على أن تلك الليلة كانت حالكة الظلام ويترتب عليه بحكم الضرورة أنه يصعب فيها التماس حبات من الجزع الأسود قد انتثرت في البرية فرجوع عائشة لالتماسها عجيب وأعجب منه أنها لما عادت إلى حيث كان هودجها ومرحلها لم تجد ثم أحداً كأن قد خسف بالعسكر والإبل والخيل وسائر مهمات الحرب مع لم يمض سوى هنيهة بين ذهابها لالتماس العقد وعودتها إلى مكانها ولم أجد في المفسرين من ذكر السبب الذي ثبطها عن أن تسير قليلاً فتدرك قومها وقد كانوا منها عن كثب مع أنهم اخترعوا لتخلفها عن العسكر معاذير مضحكة. ومهما يكن من هذا فإنها لما رأت أنه لم يبق في المحلة أحد فوضت أمرها إلى الله وقعدت في البرية تنتظر إحدى حلال ثالث أما الهلاك جوعاً وعطشاً أو أن يفترسها سبع من سباع البر أو أن يرجع إليها منشد. وكان شاب من معارفها اسمه صفوان قد عرَّس وراء العسكر وذلك بتقدير العزيز الحكيم لا بتواطؤ معها كما اتهمها الذين في قلوبهم مرض مستندين في ذلك إلا أنها كانت وقتئذ فتاة صغيرة السن وكان بعلها شيخاً ابن ست وخمسين سنة وكان له ثمان نسوة غيرها فهذا إن انطبق حكمه على سائر بنات حواء لا يمكن أن ينطبق على أم المؤمنين لأنها زوجة نبي معصوم وليست كأحد من النساء سورة الأحزاب 33: 32 ولا تشبه أحداً منهن اللهم إلا زوجة قيصر في تنزهها عن أن تكون محلاً للتهمة. فلا بد لك إذاً من أن تؤمن من كل قلبك أن صفوان إنما عرّس وراء العسكر من غير علمها وأنه بإلهام رباني أدلج فأصبح عند منزلها فعرفها فأناخ راحلته فركبتها فقادها حتى أتيا الجيش. غير أنه فيما كان يقودها مرّ ببعض الكفرة وفيهم عبد الله بن أبيّ الذي كان محمد يدعوه رأس النفاق فقال من هذه فقيل له عائشة زوج النبي مع صفوان فقال والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها. وإنما قال ما قال لأنه لم يكن مؤمناً يصدق بعصمتها فاتهمها هو والناس أفكاً وبهتاناً وخاضوا في هذا الحديث فكبر الأمر على محمد لكنه لم يشأ أن يطلقها لأنها كانت أحب نسائه إليه ولأنها كانت بنت أبي بكر زعيم صحابته الذي لم يكن لولاه ليفوز بمرامه فلم يجسر على إحفاظه بتطليق بنته بحيث يثبت التهمة عليها والعار على أبيها فلما أعيته الحيل استنزل جبريل من السماء بثماني عشرة آية من سورة النور في براءتها. قال الزمخشري في تفسير هذه الآيات لو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في أفك عائشة ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد والعقاب البليغ والزجر العنيف ما أنزل في أفك عائشة على طرق مختلفة وأساليب مفتنة فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاظة انتهى. فالمشركون عبدة الأوثان هم إذاً عند المفسرين أقل كفراً من قارفي عائشة وكل الذنوب تغفر عندهم لمن يتوب منها إلا ذنب من يخوض في أمر عائشة وأن الله جل وعلا قد تنزل إلى تبرئة هذه المرأة بكلام لم يقع مثله في المبالغة عندما برأ يوسف وموسى ومريم من التهمة انظر تفسير سورة النور للزمخشري وأوعد متهميها بأغلظ ما أوعد به العصاة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فما هذا كلامه وإنما هو كلام رجل قد غضب مما قيل في زوجته أو مما دعا إلى أن يقال فيها ما قيل.

أما ما جرى لمحمد مع مارية القبطية فقد اقتضى نزول خمس آيات من أول سورة التحريم واربع آيات من آخرها وذلك أنه خلا بمارية المذكورة في يوم زوجه حفصة بنت عمرو على فراشها إذ كانت غائبة فلما علمت بذلك مضها وكبر عليها ولا عجب فوبخته أشد التوبيخ فقال لها ليسترضيها اكتمي الأمر عليّ وقد حرمت مارية على نفسي فما كتمته بل أسرته إلى عائشة وكانت صديقتها مع أنها ضرتها. فرأى محمد من هذه ما أثبت عنده أن سره قد ذاع فوبخ حفصة وادعى أن الله هو الذي أنبأه بإفشائها السر ثم طلقها واعتزل باقي نسائه شهراً أقامه ببيت مارية تسلياً عنهن واستنزل الوحي من المساء يحلل له الحنث بما عاهد به من تحريم مارية على نفسه وجعل الله يخاطبه هكذا يا أيها النبي لِمَ تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم. وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به وأظهره الله عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير. ولم يكفه هذا حتى شبه حفصة وعائشة في الخيانة لبعلهما بامرأة نوح وامرأة لوط وضرب لهما مثلاً في الإيمان والإحصان من امرأة فرعون ومريم أم عيسى.

أما سورة الأحزاب فقد نزل أكثرها في أمور محمد وأزواجه وضيفانه ونحن ذاكرون لك شيئاً من الحوادث التي اقتضت نزول بعض آياتها فمن ذلك أن محمداً غزا بني قريظة فتحصنوا فغرهم واستنزلهم على حكم يهودي خائن متمسلم اسمه سعد بن معاذ وكان قد واطأه عليهم وهم لا يعلمون فقبلوا بحكمه فحكم هذا الغدار بقتل مقاتلنهم وسبى ذراريهم ونسائهم ولما سمع محمد بهذا الحكم كبر ليوهم أنه لم يسبق له به علم وقال لسعد لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة وذبح منهم ستمائة رجل واسترق مثل ذلك واستأثر بأموالهم زاعماً أنها جعلت له طعمة دون الناس. فلما علمت نساؤه بذلك سألنه أن يوسع عليهن الكسوة والنفقة فكره ذلك واستنزل جبريل يقول له عن لسان ربه يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً. فلم يقنعهن هذا الوعد الآجل عما سألنه في العاجل وأقبلن ينغصن عليه عيشه فنزل جبريل يقول لهن يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين. فالكلام ههنا في الفاحشة المبينة أي الظاهر قبحها لم تضر إلا صاحبها فإذا أظهرت أضرت بالعامة ويترتب على ذلك أن الخطب في المعصية المستترة أهون.

وكان يكره من نسائه أن يجلن في الشوارع مترنحات يخضعن بالقول أي يجئن به لينا خنثاً لمن يخاطبهن مثل قول المريبات فيطمع فيهن الذي في قلبه مرض وهذا ما لا يرضاه بعل فما رضيه محمد واستنزل جبريل من السماء يقول لهن يا نساء النبي لستن كأحد من النساء أن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً وقِرنَ في بيوتكن ولا تبرحن تبرج الجاهلية الأولى. وروي أنهن قلن له يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن بخير فما فينا خير نذكر به فنزل جبريل من عند الله يتألف قلوبهن ويقول لهن أن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاضعين والخاضعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً. فهذا الكلام يستلفت نظرنا من جهتين إحداهما أن فصاحته قد بلغت غاية يعجز عن مثلها الأنس والجن ولو كان بعضهم لبعضهم ظهيراً. والأخرى أن محمداً بعد أن أبى مراراً أن يأتي بالمعجزات من النوع الذي اقترحته عليه قريش كما زعم المفسرون لم يأب أن يأتي بالوحي من النوع الذي اقترحته عليه نساؤه.

وكان له غلام ذليل اسمه زيد وكان قد آمن به لما ادعى النبوة فأعتقه لذلك وتبناه حتى صار يدعى زيد بن محمد ثم خطب له يوماً امرأة شريفة اسمها زينب فأبت وأبي أخوها أيضاً ولا غرو أن يأبى الأشراف مصاهرة العبيد إلا أن محمداً كان يكره أن ينكح هذه المرأة غريب لا ينزل له عنها عندما يريدها لنفسه فأبرم أن ينكحها زيد واستنزل جبريل من السماء يقول لها ولأخيها عن لسان الله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم. فاضطرت هذه الشريفة أن تتزوج بالغلام ريثما يتهيأ للمولى أن ينكحها فلما تهيأ له ذلك أظهر لها أنها وقعت في نفسه وقال لها يوماً سبحان مقلب القلوب وقيل أن الريح كشفت له يوماً من محاسنها ما ينبغي ستره إلا عن البعل فقال لها ما قال ففهمت مراده وكل لبيب بالإشارة يفهم وذكرت ذلك لزوجها ففهم هو أيضاً مراد النبي فأتاه كأنما من تلقاء نفسه إذ لا يسعه غير ذلك وقال اريد أن أفارق صاحبتي فتجاهل محمد وقال ما لك أرابك منها شيء قال لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكن لشرفها تتعظم عليّ وكان الأحرى أن يقول قدعلمت مزيتك عليّ وما دار بينكما من الكلام ورأيت منها ما أثبت عندي أنها تؤثر أن تكون زوجة نبي ملك رفيع على أن تكون زوجة دعيّ أو غلام وضيع فأريد أن أفارقها حتى تكون لك غنيمة باردة. فقال له محمد أمسك عليك زوجك وكان في ذلك يخفي في نفسه ما الله مبديه ويحاول أن يظهر للناس انه لم يتزوج بامرأة زيد إلا طاعة لأمر الله فنزل الوحي مصدقاً لما ادعاه وخاطبه الله بهذه الكلمات »وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً« سورة الأحزاب 33: 37 فتزوجها ولم يجتنب ورود هذا الماء. فكبر ذلك على الناس وخاضوا في الحديث وأنكروا على محمد تزوجه بامرأة رجل كان قد تبناه حتى صار له بمنزلة الابن وهذا عيب فاضح عند العرب فاضطر أن يستنزل الوحي من السماء ثانية في هذه النازلة فنزل جبريل يقول لهم عن لسان الله ما كان محمد أبا أحد من رجالكم وهكذا تبرأ في زعمه من أبوة زيد وتنصل من العار الملتحق بمن يتزوج بمطلقة ابنه.

وكان عنده في هذا الوقت ثماني نسوة فنزعت نفسه إلى التزوج بتاسعة فعظم ذلك على سائر نسائه وتصدين لكفه عنه بحجة أنه مغاير للدين الذي جاء به فأفحمهن بآية من عند ربه يقال له فيها »يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكِ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ« سورة الأحزاب 33: 50. فنكح هذه المؤمنة ووجد عندها طلاوة الجديد فانقطع إليها وهجر سائر نسائه دهراً أو لعله كان أميل إليها منه إليهن فما كان يساوي بينهن في ما يحق للمرأة على بعلها فتشكين منه فأسكتهن بآية قرآنية يقال له فيها تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ أي تؤخرها وتمطلها حقها وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ولاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُّنَ « سورة الأحزاب 33: 51 فالله هو الذي يخاطب محمداً بهذا الكلام ويحل له بل يعريه أن لا يساوي بين نسائه وأن يمطلهن حقوقهن وأن يراجع من كان قد طلبها منهم لأن هذا جميعه أدنى أن تقر أعينهن وما كنا نعلم قبله أن هذا مما تقر به أعين النساء. ومهما يكن منه فإن محمداً رأى المصلحة في استرضاء أزواجه وتألف قلوبهن على أثر تلك النازلة فوعدهن أنه لن يتزوج عليهن أحداً من الحرائر بعدها واستنزل جبريل بآية يوكد الله فيها هذا الوعد بقوله لا يحل لك النساء من بعد. ولعلمه تعالى بضعف نبيه وشدة استعداده للافتتان بجمال النساء ولا سيما إذا كشفت له الريح ما كان خافياً من محاسنهن وبما فطر عليه من حب التبدل بهن نهاه عن ذلك بقوله ولا أن نبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن. غير أنه ما أراد وهو اللطيف الخبير أن تثقل على حبيبه وطأة هذا النهي بحيث لا يبقى له من النساء سوى تسع حرائر فأباح له التسري أو التمتع بالإماء ما شاء بقوله إلا ما ملكت يمينك.

وكان في المدينة قوم يتحينون طعامه فيدخلون بيوته للطعام والحديث وكان ذلك يؤذيه لأسباب لا تخفى على اللبيب لكنه استحى أن يقول لهم فيه فكلف ربه بلك فنزل جبريل يقول لهم عن لسان الله »يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ« سورة الأحزاب 33: 53.

وكان شديد الغيرة على نسائه شأن الشيوخ المتزوجين بالفتيات فكان يكره أن يسألهن الناس متاعاً إلا من وراء حجاب حتى لا تمس أيديهم أيديهن وكان عمر قد أشار عليه بهذا الحجاب فنزل جبريل من عند الله يقول لهم وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوُهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ« سورة الأحزاب 33: 53. ومن فرط غيرته عليهن صار يكره أن ينكحهن أحد بعده وحكم عليهن ان يقضين عمرهن من بعده في ترمل لا انقطاع له واستنزل جبريل يقول للمؤمنين عن أمر الله »وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً« سورة الأحزاب 33: 53 أن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً.

ومن أمثلة غيرته لقلة تسترهن إذا برزن لحاجة ما نزل به جبريل من السماء يقول له عن لسان الله »يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ« سورة الأحزاب 33: 59.

ولما درات عليه الدائرة في إحدى سراياه شمت به أعداؤه وأذاعوا أخبار السوء عن سراياه وأرجفوا بذلك في المدينة فنزل جبريل من السماء يرشقهم عن لسان الله بسهام اللعن ويقول » لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً« سورة الأحزاب 33: 60-62 أي أن الله سن أن يقتل من يسعى في وهن الأنبياء بالإرجاف أينما ثقف.

هذه أهم الحوادث التي اقتضت أن ينزل هذا المسكين جبريل مراراً كثيرة من السماء بشيء من آيات سورة الأحزاب وقد رأيت أن هذه الحوادث كلها زمنية بل لا تعني أحداً سوى محمد وأزواجه وضيفانه ولم تكن تلك الآيات لتنزل لولاها إلا أنهم يدعون مع ذلك أن السورة بأسرها قد كتبت منذ الأزل بألفاظها وحروفها في اللوح المحفوظ بجانب عرش الله وليست من قول محمد في مصالح نفسه. فهذا لعمري هو المعجز أي أن يكون في عقلائهم من يعتقد من بعدها وبعدما مر بك من غيرها أن القرآن كلام الله نفسه وأنه لذلك يعد معجزة. وقد تقدم من الاحتجاج النظري ما هو كاف لأن يدحض دعواهم هذه فبقي علينا أن ندحض دعواهم الأخرى وهي أن القرآن معجزة باعتبار فصاحة اللفظ وهذا ما نقصد الآن إليه وستكون حجتنا فيه نقلية أي مأخوذة من القواعد التي وضعوها هم أنفسهم لمعرفة الكلام الفصيح.

واعلم أننا لسنا ننكر أن القرآن فصيح في بعض المواضع وإنما ننكر دعواه أنه من حيث الفصاحة معجزة تفوق قدرة العباد كما أنكر ذلك قبلنا بعض فرقهم. أما فصاحته في بعض المواضع على طريقة فصاحة العرب فمسلم بها ولا غرو أن يكون فيه شيء منها لأن مصنفه من قريش أفصح قبائل العرب ونشأ فضلاً عن ذلك في بني سعد وكانوا في الفصاحة كقريش فاجتمع له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها وهذا ما حداه إلى أن يقول متبجحاً أنا أفصح العرب وأعطيت جوامع الكلم ثم أنه أقام في تصنيف كتابه ثلاثاً وعشرين سنة يختار في أثنائها من كلام قبليته واظآره أبلغ أساليبهم ويتلقف أفصح ألفاظهم ويعبر بها عما يقع في خلده كلما تهيأ له ذلك فجاء كتابه فصيحاً في كثير من المواضع لكن لا يلزم من هذا أنه معجزة كما أن أشعار زهير وخطب قس بن ساعدة وألفاظ سحبان لا تعد معجزة مع أنها من البلاغة والفصاحة والنصاعة بحيث لو قيس لها القرآن لفاتته بمراحل. ولو كان القرآن كلام الله نفسه وكان الله يروم أن يتحدى العرب فصاحته لكان ينبغي أن يكون أفصح مما نراه وأحسن نظاماً بكثير ولوجب أن يتنزه عما نراه فيه من اللحن والخطإ والركاكة وغير ذلك من معايب الكلام التي ما قدر الله حق قدره من نسبها إليه.

ثم أن الذين يدعون له الإعجاز في الفصاحة لما وقفا على ما فيه من مخالفة قواعدها مما لو تمكن منه منكرو الإعجاز لكان لهم حجة دامغة حرصوا اشد الحرص على طيه من غير أهل ملتهم مع أنه بزعمهم معجزة نبيهم التي تصدق نبوته ورسالته والمعجزة التي هذه صفتها يجب أن تعلن للناس كافة ليؤمنوا بصاحبها ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة سورة الأنفال 8: 44 وذلك أن واضع الشريعة إذا لم يبين للناس شريعته حتى يقفوا عند أوامرها ونواهيها كان متعنتاً مكلفاً ما لا يستطاع بل عد ذلك منه من أظلم الظلم فإن كان واضع الشريعة كذلك فما ظنك بواضع الدين الذي يترتب على الجهل به هلاك النفس أفتراهم يرومون من الناس أن يؤمنوا بمعجزة صاحبهن والكتاب الذي يتضمنها مطوي عنهم ألا يعلمون أن ذلك يدعو إلى الارتياب فيما يدعون له من صفة الإعجاز لأن السلعة إذا بيعت بشرط أن لا يكشف مشتريها حقيقة حالها كانت محلاً للشك إلا أنهم لم يفطنوا لهذه النكتة وما ذلك إلا لشدة حرصهم على طي كتابهم عمن يخالفهم إذ أنهم علموا يقيناً أنه لا شيء من الإعجاز فيه وأنه مشحون بما لو اطلع عليه من لم يعمه الغرض لازداد إنكاراً لأعجازه المزعوم ولم يكفهم ذلك حتى طووا عنهم أيضاً كل كتاب غيره إذا كان يشتمل على شيء من آياته وذلك من كتب علوم اللغة مثل سيبويه.

ثم أن الفصاحة في العربية قواعد وأصولاً وضعوها هم أنفسهم وعدوا في جملتها سلامة الكلام من ضعف التأليف ومن الغرابة والتنافر ومخالفة القياس وسترى أن في القرآن من ذلك ما يخالف قواعدهم ونحن لا نذكر لك منه إلا ما كانت المخالفة فيه بينة لا تحتمل التأول على علم منا أن المفسرين قد تمحلوا لكل من غلطاته تأولاً وعزب عنهم أن مجرد احتياجه إلى ذلك هو حجة عليه ولو سلمنا لهم بما حاولوه من الحذف والتقدير لستر غلطه تارة وكشف معناه أخرى لم يبق ثم من داع لوضع ما وضعوه من القواعد ولأصبح كل لحن وتأوله بل عده من أنواع البديع ممكن على طريقتهم كما فعلوا في تأول غلطته إذ قال قاب قوسين والوجه قابي قوس لأن القوس لها قابان فعدوا هذه الغلطة من أنواع البديع وهو القلب الذي يتعب القلب.

وإذ تقرر هذا فلنشرع في تعقب خطئه قال في سورة البقرة آية 177 » لَيْسَ َالْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الْرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الّزَكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ«. وكان الوجه أن يقول والصابرون لأنه عطف على قوله والموفون لكن المفسرين قالوا أنه نصب الصابرين على المدح ولا أدري لماذا استحق الصابرون هذا المدح ولم يستحقه الموفون بعهدهم مع أنهم مقدمون في النسق على أولئك ومع أن السورة نفسها متقدمة النزول على سورة براءة التي سن فيها نبذ العهد وعلى سورة التحريم التي أحل فيها الحنث بالإيمان. ثم أن في هذه الآية خطاء آخر في التركيب لأنه قال ليس البر ان تولوا وجوهكم الخ ولكن البر من آمن بالله الخ وكان الوجه أن يقول ولكن البر أن تؤمنوا وتؤتوا وتقيموا الخ لأن البر هو الإيمان لا المؤمن ولذلك لجأ المفسرون إلى التقدير فقالوا ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله الخ فلعل الكاتب أسقط ست كلمات وأذهب بذلك ما في القرآن من وضوح الدلالة فقدرها المفسرون وإلا فالتركيب فاسد.

وقال في سورة النساء آية 162 » لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الّزَكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ«. وكان الوجه أن يقول والمقيمون الصلاة كما قال بعده والمؤتون الزكاة هذا ما تقتضيعه القاعدة إلا أن المفسرين زعموا أنه نصب المقيمين الصلاة على المدح أيضاً فلم أستحق هؤلاء المدح ولم يستحقه المؤمنون بالله واليوم الآخر مع أنهم أحق به وأولى إذ كل مؤمن بالله واليوم الآخر مقيم للصلاة ولكن ليس كل مقيم للصلاة مؤمناً بالله واليوم الآخر إذ يحتمل أن تكون صلاته رياء أو خوفاً أو طمعاً أو لعلة أخرى وهي أيضاً من الطاعات الظاهرة ولذا يحرص المراؤون أشد الحرص على قضاء هذا الفرض أما الإيمان بالله واليوم الآخر فأمر باطن لا يقدر الناس أن يعلموه أو يطلعوا عليه وقصارى ما يقدرون عليه هو أنهم إذا رأوا واحداً منهم يغدر ويخون وينهب ويقتل الأسرى حتى يثخن في الأرض ساغ لهم أن يرتابوا في صحة إيمانه بالله واليوم الآخر.

وقال في سورة المائدة آية 69 »إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ« وكان الوجه أن يقول والصابئين كما قاله في سورة البقرة آية 59 وسورة الحج آية 17.

وقال في سورة الأعراف آية 160 »وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً« فأنث العدد وجمع المعدود والوجه التذكير في الأول والإفراد في الثاني كما هو ظاهر.

وقال في سورة المنافقين آية 10 »وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ« بجزم أكن والوجه وأكون بالنصب.

وقال في سورة آل عمران آية 59 » إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ« والوجه فكان لكن هذا يخل بالروي فآثر الإخلال بالمعنى ليستقيم له الروي وإلا فقد ساقه إليه ما ألفه لسانه حتى كرره في سنة مواضع من كتابه وذلك قوله كن فيكون ومن أمثلة تكرار الجمل بعينها من غير ضرورة ولا زيادة نكتة قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان كرره إحدى وثلاثين مرة في سورة الرحمن وحدها مع أنها من أقصر السور. وقوله أن الذين آمنوا والذين هادوا الخ. كرره ثلاث مرات وقوله أن اتبع إلا ما يوحى إلي كرره أربع مرات بألفاظه ومراراً متعددة بمعناه. وقوله ما أسألكم عليه من أجر كرره خمس مرات في سورة واحدة وهي سورة الشعراء وكرر فيها قوله وإن ربك لهو العزيز الرحيم مراراً متعددة بل لو حذفت من هذه السورة ما تكرر فيها من الجمل لذهب نصفها. وقوله يا أيها النبي جاهد الكفار واغلظ عليهم كرره مرتين. وقوله ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون كرره في سورة واحدة بلا ضرورة. وهذا فضلاً عن تكريره مراراً كثيرة ذكر الجنات تجري من تحتها الأنهار وغير ذلك مما لا يكن يحصى حتى سمج كلامه وسئم لكن المعنى في تلك المواضع يقتضي الجزء الثاني من الجملة بصيغة المضارع وفي هذا الموضع يقتضيه بصيغة الماضي.

ومما أخطأ فيه مراعاة للروي قوله سلام على الياسين والوجه إلياس. وقوله وطور سينين والوجه سيناء. وما كان من المحتمل لولا الروي أن يقول عن حملة العرش أنهم ثمانية لا أكثر ولا أ قل وما كان لولاه وجه لقوله مراراً جنتان وزوجان.

ومن خطئه في الضمائر قوله في سورة الحج آية 19 »هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ « والوجه اختصما في ربهما وقوله في سورة الأنبياء آية 3 »وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا« والوجه وأسر النجوى. وقوله في سورة الحجرات آية 9 »وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا« والوجه اقتتلتا أو بينهم.

ومن إتيانه بجمع الكثرة حيث يتعين جمع القلة وبالعكس قوله في سورة البقرة آية 228 »وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ« والوجه أقرؤٍ أو اقراءٍ. وقوله فيها آية 80 »وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً«والوجه معدودات لأنه أرادوا قلة الايام. وقوله فيها آية 183 و184 »كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ« والوجه معدودة لأنه أراد أيام الصيام وهي ثلاثون يوماً.

أما الكلام المبتور فهو في القرآن كثير جداً لكننا نقتصر من أمثلته على القليل. قال في سورة الحج آية 25 »إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ«. فهذه الآية تعاب من وجهين أحدهما أنه عطف فيها المضارع على الماضي فقال أن الذين كفروا ويصدون وكان الأقعد في هذا الموطن أن يقول وصدوا والثاني أنه لم يأت بخبر أن فلم يتم الكلام بل بقي سامعه منتظراً شيئاً. ثم أردف هذه الآية بقوله ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب اليم. فهذا أيضاً كلام ناقص لأنه جاء فيه بفعل متعد وهو يرد ولم يأت بمفعوله ثم قال نذقه من عذاب اليم وكان المقام يقضي أن يقول العذاب الأليم أو عذاباً أليماً بحذف من البعضية. اللهم إلا أن يكون أراد التبعيض فيصح حينئذ من الكلام مبناه لكن يفسد مغزاه إذ تذهب النكتة المرادة به وهي الوعيد الشديد لمن يريد فيه بإلحاد بظلم فيطمع في أنه لا يصيبه إلا بعض العذاب الذي يستحقه وقال في سورة القصص آية 46 »وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ «. فهذا الكلام ناقص لا يفيد معنىً ولذا قال المفسرون أن بين قوله ولكن وقوله رحمة فعلاً محذوفاً تقديره علمناك فما الذي اضطره إلى حذف هذا الفعل وليس في ما بقي من الكلام دليل عليه إلا أن يقال هذا من البيان الذي يعجز عنه البشر ويزيد معجزة القرآن وضوحاً. وقال في سورة البقرة مثلهم كمثل الذي استوفد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنوره. قال المفسرون أن الذي بمعنى الذين استشهدوا لذلك لا بشاهد من كلام العرب بل بكلام القرآن نفسه إذ قال وخضتم كالذين خاضوا اي كالذين خاضوا وهذا احتجاج ضعيف فضلاً عن أنه لو أراد بالذي في هذا الموضع معنى الذين لقال الذي استوقدوا كما قال الذي خاضوا ولكنه قال استوقد بالأفراد فبقي الكلام بعد ذلك ناقصاً لا يفيد وذلك لسقوط جواب لما إلا أن المفسرين الذين لا يعجزهم شيء من التأول قالوا أن الجواب محذوف للإيجاز وأمن اللبس فأي إيجاز أشد إخلالاً بالبلاغة من هذا الإيجاز أم كيف يؤمن اللبس والسامع لا يدري ما هو المحذوف لعدم الدلالة عليه في ما بقي من الكلام وقد قرر ائمة البيان منهم أن ما لا يفهم إلا بذكره لا يجوز حذفه ولا سيما إذا كان هذا المحذوف مما يوقع في الكلام لبساً ويزيله عن معناه ويحيله إلى غير المراد منه فإن جاز تأول المفسرين لم يبق رطانة ولا سفسفة إلا ويمكن عدها فصاحة.

وقال في سورة يوسف فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لننبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون. قال المفسرون أن جواب لما في هذه الفقرة محذوف وتقديره فعلوا به ما فعلوا وعندي أن الواو العاطفة في قوله وأوحينا زائدة فإن حذفت استقام المعنى.

أما الكلام الزائد زيادة تخل بالبلاغة أو تحيل المعنى إلى غير مراد قائله فهو كثير جداً في القرآن لكننا نقتصر على القليل من أمثلته فمن ذلك قوله في سورة القيامة لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة قال المفسرون أن حرف النفي في الجملتين زائد فهو إذاً لغو في كتاب حقه أن يكون منزهاً عن اللغو ولكن يلزم من زيادته ههنا أنه أقسم ولم يأت بجواب القسم فصارت الآية تعاب بالزيادة في أولها وبالنقص في آخرها. ومن ذلك قوله في سورة الحديد يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكن نوراً تمشون به لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء فلا في قوله لئلا والأصل لأن لا زائدة لأن المفسرين يزعمون أنه أراد أن يقول ليعلم أهل الكتاب الخ إلا أن هذه الزيادة عكست معنى الكلام وأحالته إلى ضد مراد قائله. ثم أن في هذه الآية نكتة يعجز عن إدراك معناها من لم يكن من الراسخين في العلم وهي أمره الذين آمنوا أن يتقوا الله ويؤمنوا برسوله فإنهم إن كانوا حقيقة قد آمنوا كما دعاهم فقد اتقوا الله وآمنوا برسوله وإلا فما هم بمؤمنين.

أما الالتفات من الخطاب إلى الغيبة والعكس وعدم تعيين ما تعود عليه الضمائر إذا تعددت في الجملة الواحدة فكثير لكننا نقتصر من أمثلته على اثنين أحدهما قوله في سورة يونس هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتهم ريح عاصف فهذا التركيب فاسد لالتفاته من الخطاب إلى الغيبة قبل تمام المعنى وكان الوجه أن يستمر على الخطاب والآخر قوله في سورة الفتح إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا فالمعنى ههنا قلق مضطرب لالتفاته من خطاب محمد إلى خطاب غيره قبل تمام الجملة الابتدائية ولأن الضمير المنصوب في قوله تزروه وتوقوره عائد على الرسول المذكور آخراً وفي قوله تسبحوه عائد على لفظ الجلالة المذكور أولاً. هذا ما يقتضيه المعنى ولكن ليس في اللفظ ما يعينه تعييناً يزيل اللبس فلذلك اختلف فيه المفسرون فجعله بعضهم في الأفعال الثلاثية عائداً على لفظ الجلالة واختار غيرهم عوده في الأولين على الرسول وفي الأخير على لفظ الجلالة كما قلناه وهو الأقرب في المعنى وإن كان الأول هو الأصح في التركيب.

وكثيراً ما يستعمل القرآن الألفاظ العربية في غير ما وضعت له أو يأتي بالمشترك منها حيث يجب التخصيص. فمن ذلك قوله مراراً عن دين إبراهيم أنه حنيف ويعني بذلك أنه قويم لكن العرب تعني بالحنف الاعوجاج ولذلك تسمى عابد الوثن حنيفاً لميله عن الدين القويم جاء في الكامل والنقائض ما تلخيصه أن عتيبة اسر بسطاما النصراني يوم غبيط المدرة فنادى القوم أخاه بجادا أن كر على أخيك وهم يرجون أن يكر فيأسروه هو أيضاً فناداه بسطام وقد أحس بمكيدتهم أن كررت يا بجاد فأنا حنيف فلحق بجاد بقومه. وإنما أراد بسطام أن يثبط أخاه عن الكرة فلا يؤثر فقال له أن كررت فأنا حنيف أي مائل عن ديني القويم وهو النصرانية إلى عبادة الوثن فالحنف الميل عن الاستقامة لا الميل عن كل شيء كما زعموا ولم تعرف للحنف معنى الاستقامة وإنما هو مما موه به اليهود على مصنف القرآن ليعرقلوه وكان من دأبهم مغالطته بالألفاظ كما فعلوا في لفظة راعنا البقرة 2: 98 فإنهم كانوا يخاطبونه بها وينوون نسبته إلى الرعن أو سبه فتنبه لها ونهى عن استعمالها لكنه لم ينتبه للحنيف فدسوا إليه أن ادع إلى دين إبرهيم حنيفاً وراموا بذلك أن يفتضح عند مستمعيه منهم لأن الحنيف بلغتهم هو الملتوي الضال المنحرف عن السراط المستقيم وقد يعنون به أيضاً الخب والخداع لهذه العلة فأخذ مصنف القرآن هذا اللفظ عنهم وانخدع لهم. ومن ذلك قوله في سورة الإنسان هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً فالمتبادر إلى الذهن من هذا أنه سؤال منكر إلا أن القرآن لم يقصد به سوى الإثبات وإلا فالفقرة كفر محض لأنها تؤدي إلى إنكار بدء الخلق فلذلك لجأ المفسرون إلى التأول فقالوا هل معناها قد إلا أننا لا نجد لها هذا المعنى في شيء من كلام العرب حتى لو سلمنا أن لها هذا المعنى كان يجب على صاحب حد الإعجاز أن يجتبنها في موطن يحتمل اللبس وأن يؤثر قد الصريحة حتى يكون معنى كلامه في ظاهر لفظه ومن ذلك قوله في سورة البقرة ت لك حدود الله فلا تعتدوها والوجه فلا تتعدوها كما قال بعد ذلك ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فقوله تعتدها غلط مزدوج أولاً لأن المقام يأبى الفعل الذي استعمله وثانياً لأنه عدّاه بنفسه وهو لا يتعدى إلا بالحرف. ومنه قوله في سورة يوسف فالله تفتوء تذكر يوسف والوجه لا تفتوء لأن فتئ وما جرى مجراها لا تستعمل إلا منفية، ومنه قوله في سورة القصص أن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة والوجه لتنوء بها العصبة أي تنهض بها على تثاقل لشدة ثقلها وذلك أن مصنف القرآن أراد أن يصف قارون بكثرة المال والكنوز متابعة لليهود على ما جاء في تلمودهم فكنى عن ذلك بالمفاتح الثقيلة لكثرتها حتى لتنوء بها العصبة أولو القوة أي تنهض بها الجماعة الكثيرة على تثاقل فالعصبة هي التي تنوء بالمفاتح لا المفاتح بالعصبة. أما قارون هذا فالمظنون أن المراد به قورح الذي جاء اسمه في سفر الخروج 2 6: 21 وأما كثرة ماله فهي خرافة تلمودية. ومنه قوله في سورة الكهف أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً فهذا الكلام يعاب من وجهين أحدهما أنه استعمل لفظة وراء بمعنى قدام والثاني أن تركيبه فاسد لتأخر العلة فيه عن المعلول وكان الوجه أن يقول أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر وكان قدامه ملك يأخذ كل سفينة عصباً فأدرت أن أعيبها أو ان شاء التقديم والتأخير فيقول فأدرت أن أعيبها لأنه كان قدامهم ملك الخ إلا أنه قال وراءهم مكان قدامهم ثم قدم ما كان حقه التأخير وزعم البيضاوي أنه إنما فعل ذلك للعناية ففسر كلام القرآن بكلام زاده إشكالاً ومهما يكن من هذا فقد استعمل القرآن لفظة مشتركة في موطن ينبغي فيه التخصيص هذا إن سلمنا لهم أن لفظة وراء لها معنى قدام ايضاً كل ما رأيته من تأول المفسرين هو تحكم محض ومخالف لما وضعه العلماء من شروط البيان لأنهم قرروا أن أحسن الكلام ما كان معناه في ظاهر لفظه وأن أول البلاغة أن يكون الكاتب أو المتكلم للفظة متعوداً إسقاط مشتركات الألفاظ حتى يحيك كلامه بمعناه ويخرجه عن الشركة ويزيل عنه اللبس فيأتي الكلام سالماً من التكلف بريئاً من التعقد غنياً عن التأويل غير مفتقر إلى الاستعانة عليه بالفكرة. وقال قدامة ما تلخيصه إذا علمنا أن أحداً أراد لفظة تقيم معنى كلامه بجعل مكانها لفظة نحيله وتفسده لم يلزمنا أن نحسب له ما توهم أنه أراده ونترك ما قد صرح به ولو كانت الأمور كلها تجري على هذا لم يكن خطأ. فإن كانت لفظة هل لها معنى قد ولفظة وراء لها معنى قدام فهما من مشتركات الألفاظ التي يجب العدول عنها إلى الألفاظ الخاصة ولا سيما في المواطن التي تحتمل اللبس.

وقال أهل العلم أن تكرار اللفظ بعينه في الجملة الواحدة بلا ضرورة مما خيل بالفصاحة والقرآن مشحون بذلك فلفظة اذ كررها خمس مرات في آية واحدة من سورة المائدة فقال وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفح فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمة والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات وزاد هذا التكرار سماجة لفظة إذني التي جاء بها أربع مرات في الآية نفسها وأولها مثل إذ فكأنه كرر هذه اللفظة تسع مرات في جملة واحدة لشدة ولوعه بهذه اللفظة جاء بها 234 مرة في كتابه و20 مرة في سورة البقرة وحدها أما لفظة حين الظرفية ومعناها قريب من إذ فلم يجئ بها في القرآن كله سوى 17 مرة لا غير ومن هذا القبيل قوله في سورة براءة آية 40 »إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا« وقال في سورة المائدة أيضاً ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا فكرر قوله وعملوا الصالحات مرتين واتقوا ثلاث مرات بلا ضرورة وقال في سورة النور يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ولا ضرورة لتكرار لفظ هم. وقال في سورة الكهف فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها والوجه استطعماهم. وقال في سورة البقرة يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم والوجه فلما أنبأهم بها.

وعدواتنا عفر الحروف مما يخل بالفصاحة وعابوا امرء القيس بقوله مستشزرات وأبا تمام بقوله:

كريم متى امدحه امدحه والورى

معي وإذا ما لمته لمته وحدي

وقد جاء من هذا شيء كثير في القرآن كقوله فسبحه وسبحه ولم يسمعها ومن يكرههن وإذا سمعتموه وإذا زاغت الأبصار وإذ صرفنا.

وقالوا أيضاً أن صاحب الفصاحة بأي لسان كان هو الذي لا يحتاج إلى استعارة ألفاظ من لغة غيره إذا وجد في لغته ما يرادفها فإن كان الأمر كذلك في حق المخلوقين فما ظنك بالإله القادر على خلق الألفاظ باللغة التي كان مزمعاً أن يخاطب بها الناس ويجبرهم بالإعجاز في فصاحتها على الإيمان برسوله. إلا أن مصنف القرآن قد احتاج إلى لسان غيره في كتاب زعم أنه أنزل عربياً وخاطب به أعراباً فصحاء فأتاهم فيه بالاستبرق والسندس والأباريق والنمارق واشباه ذلك من ألفاظ الفرس وبالحواريين والمائدة والمشكاة من ألفاظ الحبش وبالقسطاس والفردوس من ألفاظ اليونان وبالسكينة والملة وعليين والثاني من ألفاظ اليهود فهل ضاقت عليه العربية فلم يجد فيها ما يغنيه عن غيرها مع أنها في زعم أمته أوسع اللغات وأفصحهن ومع أن كتابه منزل بها وليته فهم معنى ما استعاره فإنه أخطأ في هذا أيضاً إذ السكينة التي جاء بها في قوله أن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم أصلها بالعبرانية شخصية وتفسيرها المجد أي مجد الرب هذا هو معناها الذي أرادته التوراة لما ذكرت تابوت العهد فتلقف مصنف القرآن هذه اللفظة من اليهود وضمها إلى كتابه من غير أن يفهم حقيقة معناها وأوردها فيه على الطريقة المبهمة التي ألفها فأتعب المفسرين في تأويلها حتى تأولوها بما يضحك منه. أما الملة فمعناها بالعبرانية كلمة لا دين كما أراد وعليون اسم الله بتلك اللغة لا كتاب مرقوم كما وهم.

أما المعاياة وفساد المعنى فذلك في القرآن أكثر من أن يحصى لكننا نقتصر على ما جاء من أمثلته في سورة البقرة وحدها قال في الآية الرابعة والعشرين منها أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل إلا الفاسقين فهذا الكلام الكلام يوهم أنه ضرب لهم مثلاً من البعوضة لكننا لا نجد شيئاً من ذلك لا في هذه السورة ولا في غيرها من القرآن فكأنه سقط مع ما سقط منه وأصبح ما بقي من الكلام بعده معاياة لا معنى له. ثم أنه كان الوجه أن يقول بعوضة فما دونها لأنه أراد أن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً من شيء حقير طال بعوضة وما هو أحقر منها وإلا فالفيل لا يعد حقيراً في أنواع الحيوان وكذلك الأسد وهما فوق البعوضة في الضخامة لكن لو ضرب المثل من أحدهما لما صح مغزى الكلام ولبطلت النكتة المرادة منه لأن القياس يقتضي التنازل في هذا المقام من الأعلى إلى الأدنى فيقال بعوضة فما دونها وبالعكس. وقال في الآية الثامنة والعشرين وما يليها وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون. وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال الم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. فهذا الكلام لا يقوله إله عليم حكيم بل ربما يقوله عربي أمي لا عراب أميين ومعناه فاسد من وجوه. فأولاً أنه عنى بالحليفة آدم لكنه لم يقل لمن أراد أن يجعله خليفة وأنت تعلم أنه لم يكن على الأرض مخلوق قبله حتى يخلفه فيها ويلزم من هذا أن الله أراد أن يستخلفه فيها عن نفسه. غير أنه تعالى لما عزم على خلقه نوى أن يجعله في الجنة يأكل منها رغداً ولو لم يعصه لم يهبطه إلى الأرض ليكون فيها خليفة فقوله أنه جاعله في الأرض خليفة وهو ينوي أن يجعله في الجنة فيه نظر ولا يرد على هذا انه تعالى كان بسابق علمه أن آدم سيعصيه وأنه سيهبطه إلى الأرض لأننا نقول أن عاصي ربه لا يصلح للخلافة وما كان الله ليسن للبشر مثل هذه السنة وكذلك لا يرد عليه أن جنة آدم كانت على الأرض لأن المفسرين يزعمون أنها كانت في السماء مستدلين على ذلك بقوله اهبطوا مرتين ومدعين أنه أراد بالأولى هبوطه من جنته إلى السماء الدنيا وبالثانية هبوطه إلى الأرض فلا شك إذاً في أنهم يعتقدون أن جنة آدم كانت في السماء لا على الأرض كما يترتب على كلام التوراة. ثانياً أنه حكى من جواب الملائكة ما يثبت عليهم أ نهم اعترضوا على حكمة ربهم في خلق آدم واستخلافه واحتجوا عليه بأن هذا الخليفة سيفسد في الأرض ويسفك الدماء فإن كانت حجتهم هذه صادقة فلا وجه لردها عليهم بقوله إني أعلم ما لا تعلمون وإن كانت كاذبة فقد أثبت عليهم أنهم مفترون ثلابون وهذا مناف لما خصهم به من العصمة. ثالثاً قوله وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة هو كلام فاسد المعنى لأن المتبادر منه إلى الذهن أنه عرض عليهم الأسماء وهي لا تعرض لكن ينفي هذا المعنى قوله بعد ذلك أنبئوني بأسماء هؤلاء وحينئذ يتعين ما قاله المفسرون من أنه عرض المسميات وقال أنبئوني بأسمائهم إلا أن في هذا من الأعنات ما لا يخفى وما لا يحتمل ووقعه من إله حكيم عادل لأنه لما يعلمهم هذه الأسماء كما علمها آدم لم يصغ له أن يسألهم عنها وهم يجهلونها ولذا قالوا له سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا. رابعاً أنه زعم أن الأمر آدم أن ينبئهم بالأسماء فلما أنبأهم بها فاخرهم ربهم ففخرهم وذلك لأن حجتهم قد بطلت وحجته قد ثبتت ولذا قال أنه يعلم الغيب وهذا أيضاً فيه من المغالطة ما لا يمكن صدوره من إله عليم حكيم فإنهم ما جهلوا تلك الأسماء إلا لأنه طوى عنهم علمها وما عرفها آدم إلا لأنه علمه إياها فأي وجه لمفاخرته إياهم أم ما وجه تقصيرهم في جهل أسماء قد طويت عنهم وأي فضل لآدم معرفتها بعد أن تعلمها ومهما يكن من هذا فالحاصل من هذا الكلام على قدر ما يمكن تحصيله إن الله حاول بقضية الأسماء أن يحج الملائكة ويدحض دعواهم على آدم أنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء إلا أن ما حجهم به من ذلك ليس بحجة لأنه معرفة آدم تلك الأسماء لا تبطل ما قرفوه به من الفساد وسفك الدماء ثم قوله غني أعلم ما لا تعلمون إن كان قصده به أن يبرئ ساحة خليفته مما رموه به فقد أثبت عليهم جريمة الثلب والبهتان مع أنه يأمرنا أن نعتقد بعصمته وإن كان أراد به أنه لا جناح على من يفسد في الأرض ويسفك الدماء فلم ينهي عنه ويعاقب من يفعله إلا أن يقال أنه قد خفي عليه أن آدم وذريته سيكون أشراراً مفسدين ولم يخف ذلك على الملائكة. خامساً أنه جاء بضمير جمع الذكور الموضوع للعقلاء حيث يتعين ضمير المؤنث وذلك في قوله عرضهم يريد الأسماء أو مسمياتها فخالف في ذلك ما نطقت به فصحاء العرب لأنه لم يكن وقتئذ مذكر عاقل غير آدم واسمه معروف وغير داخل في جملة الأسماء المعروضة ليصح تغليبه عليها وقد خالف القياس أيضاً في تعدية قدس بالحرف وهو فعل يتعدى بنفسه اللهم إلا أن يكون المراد أن الملائكة يقدسون له شيئاً ما فيكون الخطأ حينئذ في حذف المفعول الذي لا بد من ذكره في هذا الموطن. وقال في الآية الحادية والخمسين وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم أنه هو التواب الرحيم. فقد أمرهم ههنا بالانتحار وزعم أنه خير لهم عند بارئهم وحاشا لله أن يأمر بذلك وهيهات أن يكون قتل أنفسهم خيراً لهم عنده. فإن قالوا أن الإشارة في قوله ذلكم إلى التوبة لا إلى قتل النفس قلنا فما الذي منعه أن يأتي بالكلام على وجه لا يحتمل اللبس وهو ملك زمام البلاغة وقياد البيان. ثم أن قوله فتاب عليكم ظاهره أنه جواب لجملة قد سقطت في ما سقط ولو قال فيتوب مكان فتاب لكان الكلام أصح: وقال في الآية الثالثة والستين وما يتلوها وإذ قال موسى لقومه أن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزؤاً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال أنه يقول أنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون وقالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين. قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول أنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون. وإذ قتلتم نفساً فادّرءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون. فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويؤتيكم آياته لعلكم تعقلون. هذا كلام غاية في المعاياة ولا يقدر أحد أن يفهم معناه سوى الراسخين في العلم من المفسرين حتى أن هؤلاء أنفسهم قد اضطروا لحل معناه أن يلجأوا إلى حيلة التقديم والتأخير والتقدير وإلى تلفيق حكاية واهية زعموا فيها أنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر وأن بني أخيه قتلوا ابنه طمعاً في ميراثه وخفي أمرهم عن الناس فأمر الله بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة كما وصفها لهم ويضربوا القتيل ببعضها أي بعضو من أعضائها فإنه يحيا ويدلهم على قاتله. أما التقديم والتأخير فإنهم جعلوا ابتداء الكلام من وسطه أي من عند قوله وإذ قتلتم نفساً إلى قوله تكتمون وأردفوه بقوله وإذ قال موسى لقومه إلى قوله يفعلون وألصقوا به قوله فقلنا اضربوه ببعضها. أما التقدير فهو قولهم فحيي وأخبرهن بالقاتل فدروا هذه الجملة بعد قوله اضربوه ببعضها ثم عادوا إلى كلام القرآن فقرأوا كذلك يحيي الله الموتى الخ. ولكن لولا هذه الحكاية والتقديم والتأخير والتقدير لم يفهم أحد معنى هذا الكلام مع أنه وارد في كتاب كله بيان وهدى وعلى ذلك فلعل المراد بإعجاز القرآن عجز الناس عن إدراك معناه لا عجزهم عن مضاهاته. نعم أن القاضي عياض قال في الشفاء أن القرآن آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض والتئام سرده وتناصف وجوهه في سرد القصص الطوال وأخبار القرون السوالف التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام ويذهب ماء البيان ولكن يشبه أن القاضي رحمه الله لم تخطر قصة البقرة بباله عندما قال هذا الكلام وإلا فقد رام أن يطعن على القرآن أو يتهكم عليه من جانب المعنى فلجأ إلى هذه الطريقة من المدح بما ليس فيه وهذا يصدق ما قاله أحد الفلاسفة المتأخرين من أننا كثيراً ما نمدح المرء بما ليس فيه لنكشف من عيوبه بالتلميح ما لا نجسر على كشفه بالتصريح فإن المدح الكاذب هجو لا تخشى منه تباعه.

وحقيقة الأمر في قصة البقرة هذه أن مصنف القرآن أخذها من اليهود نقلاً عن التوراة لكنه مسخها جهلاً لا عمداً فقد جاء في سفر العدد ص 19 أن الله أمر بني إسرائيل أن يأخذوا بقرة حمراء صحيحة لا عيب فيها ولم يعلُ عليها نير فتذبح وتحرق ويتطهر برمادها من مس ميتاً. وجاء في سفر تثنية الاشتراع ص 22 أمره لهم إذا وجد قتيل لم يعرف قاتله أن يذبحوا عجلة من البقر لم يحرث عليها ولم تجر بالنير ليتبرأ بدمها أهل المدينة القربى من القتيل فأخذ مصنف القرآن هاتين الفريضتين وخلطهما على ما جرت به عادته وأنشأ منهما قصة بقرته الصفراء.

وقال في الآية السادية والستين بعد المائة ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع. هذا التمثيل لا معنى له وكان الوجه أن يقول ومثل الذي يعظ الكفار أو يدعوهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع وذلك على حد قول الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حياً … ولكن لا حياة لمن تنادي

وقال في الآية السادسة والسبعين بعد المائتين الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقول الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا. وكان الوجه أن يقول إنما الربا مثل البيع وذلك أنه لما كان البيع حلالاً مثلوا به الربا تمويهاً ليوهموا أنه حلال مثله فالربا هو الممثل ويجب في هذا الموطن تقديم ذكره والبيع هو الممثل به ويجب تأخير ذكره فلما عكس القرآن هذا الترتيب فسد المعنى.

ومما ينافي الفصاحة أن يأتي الكاتب أو الخطيب في أثناء كلامه بجملة تكون أجنبية عما سبقها وهذا مما يعده العلماء تكلفاً طبقات الشعراء لابن قتيبة وقد جاء به القرآن مع ذلك مراراً تكاد تفوت الحصر كثرة ونحن لا تورد لك منه سوى مثال واحد تستدل به على الباقي. قال في سورة البقرة آية 55 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون فهذا تحضيض على إيتاء الزكاة وغاية ما يقال فيه أنه كلام اعتيادي ليس تحته كبير أمر ولا تمييز عما كان جارياً وقتئذ على ألسنة عامة العرب. إلا أنه قال بعده الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم. فهذا الكلام الرائع السامي لو فليت القرآن كله لم تجد له مثيلاً في جودة المعنى وبلاغة الأسلوب ونصاعة اللفظ لكنه أجنبي عما تقدمه ولا ارتباط له به ولا قران بنيهما ثم لما لم يتسن لقائله أن يستمر على هذا النمط أردفه بقوله لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى. فأين الليلة من البارحة ولذا قالوا أن آية الكرسي بين جارتيها كقطعة ديباج رقع بها ثوب كرباس. وأكثر القرآن على هذه الصفة من عدم القرن بين آياته والانتقال تواً من الأوج إلى الحضيض ومن ذكر الجنة والمغفرة إلى ذكر المحيض .