تناقضات الحديث

 

1 - أحاديث الطهارة

تتميَّز أحاديث هذا الباب بكثرتها واضطرابها وضعف أكثر رُواتها، إما بالكذب أو النسيان أو التغفيل. وبالرغم من أن عنوان هذا الباب هو كتاب الطهارة فإنه يحتوي على ما لا ينتمي للطهارة بصلة، مثلما رواه أحمد والبخاري من حديث صلح الحديبية عن مروان بن الحكم قال: ما تنخَّم النبي نُخامة إلا وقعت في كفّ رجلٍ، فدلك بها وجهه ورجليه (تنخَّم أي دفع شيئاً من صدره أو أنفه).

وأيضاً ما رواه ابن عباس مرفوعاً: إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم,(الذرب داءٌ يصيب المعدة فلا تهضم الطعام، ويفسد فيها فلا تمسكه).

وعن أنس بن مالك أنس بن مالك قال إن رهطاً من عُكل (قبيلة من قُضاعة) أتوا المدينة فأمر لهم النبي بلقاح (نياقٍ ذات لبن) وأمرهم أن يشربوا أبوالها وألبانها,

ورغم أن محمداً أمر أتباعه أن يشربوا من بول الإبل، إلا أن حديثاً آخر يقول إن محمداً قال: تنزَّهوا من البول، فإن أكثر عذاب القبر منه. وعن ثوبان قال: قال النبي: الماء طهور إلا ما غلب على ريحه وطعمه.

ورغم هذا فإن محمداً شرب وتوضَّأ من بئر بضاعة وهي بئر تُطرح فيها محايض النساء ولحم الكلاب وعذر (براز) الناس، وماؤها متغيِّر اللون,وأعجب ما في الأمر أن هذه الأحاديث وردت في كتاب واحد هو كتاب الطهارة بل وفي مرجع واحد هو نيل الأوطار. ورغم أن رُواتها هم أئمة الحديث عند المسلمين، كالبخاري وأحمد والشافعي والنَّسائي وابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي ، فإن المسلمين أنكروا نسبة أغلبها للنبي، أو برَّروا هذا الخبط بالناسخ والمنسوخ. فمثلاً يروي أبو داود والنسائي: نهى النبي أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، أو المرأة بفضل وضوء الرجل,(فضل الوضوء: هو الماء المتبقّي من الوضوء). ثم يروي أبو داود والنسائي أيضاً أن النبي كان يتوضأ بفضل وضوء ميمونة وعائشة وهما جُنُبان,

وحين نتساءل عن هذا التضارب نجد الإجابات تتأرجح بين ناسخ ومنسوخ أو التخفيف على المسلمين أو إن ذلك رخصة للنبي وحده، مثل الرخصة له في التزوُّج بمن يشاء.

وأحياناً تجد مجموعة من الأحاديث التي لا يمكن تفسيرها تفسيراً مقبولاً، مثلما رواه البخاري عن ابن عباس ، قال: توضأ النبي مرةً مرة، لم يزد على هذا, ثم يروي البخاري في نفس الباب عن عبد الله بن زيد ، قال: إن النبي توضأ مرتين مرتين, فيردّ عليه مسلم في صحيحه عن عثمان بن عفان قال: ألا أريكم وضوء النبي؟ فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً,

ولنا الحق أن نتساءل: هل كان وضوء محمد مرة أم اثنتين أم ثلاثاً؟

رُوي عن عمار بن ياسر قال: قال النبي ثلاث لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمِّخ بالخلوق (أي: المتطيِّب بالزعفران) والجُنُب إلى أن يتوضأ. ورغم ورود هذا الكلام على لسان محمد فإنه قال في موضع آخر: حُبِّب إليَّ الطّيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة,

ورغم أمر القرآن باعتزال النساء في فترة الحيض بالقول: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (سورة البقرة 2: 222) سورة البقرة2: 2,4إلا أنه كان يأمر عائشة أن تَأتزر (أي: تغطي ما بين السُّرة إلى نصف الفخذ) ثم يباشرها بعد ذلك. والواضح أن محمداً كان يأمر بشيء ثم ينساه، أو يكتشف خطأه فيأمر بغيره، ويترك لأتباعه مهمة التوفيق بين كل ما قال وفعل!

وللتعليق نقول: ماذا يقول علماء المسلمين في هذه الاختلافات؟ ومن أراد معرفة المزيد من هذه الاختلافات فليقرأ كتاب الطهارة في أي كتاب من كتب الفقه أو الحديث.

2 -أحاديث الصلاة

الصلاة صلة شخصية بين الإنسان والله، تقوم على حب الإنسان لله، وليس على خوفٍ أو رعبٍ منه.

ولن نتكلم في هذا الفصل عن تناقضات مواقيت الصلاة كما جاءت في الحديث، ولا عن الاختلاف في طرق أدائها، فسوف نسلِّم لعلماء المسلمين بقولهم: إن في الاختلاف رحمةً بالمسلمين أو كما نُسب إلى محمد نفسه قوله: إن في اختلاف أمتي رحمة. ولكن سنورد بعض الأحاديث عن علاقة الإنسان بربِّه، ذلك الإله المحب، الودود، الغفور، الرحيم الذي يرحم الجميع ويريد أن يخلِّصهم.

قال محمد : مُرُوا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين. وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها, وقال أبو هريرة إن محمداً قال: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار؟,

كتب شاب مسلم اهتدى للمسيح يقول: كنت وأنا صبي أجري للصلاة حالما أسمع الأذان خوفاً من الضرب. وذات يوم سمعت الإمام يذكر حديثاً في النهي عن رفع الرأس قبل الإمام، فزاد خوفي من أن يتحول رأسي إلى رأس حمار. فكنت أتطلع إلى وجهي في المرآة بعد كل صلاة لأرى إن كان رأسي قد تحول أو لم يتحول بعد إلى رأس حمار! كنت مرتعباً من الضرب إن لم أصلِّ، ومرتعباً من أن يصبح رأسي رأس حمار لو أسأت التصرف في الصلاة.

علاقة الصلاة بين المسلم والله علاقة خوف وعبودية، فالله كما يراه المسلم لا يبالي بمن يدخل الجنة أو يدخل النار، فإنه ما خلق الإنس والجن إلا ليكونوا له عبيداً كما جاء في القرآن وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (سورة الذاريات 51: 56). ورغم هذا التشدُّد في الإسلام فإنك تجد التساهل، أو ما يسميه المسلمون الترهيب والترغيب. عن أبي هريرة ، قال محمد : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّراتٌ لما بينهن، إذا اجتنب الكبائر, وعن ابن مسعود، قال إن رجلاً أصاب مِن امرأة قُبلةً فأتى النبي فأخبره، فأنزل الله وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (سورة هود 11: 114). فقال الرجل: يا رسول الله، أإليَّ هذا؟ فأجابه: لجميع أمتي كلهم,

لقد جعل محمد الصلاة أحد طرق دخول الجنة، وقال إنه إذا أذنب شخصٌ فالصلاة تكفيهفأين هذا من قول الله في كتابه العزيز: مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ. لِأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا (لوقا 17: 1 )

ما يقطع الصلاة:

وتجد في كتاب الصلاة تناقضاً صريحاً، يعتذر المسلمون عنه بأنه من الناسخ والمنسوخ أو يقوم أحد أصحاب محمد بتصحيحه له، مثل ما ورد عن أبي هريرة أبي هريرة ، قال:يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار وفي رواية الكلب الأسود, وعندما سمعت عائشة هذا الحديث قالت: بئسما عدلتمونا بالحمار والكلب. لقد رأيتُ النبي يصلي صلاته من الليل وأنا معترضةٌ بين يديه. فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممْتُها إليَّ ثم يسجد, وعن الفضل بن عباس قال: أتانا النبي ونحن في بادية لنا ومعه عباس ، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى بذلك. وقال أبو داود بعد هذه الأحاديث: إذا تنازع (اختلف) الخبران عن الرسول نُظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده. فهذا هو الرد على التناقضات! وقد يزول العجب إذا عرفنا أن محمداً قال لأصحابه: ذَرُوني وما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا, ثم يقول في الحديث التالي: مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني قد عصى الله, ويقول القرآن: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَا نْتَهُوا (سورة الحشر 59: 7) وقال أيضاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (سورة المائدة 5: 1 1). فأحاديث محمد وقرآنه تأمر بطاعة محمد وبالنهي عن التفكير في ما قال، وتأمر بعدم السؤال عما لم يقُل، حتى وصل الأمر ببعض المسلمين إلى اعتبار البحث في ذات الله كفراً. فهل يحّوِل الإسلامُ تابعيه إلى كائنات مغيَّبة العقول، لا تفكر في ما تسمعه؟ لقد أمر المسيح تابعيه أن يفتِّشوا الكتب المقدسة ويدرسوها (يوحنا 5: 39) ورحَّب رُسله بأن يفحص المستمعون الكتب المقدسة ليروا لأنفسهم أن المسيح هو المخلِّص الذي تنبّأ أنبياء التوراة بقدومه (أعمال 17: 11) فقد علموا أن الكتب لم تتكلم إلا عن المسيح، ولم تأمر إلا بالإيمان به! أما محمد فقد نهى عن قراءة الكتب المقدسة السابقة له.

الصلاة في الإسلام هي الباب الواسع لدخول الجنة، مع أن الصلاة الإسلامية وأسلوبها كانت موجودة قبل محمد بنفس طريقة الركوع والسجود، وفي نفس الأوقات تقريباً عند الصابئة وعابدي الكواكب. فالإسلام لم يأت بجديد، بل أخذ ما كان قبله ووافق عليه، من مراسم الحج والعمرة والصوم والصلاة، فأخذه كما هو، أو أنقص منه أو زاد عليه,

3 - أحاديث الصيام

الصوم هو أحد الأبواب الواسعة لدخول الجنة في الإسلام، فقد قال محمد : مَن صام إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه,

كان محمد يرغِّب أصحابه في الصوم واعداً إياهم بملذّات الآخرة، فيُروى عن أبي عمر أن النبي قال: إن الجنة تُزخرَفلرمضان من رأس الحول إلى الحول. فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح تحت العرش من ورق الجنة على الحور العين، فيقلن: يارب؛ اجعل لنا من عبادك أزواجاً تقرّ بهم أعيننا، وتقر أعينهم بنا.

ورغم أن الصوم هو تقديس وتكريس وقت للجلوس بين يدي الله، إلا أن الإسلام جعل منه شيئاً آخر، فهو مجرد جوع وعطش إلى حين.

وكعادة محمد في أفعاله المتضادة نراه يحرّم شيئاً ثم يُبيحه، فيُروَى عن أنس أن رجلاً سأل محمداً عن شخصٍ قَبَّل امرأته وهما صائمان فقال له قد أفطرا, ولكن عائشة تقول إن النبي كان يُقبِّلها وهو صائم ويمصُّ لسانها, وعنها أيضاً: كان النبي يُقَبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه,(يباشر: أي يضع بشرته على بشرتها. أربه أي غرضه، وإربه: عضوه).

وعندما أمر محمد أصحابه بالصوم حرَّم عليهم النساء والطعام بعد العشاء إلى غروب شمس اليوم التالي. فلما شكوا له ذلك قال في سورة البقرة 2: 187 أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ. والرفث هو الإفصاح بما يجب أن يُكنى عنه، وكُني به هنا عن مقاربة النساء,

وبرغم كل هذا فلم يكن الصيام شيئاً جديداً أتى به محمد ، بل (مثله مثل الصلاة) اقتبسهما وغيرهما مِن شعائر مَنْ كانوا قبله. فقد كان الحنفاء يصومون شهر رمضان من كل عام، وكان اليهود يصومون أياماً كثيرة، فأخذ محمد منهما.

-أحاديث الجهاد

أمر القرآن في بداية الدعوة الإسلامية بالمعروف ونهَى عن المنكر، ونادى بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، والإعراض عن الجاهلين (راجع السُّور القرآنية المكية مثل: القلم، المدثر، الأعلى، النجم، البروج، القيامة، يوسف، النحل، الروم، الرحمن، العنكبوت).

وبعد الهجرة من مكة إلى المدينة تغيّرت استراتيجية محمد من الدعوة بالمعروف، إلى ردّ العنف بالعنف أو إلى الدفاع المسلّح. وبعد أن قويَت شوكة المسلمين تحّولوا إلى الهجوم المسلح والغزو العسكري (راجع سُور القرآن المدنيّة، مثل: البقرة، الأنفال، محمد، الفتح، المائدة، التوبة).

ويختلف علماء المسلمين كثيراً في موضوع الجهاد، لأن باب الجهاد يحتوي على أكثر الأحاديث تضارباً، وأكثر الآيات القرآنية اختلافاً. ونورد في هذا الفصل بعض هذه الأحاديث والآراء:

استراتيجية الدعوة:

بدأ محمد دعوته باللين فكان يقول: إنما أنا رحمة مُهداة. وكان يقول: إني لم أُبعَث لعّاناً وإنما بُعِثت رحمة,

ولكن بعد مرور فترة على دعوته قام بتوضيح هذه الرحمة المُهداة فقال: بُعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجُعل رزقي في ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري,وحينما سمع أصحابه هذا الحديث، ووجدوا أنه قد يكون سبباً في ترك الناس لهم، ذهبوا إليه ليسألوه إن كان حقاً قد قال هذا الكلام، فأجابهم: نعم ووالله إني قد جئتهم (أي من خالف دينه وأوامره) بالذبح (الحِكَم الجديرة بالإذاعة في شرح حديث بُعثت بالسيف بين يدي الساعة لابن رجب الحنبلي). وقال محمد في موضع آخر: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا عصموا منّي دماءهم وأموالهم,

آراء علماء المسلمين:

تضاربت آراء علماء المسلمين في الجهاد، فمِن قائل إن آيات القتال نسخت كل آية تأمر بالعفو والصفح، ومن قائل إنه لا نسخ في القرآن، وثالث يرجّح العمل بالترتيب التاريخي لنزول الآيات. ووصل بهم الأمر إلى تكفير بعضهم البعض، وحكم كل طائفةٍ لنفسها بالنجاة وللآخرين بالهلاك.

وكتب بعضهم يقول: إن أحداً لم يُخلَقْ من دون الله.. وإن أحداً لم يَخلُقْ مع الله.. فليس من حق أحدٍ أن يُشَرِّع من دون الله.. وليس من حق أحدٍ أن يُشَرِّع مع الله.. وليس لأحدٍ أن يحكم بين خَلْق الله، لا بين المسلمين، ولا الكفار.. إلا بحكم الله ورسوله. إن الناس لم يخلقوا أنفسهم، ولم يخلقوا الأرض التي عليها يحيون وعليها تقوم مجتمعاتهم، فليس من حقهم أن يهيمنوا أو يهيمن بعضهم ليُشَرِّع ويحكم، يأمر وينهى من دون الله.

إننا مأمورون بتحقيق سيادة شَرْع الله على أرض الله وعلى خَلْق الله. إننا مأمورون أن لا ندع أي طائفة على وجه الأرض تحكم الناس بغير شَرْع الله. فمن أبى ذلك ورفض الإذعان قاتلناه. إن الجهاد حتميّة يفرضها الشَرْع وتمليها علينا عدة فروض شرعية لا يتم أيٌّ منها إلا بالجهاد.

1 - يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب خلع الحاكم الكافر.. أليس حكام بلادنا قد كفروا باستبدال الشرع وبحكم الخلق بشرعٍ جاهلي؟ أليس الجهاد واجباً اليوم لخلع هؤلاء الحكام؟

2 - يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب قتال أي طائفة ذات شوكة تمتنع عن شريعة أو أكثر من شرائع الإسلام حتى تلتزم بها.. أليست الطوائف المهيمنة على بلادنا ممتنعة عن أكثر شرائع الإسلام؟ أليس الجهاد اليوم واجباً لإجبار هذه الطوائف على الالتزام بما امتنعت عنه؟

3 - يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب نصب خليفة للمسلمين. أليست الخلافة غائبة عنا اليوم؟ ألم يسقطها أعداؤنا بالسيف والقهر؟ أليس الجهاد هو طريق عودتها.

4 - يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب الدفاع عن ديار الإسلام، واسترداد ما استولى عليه الكُفّار منها.. أليس الجهاد واجباً لاسترداد فلسطين والأندلس وفرنسا وبلاد البلقان والجمهوريات الإسلامية في روسيا وغيرها؟.

هذا هو إيمان إحدى الجماعات الإسلامية (الجهاد). ونتيجة اعتقادهم هذا كانت أفعالهم، فقام تنظيم الجهاد في مصر في الفترة من 1979 حتى 1992 باغتيال عدة أفراد من القيادات السياسية في مصر (منهم الرئيس أنور السادات أنور السادات ) وبعض الصحفيين والكتّاب (منهم الدكتور فرج فودة ) بعد أن حكم بتكفيرهم. وقام أيضاً بحرق عشرات الكنائس، وقتل عدد كبير من المسيحيين. وموَّلوا هذه الأنشطة من سرقة محلات المجوهرات التي يمتلكها مسيحيون ومسلمون! وظهرت جماعات مماثلة في الجزائر والمغرب وباكستان وإيران وأفغانستان والأردن والسودان ولبنان واليمن وتونس.

الجهاد وأهل الكتاب:

بدأ موقف المسلمين من أهل الكتاب، يهودٍ ومسيحيين، على يد محمد نفسه. فبعد أن نادى بالمودّة والرحمة، وأعلن أن المسيحيين هم أقرب الناس موَدّة للمسلمين، قرر في آخر أيامه أن يُخرِج المسيحيين واليهود من جزيرة العرب8.

فكان بعد موته أن استوعب أتباعه الدرس جيداً، فهذا عمر بن الخطاب يكتب ما عُرِف? "بالوثيقة العُمَرية? ويحدِّد فيها معاملات المسيحيين. ونقدم هذه الوثيقة دون أي تعليق، فنصُّها يتحدث عن نفسه:

عن عبد الرحمن بن غنم : كتبتُ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام، وشرَط عليهم فيه

ألّا يُحدِثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلّاية ولا صومعة راهب،

ولا يجدِّدوا ما خُرِّب،

ولا يمنعوا كنائسهم من أن ينزلها أحدٌ من المسلمين ثلاث ليالٍ يطعمونهم،

ولا يؤووا جاسوساً،

ولا يكتموا غشاً للمسلمين،

ولا يعلّموا أولادهم القرآن،

ولا يُظهِروا شِركاً،

ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوا،

وأن يوقّروا المسلمين،

وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس،

ولا يتشبّهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم،

ولا يتكنّوا بكناهم،

ولا يركبوا سرجاً،

ولا يتقلّدوا سيفاً،

ولا يبيعوا الخمور،

وأن يجُزُّوا مقادم رؤوسهم،

وأن يلزموا زيَّهم حيثما كانوا،

وأن يشدّوا الزنانير على أوساطهم،

ولا يُظهِروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيءٍ من طرق المسلمين،

ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم،

ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً،

ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين،

ولا يخرجوا شعانين،

ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم،

ولا يَظهِروا النيران معهم،

ولا يشتروا من الرقيق ما جَرَتْ عليه سهام المسلمين.

فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمّة لهم،

وقد حلّ للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق,

فإن كان هذا ما حدث في عهد عُمَر الخليفة العادل(!!!!؟؟؟؟؟) فماذا كان يحدث في عهد الخلفاء الظالمين؟! ولكي لا تكون الصورة قاتمة أمامنا، نقول إن الشروط العُمَرية هذه لم يقبلها كل المسلمين، بل رفضها قومٌ منهم، وهناك آخرون (وهم غالبية المسلمين في وقتنا الحاضر) لا يعلمون عنها شيئاً. وتقابل هذه النبرة المتشدّدة نبرةٌ أخرى حانية، فتجد بعضهم يردد حديث محمدعليكم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً (وهو يقصد إذا فتح الله هاجر المصرية أم إسماعيل، ومارية القبطية أم ولده إبراهيمالقرآن بالمعروف بعضهم يردد آيات (التي يقول آخرون بنسخها) والتي تأمر ). وتجد والصفح، ولا إكراه في الدين.

وبينما يحاول المسلمون تأويل هذه الآية بأنها تدل على روح التسامح وحرية الاختيار في الإسلام، لكن كل من يدرس سياق النص الذي وردت فيه الآية ويقارنها بنص القرآن لا إكراه في الدين لا يجد أنها تدل على أي تسامح. بل على العكس، فهي تعبير واضح عن خيبة أمل نبي الإسلام في أهل الكتاب من يهود ونصارى بعد أن خابت محاولاته وجهوده لكسبهم إلى صفوفه,

وللتعليق نقول:

مرَّت الدعوة الإسلامية بعدة تغيرات جوهرية، فقد كانت في بدء عهدها سلميّة بالحكمة والموعظة الحسنة. ولكن بعد الهجرة إلى المدينة تحوَّلت إلى دعوة عسكرية مسلحة بالْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (سورة الحديد 57: 25) وكان لا بد لهذه الدعوة التي بدأت سبيلها لتأسيس حكومة دينية، يكون محمد على رأسها، في حماية عسكرية داخل المدينة وخارجها. فكانت شريعة الجهاد طوال الفترة المدنية، وكان التحريض على القتال، وحل مشاكل الإمارة السياسية، وتوزيع الغنائم وتمويل الجيوش (راجع سورتي الأنفال والتوبة).

وبعد وفاة محمد انقسم أصحابه على خلافته، ثم ارتدّ عرب الجزيرة عن الإسلام، مما يدل على أنهم رأوا في رسالة محمد إمارة أكثر منها نبوّة. فأرسل أبو بكر الجيوش إلى كل جهات الجزيرة لردهم إلى الإسلام وسلطانه. ثم بعد فترة كانت الفتوحات أو الغزوات الإسلامية لمصر والعراق والشام، وتأسست أركان الإمبراطورية الإسلامية من أسبانيا إلى إيران.

والأمر الطبيعي أن تجد تضارباً فيمثل هذا الفكر الذي امتدّ فترة زمنية تجاوزت الألف عام قبل انحساره. وأنت اليوم ترى هذاالفكر يحاول الظهور على السطح مرة أخرى من خلال جماعات الإسلام السياسي المنتشرة في معظم الدول الإسلامية، وأن تجد دعاة السلام ودعاة الحرب يحتجون جميعاً بالقرآن والسُنَّة.

قد كان للسيف دور كبير في تاريخ الإسلام، فلولاه ما فُتِحَتْ مكة ولا خيبر. ولولا حروب الردّة ما رجع العرب إلى الإسلام، ولكان اقتدى بالنبي كثيرٌ من المتنبّئين الكذبة واقتطعوا لهم دويلات دينية في أنحاء شبه الجزيرة العربية، ولضاعت على العرب الوحدة الدينية والقومية التي صنعها لهم محمد.

5 -أحاديث الحدود

الحدود في الفقه الإسلامي تعني العقوبة التي قدّرها المشرِّع على فعلٍ خاطىء. ولم يقتصر الأمر على العقوبات التي قدّرها القرآن، بل زيدت عليها جزاءات رُويت عن النبي، وجزاءات اجتهد فيها الصحابة، فاتّسع معنى المشرِّع ليشمل الاجتهاد والقياس بجوار أقوال القرآن والنبي.

والحدود - على هذا المعنى - ستة: حد السرقة، وحد القذف، وحد الزنا، وحد شرب الخمر، وحد قطع الطريق (الحرابة)، وحد الردة وهي ترك الإسلام,

حد السرقة:

المقصود بحدّ السرقة هو العقوبة المفروضة على من أخذ مال أو متاع شخصٍ آخر على وجه الخفية والاستتار، قاصداً بذلك تملّك الشيء المأخوذ. ولا يدخل في ذلك الاختلاس لأنه استلاب المال دون وجه حق، لكن دون خفية أو استتار، بل قد يكون ذلك علناً. وكذلك النهب، وهو أخذ مال الغير بالقوة، فيدخل تحت حد قطع الطريق. وأيضاً خيانة الأمانة، وتعني جحود وإنكار شخص لأخذه متاعاً أو مالاً من آخر، وادّعاءه ملكيته له.

وطبقاً لهذه التعريفات ورد حديث عن محمد يقول ليس على الخائن، ولا على المختلس، ولا على المنتهب قطع, وأيضاً لا يدخل في ذلك العبيد والإماء وأهل الكتاب، فقد قال محمد: ليس على العبد الآبِق إذا سرق قطع ولا على الذمي. وعن ابن عباس قال: إنه لا يرى على العبد حداً ولا على أهل الأرض من اليهود والنصارى حداً,

ولم يترك المسلمون هذا التحديد فيمن تُحدد عليه العقوبة، بل حددواً أيضاً مقدار المال المسروق. فعن محمد قال: لا يقطع السارق إلا في ربع دينار فصاعداً. ورُوي أيضاً عنه: لا يقطع السارق إلا في عشرة دراهم. وعلى ذلك فإذا سرق شخص ربع دينار طبقوا عليه الحد. أما إذا اختلس أو انتهب مليون دينار فليس عليه عقاب! وكذلك أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين ليس عليهم حدود، بالرغم من أن محمداً رجم يهوديين زنيا في المدينة,

وقد أضاف بعضهم شرط العودة، أي تكرار السرقة، حتى يصدق على الشخص وصف السارق الذي ورد في الآية وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ (سورة المائدة 5: 38) وهذا الوصف في الآية لا يتحقق بفعلٍ واحد، وإنما يلزم له التكرار. كما استلزم البعض ألّا تكون بالسارق حاجة لما سرقه. فقد رفض ابن الخطاب أن يُقيم حدّ السرقة على غلمانٍ سرقوا ناقةً لجوعهم.

وللتعليق نقول:

يتطلّب حدّ السرقة شروطاً يصعب أن تتحقق فيلزم بها الحد. وهو لا ينطبق أيضاً على من يسرق أموال الدولة، لأن لكل فرد حقاً في مال الدولة، وهذا الحق هو ما يُسمى فقهياً بشبهة الملكية، وهي ما يسقط بها الحد فلا تقوم الجريمة أساساً. كما أن النص لا ينطبق على المختلس - كما ورد سابقاً - الذي يحوز مال الحكومة أو أي مؤسسة ثم يغيّر نيَّته فيحوز لنفسه ما كان يحوزه للحكومة.

حدّ القذف:

جاء في سورة النور 24: 4 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

وفى نفس السورة آية 23إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

لم تحدَّد عقوبةٌ للقذف السب أو الاتهام بالزنا في الإسلام إلا في سورة النور، بعد اتهام بعض الصحابة لعائشة زوجة محمد بالزنا مع صفوان بن المعطل ، وهي القصة المعروفة في كتب التفسير والحديث بحادث الإفك (راجع الجزء الرابع من هذه السلسلة، فصل تعليقات على سورة النور).

وفضلاً عن عقوبة الجَلد فإن آيتي 4 و23 من سورة النور أَلحقتا بالقاذف وَصف الفسق واللعنة في الدنيا والآخرة، وكذلك إسقاط شهادته. وقال البعض إن الحكم القرآني اقتصر على تأثيم قذف النساء، ولكن البعض الآخر رأى التسوية بين قذف الرجال وقذف النساء، وأوجب الحدّ فيهما معاً، مع مخالفة ذلك لظاهر النص. وهناك بعض الأحاديث في عقوبة قذف الرجال، ولكن أكثر علماء الحديث حكموا بضعفها أو وضعها.

وهذا مثل حديث عكرمة ابن عباس عن النبي قال: إذا قال الرجل للرجل يا مخنَّث فاجلدوه عشرين، وإذا قال الرجل للرجل: يا لوطي فاجلدوه عشرين, وهذا الحديث مطعون فيه من طريق عكرمة، فقال أكثر من واحد إنه متروك الحديث.


 

حد الزنا:

قرر محمد تأثيم الزنا وتقرير عقوبته على ثلاث مراحل:

1 - وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (سورة النساء 4: 15) فالعقوبة هنا هي الحبس المطلق، أو قيام سبيل من الله.

2 - وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَّوَاباً رَحِيماً (سورة النساء 4: 16) والعقوبة هنا هي الإيذاء غير المحدد، المتروك تقديره لولي الأمر.

3 - الّزَانِيَةُ وَالّزَانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمْا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (سورة النور 24: 2) 24 سورة النور. إذن فعقوبة الزنا قرآنياً هي الجَلد مائة جلدة لكلٍ من الزاني والزانية. غير أن النبي عاقب بالرجم، ورُوي في ذلك أنه كانت هناك آية في القرآن تُسمَّى آية الرجم لكنها نُسِخَتْ نصاً مع بقاء حكمها,

تاريخ الرجم:

أول ما أمر محمد بالرجم كان في واقعة زنا حدثت بين يهودي ويهودية احتكم فيها اليهود إلى محمد، فأمر برجمهما بحسب حكم التوراة في التثنية 33: 23,22.

وفي كتابه أصول الشريعة قال المستشار محمد سعيد العشماوي: إذا كان النبي قد سار على حكم التوراة، فأمر بالرجم بعد ذلك مع أنه مشكوك فيه أنه رجم بعد نزول آية الجَلْد فهل يعني ذلك أن النبي نسخ بفعله هذا حكم القرآن، أم أن ما فعله يمكن أن يُحمل على أنه حكم خاص بالنبي وحده!؟ فالثابت قرآنياً أن هناك أحكاماً خاصة بالنبي وحده، كالزواج بأكثر مِن أربعة، وعدم حقه في أن يطلّق أزواجه، وعدم حل أزواجه لأحدٍ مِن المسلمين بعده.

وبالرغم من أن محمداً أمر برجم يهوديين زنيا إلا أن هناك أحاديث تقرر عدم جواز ذلك، فقد ورد عن محمد ليس على العبد، ولا على أهل الكتاب حدود,

شروط تطبيق الحد:

وضع الإسلام شروطاً لتطبيق حد الزنا تكاد تجعله مستحيلاً إلا إذا اعترف الزاني، فقد اشترطوا رؤية أربعة رجال عدول للزانيَين، ولا تُقبَل شهادة المرأة، وضرورة التأكد من شخصية الزانيين، ورؤية الفعل تفصيلاً وفي وضح النهار, رُوي عن عمر : ارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد فجمع عمر بينهم (الشهود) وبين المغيرة (الزاني)، فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني: مستقبِلهم أم مستدبِرهم؟ وكيف رأوا المرأة وعرفوها؟ فإن كانوا مستقبِليَّ فكيف لم أستتر؟ أو مستدبِريَّ فبأي شيءٍ استحلّوا النظر إليَّ في منزلي وعلى امرأتي؟ والله ما أتيتُ إلا امرأتي، وكانت شبهها (يعني شبه الزانية). فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة. فسأله عمر : كيف رأيتَهما؟ قال: مستدبرهما، قال: فكيف استثبت رأسها؟ قال: تحاملت. ثم دعا بشبل. فشهد بمثل ذلك، وكذلك نافع. ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم، بل قال إنه لم يره كالميل في المكحلة والرشاء (الحبل) في البئر. فأمر عمر بالثلاثة أن يُجلدوا حد القذف,

وتقدم الرواية السابقة نموذجاً رائعاً لمذكرة الاتهام. فالشهود متوافرة، وقد رأوا الواقعة نظراً لظروف البناء وقتها والحد كان على وشك أن يُقام لولا تلجلج زياد في جزئية أورثت شبهة، فما كان من عمر إلا أن طبَّق قول محمد ادرأوا الحدود ما استطعتم عن المسلمين، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فأخلوا سبيله، فخيرٌ للإمام أن يخطئ في العفو من أن يخطئ في العقوبة,

فكما ترى أن جريمة الزنا في التشريع الإسلامي بأركانها وشروطها جريمة يصعب إثباتها. فإن حدثت بصورة يمكن إثباتها تكون أقرب إلى الفعل العلني الفاضح الذي يفعله شخصٌ لا يتحرّج عن الظهور أمام الناس بما يخدش الحياء. فالزنا إن حدث في الخفاء، أو بغير أن يشهده أربعة موثوق بهم، فإن الزاني يفلت من الحد!

وكان محمد يحاول أن يجد مخرجاً للزاني. ورد في البخاري عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي وأنا عنده، فقال: يا رسول الله، أصبتُ حداً فأقِمْه عليَّ. فلم يسأله النبي عنه. وحضرت الصلاة فصلى مع النبي. فلما قضى النبي الصلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني قد أصبت حداً فأقم فيَّ كتاب الله. قال النبي: أليس قد صليتَ معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدك,

وفي حديث ماعز عن ابن عباس قال: لما أتى ماعزُ بن مالك النبيَّ، قال له النبيُّ: لعلك قَبَّلْتَ أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أَنِكْتَهَا لا يكني ، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه (ألم يكن من الأدب أن يقول من أدعى النبوة وكرم الأخلاق لماعز: (هل ضاجعتها) بدل قوله السابق؟)

ولم يقرر محمد رجماً على العبيد والإماء، بل قال: إذا زنت الأمَة، فتبيَّن زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يُثَرِّب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبلٍ من شعر, فلو كان محمد يقصد قداسة أتباعه لما فرَّق بين أمَة وحُرّة أو أسياد وعبيد.

حدّ شُرب الخمر:

لم يقرر الإسلام في بادئ الأمر أي إثمٍ على الخمر، لا قرآنياً ولا نبوياً، بل تم ذلك بتدرُّج مرحلي. بدأ قرآنياً بقول القرآن: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً (سورة النحل 16: 67). ثم قال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (سورة البقرة 2: 219) ، ثم بعد ذلك قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (سورة النساء 4: 43) ، وأخيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (سورة المائدة 5: 9 ).

أما في السُنّة والحديث فلم يقرر محمد أي عقوبة محددة على الخمر، بل كان يضرب فيها بالجريد والنعال, ومما يدل على عدم تقرير محمد أية عقوبة على شرب الخمر ما قاله علي بن أبي طالب : ما كنت أُؤدي (أدفع دية) من أقمتُ عليه الحدّ (أي مات أثناء التطبيق) إلا شارب الخمر، فإن رسول الله لم يسنّ فيه شيئاً. إنما هو شيء جعلناه نحن, والأصل فيما قاله علي هو اجتهاد عليّ نفسِه حين سأله عمر عن شرب الخمر، لأنها كانت منتشرة وقتها لعدم تقرير عقوبة عليها، فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحدّ المفتري ثمانون جَلدة,

تساؤلات حول الخمر:

أثار المستشار سعيد العشماوي في كتابه أصول الشريعة ثلاثة تساؤلات حول الخمر:

1 - هل الخمر محرّمة (مع عدم وجود نص بذلك) أم مأمور باجتنابها وهو ما ورد به نص؟

2 - ما هي الخمر المقصودة في النص؟

يرى جمهور الفقهاء أن الخمر - لغةً - هو ما خامر العقل فخمره (غيَّبه عن الوعي)، وفي ذلك رُوي عن النبي كل مسكر حرام. ويرى آخرون أن الخمر لا تُطلَق إلا على النيئ من ماء العنب إذا غلا واشتد، وأن الخمر الوارد في هذه الآية هو هذا النوع لا سواه ( العقوبة لمحمد أبو زهرة، والرأي لأبي حنيفة). وأما ما عدا هذا النوع من الخمور فلا يُعتبر خمراً، ولكنه إن أسكر أوجب الحد قياساً لا نصاً لأن هناك أنبذة تؤخَذ من أطعمة حلال مثل نبيذ الذرة والحنطة والشعير والذرة والعسل والتين وقصب السكر والتفاح. وهذه (في رأي أبي حنيفة) لا حدَّ فيها، لأن الأصل فيها الحل، والسُّكر طارئ عليها. فلا عبرة بالطارئ، وإنما العبرة بالأصل وحده.

هل هناك عقوبة محدَّدة شرعاً للخمر؟

اختلف الفقهاء في ذلك، لأن القرآن لم يتضمن أي عقوبة، كما أن النبي لم يأمر بحدّ واضح وإنما ضرب بالأيدي والجريد والنعال والثياب، وترك أحياناً مَن شرِب الخمر ولم يفعل به شيئاً سوى أنه ضحك وقال: أَفَعلها؟. ولكن العقوبة المقررة حالياً مجرد اجتهاد فقهاء كما سبق ووضحنا.

هل حرّم محمد الخمر فعلاً؟

من المشكوك فيه تحريم محمد للخمور والأنبذة على الإطلاق، ولكنه حرّم السُّكْر فقط، فقد ورد في صحيح مسلم كتاب الحج باب فضل القيام بالسقاية,

عن بكر بن عبد الله المُزني قال: كنت جالساً مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي، فقال: مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ. أَمِن حاجةٍ بكم أم مِن بُخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله، ما بنا حاجة ولا بخل! قَدِم النبيُّ على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى، فأتيناه بإناءٍ من نبيذ، فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: أحسنتم وأجملتم. كذا فاصنعوا فلا نريد تغيير ما أمر به الرسول.

وهناك أيضاً أثر ورد في العقد الفريد لابن عبد ربه ابن عبد ربه (باب احتجاج المحِلّين للنبيذ كله): أن النبي عطش وهو يطوف بالبيت، فأُتي بنبيذ من السقاية، فشمّه، فقطب. ثم دعا بذَنوبٍ مِن ماء زمزم، فصُبَّ عليه ثم شربه. فقال له رجل: أحرام هذا يا رسول الله؟ فقال: لا.

وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة (إناء صغير للماء) لعمر، فانتشى، فحدّه عمر ، وإنما حدّه للسُكر لا للشراب (لاحظ أن الإناء والخمر التي به كانا لعمر وليس للأعرابي).