المسيح في القران
 
 

المسيح هو جوهر الديانة المسيحية، ونقطة ارتكاز إيمانها. وكل تعليم يمس أيّ وجه من وجوه العقائد في شخصية المسيح الممجدة يمس الديانة المسيحية في صميمها. كما أن كل تعليم يؤيد عقائد الإيمان المسيحي عن ذات المسيح القدوسة يؤيد المسيحية، ويصادق على صحة معتقدها فيه وإيمانها به.

ولقد يعد أمراً عجيباً أن نقول إن الإسلام يقدس ذات المسيح تقديساً تاماً، ويصادق على جميع عقائد الديانة المسيحية عن شخصه المبارك، بما يُعدّ شهادة قوية على صدق تعليمها عنه، ودليلاً ناطقاً يؤيد ما تعلم به عن ألوهيته ورفعته وكفارته، وموته وقيامته، وصعوده إلى السماء، ومجيئه العتيد.

ولكن وإن عُدّ هذا أمراً غريباً فهو الحقيقة المقررة الثابتة.

المسيح إله حق وإنسان حق

هذه هي العقيدة المسيحية الصحيحة عن ذات المسيح، وهذا أيضاً ما يعلّم به القرآن عنه، فإن أول ما يلفت نظر مطالعه أنه ينسب للسيد المسيح ما هو خاص بذات الله تعالى، وما هو خاص بطبيعة الإنسان. فهو يدعوه كلمة الله وروحه، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، ويخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً، في الوقت الذي يقول فيه عنه إنه لن يستنكف أن يكون عبد الله، وأنه كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.

والمسيح - الذي هو كلمة الله وروح منه، هو في الوقت ذاته، رسول الله وعبده واحد لا نظير له. وحمل المتعارضات على شيء واحد، من جهة واحدة، محال، إذ لا يمكن منطقياً للشيء الواحد أن يكون ولا يكون معاً، كما لا يمكن للشيء الواحد أن يكون أبيض وأسود في وقت واحد. فالقرآن يقول عن المسيح إنه كلمة الله وروح منه، ثم يقول إنه إنسان يحتاج إلى الطعام والشراب، وهذان شيئان متعارضان لا يمكن تطبيقهما على المسيح من جهة واحدة، لأنه مسيح واحد، يقال عنه شيئان متعارضان.

فالقرآن قال إن في المسيح شيئاً إلهياً وشيئاً بشرياً. ولا شك أن كلا هذين الشيئين هما الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية.

أما كيف يشرح القرآن هذا الأمر ويجلوه، وكيف أقرَّ باجتماع هاتين الطبيعتين المتقابلتين في شخص المسيح، فهذا ما سنشرع في بيانه وإثباته في هذا الباب.

المسيح الإله

تعتقد المسيحية أن المسيح (من حيث هو كلمة الله وروح منه) هو الله، باعتباره الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس للذات الإلهية، الواحدة الجوهر والعدد. والإسلام لا ينكر هذه العقيدة، ولا يرفض القول بلاهوت المسيح، بل إنّه يؤيده بأدلة عديدة، وآيات كثيرة. وفي هذا الباب نتناول خمسة فصول:

1 - أسماء المسيح الحسنى وألقابه التي ذكرها له القرآن.

2 - الحقائق الخاصة بحياة المسيح في ذاتها.

3 - شهادة القرآن للمسيح بالكمال الأخلاقي.

4 - شهادة القرآن للمسيح بقدرته الفائقة الطبيعة.

5 - نسبة الحقوق الإلهية للمسيح.

6 - المسيح الإنسان.

الفصل الأول:

 

ألقاب المسيح في القرآن

لقَّب القرآن المسيح بألقاب لم ينعت بها أحداً غيره ممن ذكرهم في سُوَره وآياته، ولا يصح اطلاقها على بشري مهما سما قدره، لما لها من الاتصال المباشر بذات الله القدوسة. وهذه الألقاب هي:

1 - كلمة الله

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلّم النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (سورة آل عمران 3: 45 ، 46) وجاء أيضاً: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ (سورة النساء 4: 171)

فالإسلام تكلم في هذه الآيات عن المسيح بما تتكلم به عليه المسيحية. فالقرآن يدعو المسيح كلمة الله، والإنجيل يقول عنه: فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللّهَ... وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الْآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً (يوحنا 1: 1 ، 14). وإنّ في اعتراف القرآن بأن المسيح كلمة الله إقرار صريحٌ منه بلاهوت المسيح، ومصادقة منه للمسيحية على اعتقادها فيه.

ولقد ذهب بعض المفسرين في تفسير هذه الآيات الثلاث مذاهب أخرجتها عن معناها الصريح، فحوّلوا الحقيقة إلى مجاز، سالكين سلوكاً كله تعنّت وتكلّف، ما كان أغناهم عنه لو أرادوا الحق. فنرى الرازي يقول في تفسير آل عمرن 3: 45 إن المسيح دُعي كلمة الله: لأن السبب المتعارف كان مفقوداً في حق عيسى عليه السلام، وهو الأب. فلا جرم إن كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكمل وأتم، فجعل بهذا التأويل كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يُقال فيه على سبيل المبالغة إنه نفس الجود ومحض الكرم وصريح الإقبال. فهكذا هنا (الرازي مجلد 3 ص 676). وقال في تفسير النساء 4: 171: أي أنه وُجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة (الرازي مجلد 3 ص 512). وقال البيضاوي في تفسيره: كلمته ألقاها أي أوصلها إليها وحصلها فيها (البيضاوي ص 219). وتفسير الجلالين كلمته: أوصلها إلى مريم (الجلالين ص 158) .

وحاصل هذه التفاسير أنهم يقصدون بكلمة الله هنا اللفظ. ولكن الذي تصرّح به الآيتان غير ذلك بالمرة. فهما صريحتان في القول إن كلمة الله التي ألقاها إلى مريم ليست لفظاً يقرع الأسماع ثم يذهب مع الريح، بعد أن يدل على معنى يريده المتكلم، بل تصرحان بأن الكلمة شيء له قيوميته في ذاته كما يقول الإنجيل الطاهر.

لقد سبق القرآن فقال في بشارته لزكريا بيحيى: يا زكريا إن الله يبشرك بيحيى، مصدقاً بكلمة من الله. فالكلمة الذي هو من الله، وصدق به يحيى، هو المسيح، الذي جاء يحيى إلى العالم ليبشر بملكوته، ويهيّئ له الطريق.

فالكلمة الذي جاء ذكره في بشارة زكريا هو نفس الكلمة الذي بُشِّرت به مريم، وهو مسمَّى ذكر، عاقل، كائن قائم بذاته. وقد كفانا القرآن مؤونة التدليل على صحة هذا الرأي بقوله: بكلمة منه اسمه فهو لم يقل اسمها، مع أن الكلمة مؤنث، دلالة على أن هذه الكلمة ليس لفظاً، بل شخصاً قائماً بذاته، إذ لو كان المقصود من الكلمة اللفظ لعاد الضمير عليه مؤنثاً، أما وقد عاد الضمير عليه مذكراً، فهذا دليل على أن المقصود ليس اللفظ، بل مسمى اسمه المسيح عيسى ابن مريم .

وقد ذهب بعض المفسرين هذا المذهب، فقالوا إنه يُراد بالكلمة شخص قائم بذاته، ولكنهم فسروا ذلك تفاسير لا تناسب هذا القول، ولا تتفق وصريح القرآن، ولذلك ضربنا عنها صفحاً.

والمنطق يقودنا بموجب نص هذه الآيات إلى إثبات لاهوت المسيح منها، فمن المسلّم به أن الله أزلي، وأن القِدم صفة خاصة به وحده جل شأنه، كبقية صفاته الحسنى كالعِلم والحياة والكلام. فكل ما يتعلق بذات الله تعالى أزلي غير محدث، فلا بد من أن يكون كلمة الله أزلياً، وهذا واضح من قول القرآن: ألقاها (والإلقاء عندنا معناه التجسد) إلى مريم. أي أن هذا الكلمة كائن من قبل أن يُلقى إلى مريم. وإذاً يكون المسيح أزلياً، لأنه بحسب منطوق هذه الآيات كلمة الله .

فإذا ثبت أن المسيح أزلي، لأنه كلمة الله، وثبت أنه لا أزلي سوى الله، وجب أن يكون المسيح هو ذات الله جل شأنه. وهذه نتيجة لازمة، لا مفرَّ من التسليم بها، ولا خلاص من الإعتراف بما توجبه. وهذا هو اعتقادنا نحن معشر المسيحيين في الله وكلمته.

وأما قول الرازي: إن المسألة هنا قُصد بها المبالغة، فقول مردود، ولا محل للأخذ به، لأن الآية لا تتحدث عن فضيلة كالجود والكرم والإقبال كما شط به قلمه، وإنما هي مجرد إعلان لحادثة وقعت.

وزيادة على هذا فإن آدم حسب نص القرآن يشترك مع المسيح في وجوده بكلمة الله وأمره من غير وساطة متعارفة، ولا نطفة. كما جاء في قوله: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه (أي خلق آدم) من تراب، ثم قال له كن فيكون. فلنا هنا أن نسأل الرازي، ومن رأى رأيه: لِمَ لمْ تُستعمل هنا المبالغة لآدم؟ ولماذا لم يقل القرآن عن آدم إنه كلمة الله، أو كلمة من الله، كما قال عن المسيح؟

إن وجه التماثل في هذه الآية، بين آدم والمسيح، هو أن ظهكلمة الله إلى الع كان متعلقاً بإرادة الله، كخلق آدم. إذ كما أحب الله وأراد فخلق آدم من تراب، بلا أب، وبلا أم، شاءت محبته أن يكون كلمته الأزلي إنساناً اسمه المسيح عيسى ابن مريم، دون أن يكون له أب بشري.

ثم إنه لو لم يكن المسيح هو ذات كلمة الله، وكان موجوداً بأمر الكلمة فقط، كما يدَّعون، لما كان هناك ما يدعو إلى ذكر لفظة منه للدلالة على صدوره من الله رأساً، لأنه لو صحَّ هذا الزعم لما كان المسيح منه أي من الله، بل لأضحى مخلوقاً من العدم، وهذا يناقض الآيات الثلاث.

ولو كان المسيح قد سُمي كلمة الله لأنه خُلق بقوة كلمته، لما كان هناك تمايز بينه وبين سائر المخلوقات التي خُلقت بأمره تعالى، وليس ذلك من الصواب في قليل أو كثير. ولو صحَّ، لما قام لوصف المسيح في القرآن ب كلمة الله معنى يميزه عن الخلق الذين وُجدوا بقوة كلمته.

وإذاً لا شك في أن المسيح هو ذات كلمة الله، وبعبارة أخرى هو ذات الله، لوحدة الطبيعة الإلهية، وبحكم أن الكلمة صدر من الله بغير طريق الخلق والإبداع.

وإذاً فالقرآن قد أقرَّ لنا بلاهوت المسيح بدعوته إياه كلمة الله .

ومن الأمور البديهية أن يكون في الولد شيء من طبيعة أمه وأبيه، وبما أن المسيح هو كلمة الله، وله جوهر الله تعالى، وقد حل في العذراء مريم، فهو إذاً يشاركها في إنسانيتها وطبيعتها البشرية ومن ثمَّ ألحق القرآن بالمسيح ما هو خاص بذات الله، وما هو خاص بالإنسان.

2 - روح الله

هذا هو اللقب الثاني من الألقاب المجيدة التي اعترف بها الإسلام للمسيح. فقد جاء: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللّهِ الّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (سورة النساء 4: 171)

وخلاصة تفسير هذه الآية، كما أورده الإمام الرازي هي: روح منه في وجوه شتى منها:

الأول: إنه من نفخة جبريل، والمراد منه قوله منه التشريف والتفضيل كما يُقال: هذا من نعمة الله.

الثاني: إنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم. ولما كان كذلك وُصف بأنه روح.

الثالث: روح منه أي رحمة منه، فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، لا جرم سُمي روحاً منه.

الرابع: قوله روح أدخل التكبير في هذا اللفظ لإفادة التعظيم، فكأن المعنى وروح منه أي روح من الأرواح الشريفة العالية القدسية، ومع ذلك فهو رسول من رسل الله، فآمِنوا به كإيمانكم بسائر الرسل، ولا تجعلوه إلهاً.

وفسّر البيضاوي هذه الآية بقوله: وروح منه ذو روح صدر منه لا بتوسُّط ما يجري مجرى الأصل والمادة له. وقيل سُمي روحاً لأنه كان يحيي الأموات والقلوب.

وتفسيرها في الجلالين: يا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الحد في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق من تنزيهه عن الشرك والولد إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها أوصلها إلى مريم، وروح أي ذو روح منه أُضيف إليه تعالى تشريفاً وليس كما زعمتم ابن الله أو إلهاً.

هذا هو النص، وهذه هي خلاصة تفسيره، ولكننا نقول إن النتيجة التي يخرج بها من اطلع على النص وتفسيره هي أن الإسلام يشهد شهادة ناطقة صريحة بأن المسيح إله حق، حسب ما تُعلّم به المسيحية وتعتبره أساس إيمانها القويم. فالقرآن يدعو المسيح كلمة الله وروحاً منه، وهذا يدفعنا إلى أنْ نتساءل: أكان الله قبل أن يبدع هذا العالم ذا روح وكلمة، أم لم يكن كذلك؟ فإن قيل هو روح وكلمة منذ الأزل، قلنا أهُمَا ذات الله أم غيره؟ فإن قيل هما غيره، قلنا، إذاً فمع الله اثنان، ومن كان معه غيره فهو ليس واحداً. وهذا باطل. وإن قيل: إن الروح والكلمة مخلوقان وليسا موجودَيْن منذ الأزل، كان هذا مناقضاً للاعتقاد في الله تعالى من أنه الكائن الأزلي الحي الناطق، لأننا لم نصفه بهذه الصفات إلا لأننا نعتقد فيه الحياة والنطق منذ الأزل، وليس من سبيل للاستدلال على الحياة والنطق إلا بالروح والكلمة، لأن الروح جوهر الحي، والكلمة كنه الناطق. فلم يبق والحالة هذه إلا أن نقول إن الروح والكلمة هما ذات الله، لهما صفاته كلها، دون تعدد أو إنفصال حتى نتقي شر الشرك به تعالى، والطعن في ذاته المقدسة الكاملة بحرمانها النطق والحياة حيناً من الزمن.

وبما أن الإسلام لقب المسيح بأنه كلمة الله وروح منه، فليس أمامنا إلا الاعتراف بأن المسيح هو الله سبحانه وتعالى. وهذا هو المعنى المعقول المقبول الذي لا يمكن استنباط غيره من قول القرآن ان المسيح روح منه فهذا تعبير يبرهن أن الكلمة الذي ألقاه الله إلى مريم هو إله حق من ذات الله وجوهره، إذ لا يمكن أن يكون المسيح من روح الله إلا إذا كان من جوهره. فهو إذاً إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق.

ثم أن المنطق نفسه يقودنا كما قادنا في دعوة القرآن للمسيح بأنه كلمة الله إلى ضرورة الاعتقاد بألوهية المسيح ما دام هو من روح الله، لأن روح الله لا بد أن يكون أزلياً كالذات الإلهية، والأزلية كما هو مسلّم به من صفات الله الخاصة به دون سواه.

فما دام المسيح هو كلمة الله وروح منه، فهو إذاً أزلي، كائن قبل حلوله في مريم. فإذا ثبت هذا فلن يكون المسيح غير الله تعالى. ومما يؤيد هذا أنه ما من بشري آخر قد لقَّبه القرآن بهذا اللقب غير المسيح، فجميع الأنبياء بلا استثناء ليس بينهم من أَوْلاه القرآنُ شرفَ هذا اللقب العظيم، ودعاه روحاً من الله.

ولقد ذهب البعض خطأً إلى أن ما قيل عن المسيح في هذا الصدد قيل أيضاً عن آدم، المسلّم بأنه لم يكن إلا بشراً سوياً، فهللوا وكبّروا زاعمين أننا أخطأنا الاستدلال على ألوهية المسيح من هذا النص. على أننا عندما نتأمل ما قيل عن آدم نجده يختلف اختلافاً بيِّناً عما قيل عن المسيح. فما ذكره القرآن عن آدم هو أن الله خلقه وسوَّاه ثم خاطب الملائكة في شأنه قائلاً: ونفخت فيه من روحي وشتان ما بين القولين: إنّ المسيح روح منه تعالى، وإنّه نفخ في آدم من روحه .

وإذا قارنا ما قيل عن آدم في أمر خلقه، حسب نص القرآن، وبين ما قيل عن إلقاء الكلمة إلى مريم، لرأينا أن التعبير الذي استُعمل عن آدم كالتعبير الذي استُعمل عن مريم، كما جاء في سورة الأنبياء 21: 91 وَالّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا ، وضمير الغائب في فرجها يعود على مريم التي قبلت النفخ، كما أن ضمير الغائب في فيه (ونفخت فيه من روحي) يرجع إلى آدم الذي قَبِلَ ذات النفخ، أو ما يشبهه تمام الشبه. فلو كان المسيحيون الّهوا العذراء مريم، لأن الله نفخ فيها من روحه لصحّ احتجاج القائلين: إن ما يطلقه القرآن على المسيح من أنه روح من الله يصح إطلاقه على آدم أيضاً, أما وأن التعبير الذي استُعمل عن المسيح هو غير التعبير الذي استُعمل عن آدم، فليس هناك محل للتشابه!

والخلاصة إذاً أن هذا اللقب الذي أعطاه الإسلام للمسيح قد ميّزه به عن سائر البشر، بما فيهم الأنبياء والرسل، فهو شهادة ناطقة بلاهوته الممجَّد، الواجب له تقديس وعبادة، دون التفرقة بينه وبين الله الآب والروح القدس في العدد، لأن كل شيء في الله واحد.

ولو تأملنا جيداً ما جاء في سورة النساء 4: 171 لما وجدنا فيها ما يناقض هذه النتيجة المنطقية اللازمة. بل نجدها تؤيدها كل التأييد.

وفي هذه الآية خمس نقاط:

أ - النهي عن الغلو في الدين.

ب - إن المسيح رسول الله.

ج - النهي عن القول بثلاثة آلهة.

د - التعليم بوحدانية الله تعالى.

ه - التعليم بأن الله ليس له ولد.

علاوة على نقطة سادسة هي أن المسيح كلمة الله وروح منه، وقد سبق أن عالجنا هذه النقطة. ونحن نعلن هنا أننا نوافق القرآن في كل ما ذكره في هذه الآية نقطة نقطة.

(أ) نحن نعتقد أن الغلو في الدين خطأ جسيم. والغلو هو تجاوز الحد ونحن نبطل كل ما يتجاوز حده، لأن الإيمان عماد الدين وكل ما يأمر به الدين، أو ينهى عنه، ولا يكون موافقاً للعقل، هو عندنا من باب الغلو المرفوض منا، لا نؤمن به، ولا ندعو إليه، لأن الإيمان والعقل صنوان وأخوان لا يتنافيان، إذ الله مصدرهما كليهما، ومبدأ كل منهما، ونحن نعتقد بعدم وجود منافاة بين أعمال الله ولا أقواله.

حقاً أن العقل لا يحيط علماً بكل ما جاء به الوحي الإلهي، ولكننا لا نجد في الإيمان به شيئاً يضاد العقل أو يجافيه.

(ب) نحن نعترف أن المسيح رسول الله، ونرى أنه ليس في هذا الإقرار والإعلان ما يضير العقيدة المسيحية، أو ما ينفي ألوهية المسيح. فإن المسيحية تعتقد أن المسيح هو ابن الله، ورسول الآب من السماء معلنة أنه لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللّهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ (غلاطية 4: 4)

والمسيحيّة لم تر منذ نشأتها، في اعتبار المسيح رسولاً، ما ينفي لاهوته الممجد. والإنجيل مفعم بأقوال المسيح التي اعتبر فيها نفسه رسولاً لأبيه إلى العالم (يو 3: 17 ، 4: 34 ، 5: 23 ، 36 ، 6: 44 ، 9: 4 ، 10: 36 ، 11: 42) .

بل إن الإنجيل كله يدور حول هذا المحور، وهو إرسالية المسيح إلى العالم ليمنحه حياة، ويبدد ما يحيط به من ظلمات الجهل، ويحرره من سلطان عبودية الخطية القاسية.

أيّ تناقض بين بنوّة المسيح لله وبين إرساليته إلى العالم؟ ولماذا تُعتبر رسالته ناقضة لحقيقة لاهوته؟ أفلا يرسل الأب ابنه مندوباً عنه لإتمام مأمورية عظمى لا يستأمن عليها خدمه ووكلاءه؟ أَوَليس هذا بعينه ما تم في المسيح، وهو أن الآب أرسله إلى العالم، وهو ابنه الوحيد، ليتمم بشخصه الفداء الذي لم يكن ممكناً لملاك، ولا لرئيس ملائكة، أن يتممه بما يوفي حقوق العدل والرحمة معاً، ويبرر الإنسان، مع الاحتفاظ ببر الله وعدله؟ وهذا بعينه ما أعلنه لنا المسيح في مثل الكرام الذي قال فيه: إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْماً، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجاً، وَسَلّمهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ. وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ الْأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ. فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضاً وَقَتَلُوا بَعْضاً وَرَجَمُوا بَعْضاً. ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضاً عَبِيداً آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الْأَوَّلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذلِكَ. فَأَخِيراً أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ قَائِلاً: يَهَابُونَ ابْنِي! (متى 21: 33-37)

ولنلاحظ بنوع خاص أن المسيح ختم هذا المثل بقوله: أخيراً أرسل إليهم ابنه .

كان الله يريد أن يعلن ذاته للبشر ليعرفوه كما هو، وليعرفوا إرادته المقدسة للعيشة في القداسة والسلام. وقد أرسل الأنبياء الواحد تلو الآخر، ولكن إرساليتهم لم تكن كافية لإتمام ذلك الإعلان. وأخيراً أرسل الله ابنه إلى العالم، وفيه قد حدّثنا بكل شيء، وأعلن لنا الأسرار الخفية عن الله، التي لم يكن العلم ليدركها لو لم يرسل الابن نفسه إليه ويعلنها له، وهذا ما أشار إليه الرسول قائلاً: اللّهُ، بَعْدَ مَا كَلّم الْآبَاءَ بِالْأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلّمنَا فِي هذِهِ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ - الّذي جَعَلَهُ وَارِثاً لكل شيء، الّذي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ. الّذي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كل الأشياء بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الْأَعَالِي، صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ (عبرانيين 1: 1-4) وهو بعينه ما قصده يوحنا الإنجيلي بقوله: وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الْآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.,, اللّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلِابْنُ الْوَحِيدُ الّذي هُوَ فِي حِضْنِ الْآبِ هُوَ خَبَّرَ (يوحنا 1: 14-18) .

إذاً فإعلان الإسلام لوظيفة المسيح كرسول لا ينفي قط ألوهية المسيح, وقد أعلنت المسيحية في مواضع كثيرة غير التي ذكرنا أن المسيح رسول وإله معاً، ولم تر في الجمع بينهما تعارضاً ولا شيئاً من التناقض، والإسلام بما أورده في النص السابق إنما كان مصادقاً للمسيحية في هذا، إذ أثبت للمسيح وظيفته كرسول كما أثبت لاهوته، إذ دعاه كلمة الله وروحاً منه.

(ج) النهي عن القول بثلاثة آلهة: الإسلام بقوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم لم يمس المسيحية في أي وجه من وجوه عقائدها كما ظن بعض ذوي النظر المتسرع القصير، فليس في هذا التعليم ما يطعن في العقيدة المسيحية أو ينفي تعليمها بلاهوت المسيح، فالحقيقة التي تبدو جلية أن ليس هناك طعن أو إنكار, فنحن نؤمن بإله واحد ضابط الكل خالق السموات والأرض، ونشجب كل من يقول بثلاثة آلهة. وأنّ الذي تنفيه هذه الآية إنما هو القول بثلاثة آلهة، أو بالحري الإشراك، وهذا تتبرأ منه المسيحية كل البراءة. والإسلام في تعليمه عن وحدانية الله يقف بجانب المسيحية جنباً إلى جنب، ويؤيدها فيما تذهب إليه من العقيدة في الله كما سبق بيان ذلك في الكلام عن التثليث. فإنكار التعدد، وإثبات الوحدانية لله تعالى هو نفس ما تعلم به المسيحية.

(د) التعليم بوحدانية الله: قوله إنما الله إله واحد : هو العقيدة المسيحية في الله، كما نرى في قول الرسول يوحنا: الّذينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلَاثَةٌ: الْآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ (1 يوحنا 5: 7) وهو القول الذي يعلن التثليث كتعليم لا يناقض التوحيد، ولا يتنافى معه، وهذه بسملتنا التي يستعملها المسيحيون من قديم الزمان: باسم (وليس بأسماء) الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد دليل على أن المسيحيين لم يقدهم إيمانهم بلاهوت المسيح إلى الشرك بالله، ولا للإعتقاد بثلاثة آلهة، وهو الإعتقاد الذي يحاربه الإسلام في هذا النص وفي غيره مما يشبهه.

(ه ) التعليم بأن الله ليس له ولد: قوله ليس له ولد هو أيضاً معتقد المسيحية، التي تعلمنا أن الله منزّه عن أن يكون له صاحبة ولد على شكل البشر. وحاشا لنا نحن المسيحيين أن نكون وثنيين فننسب لله ذلك. فإذا قلنا إن المسيح ابن الله لا نقصد توالداً جنسياً من جانب الله تعالى، ولا بنوّة تناسلية من جانب المسيح له. إنما نقصد بنوّة روحية، صدر فيها الكلمة عن الله صدوراً عقلياً محضاً. فإذا قلنا إن المسيح ابن الله فإنما نريد بنوّة أقنومية باعتبار أن الله يعقل ذاته، وأنّه عقل وعاقل ومعقول في كائن واحد.

والخلاصة أن هذا النص بجملته ليس فيه ما ينفي لاهوت المسيح، أو يطعن في عقيدة المسيحية فيه. وكل ما جاء من الاعتراض كان موجهاً ضد آراء مبتدَعة تتبرأ منها المسيحية قبل أن يلومها الإسلام.

ولا شك في أن الخطاب كان موجَّهاً في هذه الآية إلى قوم كانوا قد خرجوا على تعاليم المسيحية الصحيحة، تابعين تعاليم مضلة، كما يبدو ذلك لكل من يطلع على التاريخ.

وإذاً يحق لنا أن نقول إن هذا النص وما يشابهه برهان قوي على صدق تعليم المسيحية عن لاهوت المسيح، إذ هو يتكلم عنه ككلمة الله وروح منه، وفي الوقت ذاته لا يمس تعليم المسيحية عن هذا بشيء ما. إن هذا النص والتفاسير الواردة بشأن هذا اللقب جميعها تؤدي شهادة قوية لحقيقة الإعتقاد في لاهوت المسيح الممجد.

3 - المسيح

جاء في سورة آل عمران 3: 45، 46إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلّم النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ولنلاحظ أولاً أن القرآن هنا قد قال: اسمه المسيح ولم يقل يسمونه، مشيراً بذلك إلى تقرير تلك التسمية من الله دون علاقة البشر بها. ويحق لنا أن نتساءل: هل أخذ القرآن الاسم ممن سبقوه، أم أنه ذكره من قبيل الإلهام؟ إنّ القرآن لا يشير إلى شيء من ذلك، كما أنه لا يوضح معنى هذا اللقب العجيب. وقد خلط المفسرون في شرحهم إياه، وذهبوا فيه مذاهب شتى.

وإتماماً للفائدة نبيّن بعض معاني هذا اللقب لغة:

جاء في المعاجم أن هذا الاسم يطلق على القطعة من القصة، والعرق والصديق، والدرهم الأملس الذي لا نقش عليه، والكثير السماحة، والممسوح بمثل الدهن وبالبركة، ولُقب به عيسى ابن مريم لأن الله مسحه كاهناً ونبياً وملكاً. وجَمْعه مسحاء ومسحى.

وهو في العبرانية مشيخ وفي السريانية مشيخو وفي اليونانية خرستس .

ولسنا بحاجة إلى القول إن هذا اللقب انفرد به المسيح وحده في القرآن دون بقية الأنبياء والمرسلين، فلم يُمنح هذا اللقب السامي نبي سواه، مما يدل على امتياز المسيح الخاص، واعتراف الإسلام له بهذا الامتياز، ويدل أيضاً على أنه نُدب للقيام بعمل أهم من أعمال الأنبياء والمرسلين يميزه عنهم أجمعين. ومن يمتاز عن البشر كلهم بمن فيهم الأنبياء والرسل بأسرهم يجب أن يكون قد ارتفع عن طبقة البشر، بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم. وليس هناك إلا كائن واحد لاسواه يسمو على جميع البشر وهو الله سبحانه وتعالى، الذي له الكرامة والمجد والسلطان.

وإن في إقرار الإسلام للمسيح بهذا اللقب وانفراده به لدليل على مقامه الممتاز عن البشر، وسائر الأنبياء والرسل، واعتراف منه له بلاهوته ذي الجلال والإكرام.

وإنّا لنرى أن القرآن لم يوضح معنى هذا اللقب إعتماداً منه على ما ورد عنه في الإنجيل الشريف، والذي يأمر في أكثر من محل إلى مطالعته والعمل بما فيه.

ولكننا نلاحظ في أقوال المفسرين شعورهم الملموس بصعوبة إدراك المعنى العظيم الذي ينطوي عليه لقب المسيح. وهذه الصعوبة بادية في كثرة التفسير والذهاب به مذاهب عديدة. ولو كان المعنى ظاهراً أمامهم لتوجَّهوا إليه رأساً، ولكن لا عجب في أن يشعر المفسرون بصعوبة التأويل، وهم يرون أن هذا اللقب السامي يشير إلى مقام المسيح الجليل، ويرفعه عن طبقة البشر، في حين أنهم لا يريدون أن يقرّوا لنا بهذا صراحة، وإن كانوا قد أقروا ضمناً. فهذا الإمام الرازي وان كان لم يذكر تأويل هذا اللقب صريحاً كما يدل عليه. وكما هو معروف لدى أتباع المسيح لا تخلو تفاسيره من إقراره للحقيقة التي تنادي بها المسيحية إزاء هذا اللقب الممتاز. فهو في تفسيرين من تأويلاته اعترف للمسيح بشخصية معصومة بريئة من الذنوب والآثام. وفي التفسيرين الآخرين اعترف له بمسحته الخاصة التي بناءً عليها سُمِّيَ مسيحاً. فقال أولاً إنه سُمّي المسيح لأنه مُسح من الأوزار والآثام، ولأن جبريل مسحه بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان. فهنا اعترف الرازي أن المسيح قد أُعطي هذا اللقب لأنه كان معصوماً من الأوزار والآثام، ولأنه كان مصوناً من مسّ الشيطان له بشيء ما من الخطايا أو الهفوات.

وعندما نقارن هذا الاعتراف بتصريحات القرآن المتعددة، التي قضت على البشر جميعاً بسقوطهم في الخطية وباقترافهم الآثام، نرى أن الإسلام قد رفع المسيح عن طبقة البشر، إذ حكم له وحده بالعصمة والصون من الدنايا، بينما هو يصرح أن العصمة ليست لبشري كائن من كان, وليس هنا مجال للكلام عن حكم الإسلام على البشرية جمعاء بالسقوط في الخطية وارتكاب الإثم، واستثناء المسيح وحده دون سواه. فهذا سيأتي في الفصل الثالث من الباب الرابع في هذا الكتاب. ولكننا نذكر فقط شيئاً قليلاً يشير إلى هذه الحقيقة، فقد جاء في سورة مريم: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا(أي جهنم) كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (مريم 19: 71 فهذه الآية حكمت على جميع البشر بورود جهنم. ومعلوم أن العقاب لا يكون إلا لذنب وإلا كان ظلماً، وما ربك بظلاّم للعبيد. فهذه الآية تدل على أن البشر جميعاً معرَّضون للوقوع في أسْر الشهوات والخطايا.

لنقرأ هذه الآية مرة أخرى، ثم لنقرأ بعدها آية سورة آل عمران 3: 36وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا(أي المسيح) مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثم نقرأ بعد هذا الحديث الذي تضمن هاتين الحقيقتين معاً سقوط البشر جميعاً، وعصمة المسيح دون سواه. وهو كما أورده البخاري كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبه بأصبعيه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب ليطعنه فطعن في الحجاب .

فإقرار الإسلام بأن البشر جميعاً قد زاغوا وفسدوا، وأنهم مجردون عن العصمة، معرضون لاقتراف الخطايا والآثام، بجانب إقراره للمسيح وحده بالعصمة، وأنه مصون عن مس الشيطان، يرفع المسيح عن طبقة البشر، وبالتالي يقرّ له بلاهوته الممجد.

أما عن التفسيرين الآخرين من تأويلات الرازي فإننا نرى فيهما اعترافاً صريحاً، قد أصاب فيه المفسر وأحسن المقال. فهو يقول في واحد منهما: إنّ اللقب يشير إلى مسحه بالدهن، وفي الآخر إنّه يشير إلى أن تلك المسحة قد حدثت عند خروجه من بطن أمه. وخلاصة القولين ترديد لصدى العقيدة المسيحية، ومطابقة لأقوالها في المسيح الإله، فهذه أقوال الوحي الإلهي عن ذلك: وَأَمَّا عَنْ الِابْنِ: (فيقول) كُرْسِيُّكَ يَا اللّهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الْإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذ لِكَ مَسَحَكَ اللّهُ إِلهُكَ بِزَيْتِ الِابْتِهَاجِ (عبرانيين 1: 8 ، 9) ويفسر الكتاب زيت الابتهاج في موضع آخر فيقول: يَسُوعُ الّذي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللّهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ (أعمال 10: 38) فهل نغالي إذا قلنا إنّ نص القرآن وتفسيره لا يخرجان عن ترديد العقيدة المسيحية في لاهوت المسيح بعد الذي رأينا من المطابقة بين النص والتفسير، وبين تصريحات الوحي الإلهي في هذا الشأن؟ وهل نبالغ إذا قلنا إن لاهوت المسيح حقيقة يشهد بها الإسلام ويؤيدها؟

الخلاصة

بهذا ينتهي بنا الكلام عن إثبات لاهوت المسيح من الإسلام بما أثبته له من ألقاب لا يصح إطلاقها على غير ذات الله تعالى، إذ دعاه كلمة الله وروح منه. وكلمة الله وروحه لا بد أن يكونا من جوهره، وأزليين بأزليته. وبما أنه لا تعدد في ذاته تعالى ولا تجزئة، لزم القول بأن كلمة الله وروحه هما ذاته جل شأنه.

الفصل الثاني:

الحقائق الخاصة بحياة المسيح

1 - أزلية المسيح

أزلية المسيح هي أول تلك الحقائق التي أثبتها القرآن بقوله: كلمة الله وروح منه ، وبما أن المسيح هو كلمة الله وروح منه فهو إذاً أزلي. وبما أن الأزلية صفة خاصة بالله تعالى، فقد أصبحت دعوة القرآن المسيح بكلمة الله وروح منه إقراراً للمسيح بالأزلية، ومصادقة على عقيدة المسيحيين عن لاهوت المسيح. ويتضح هذا من النظر في قوله: وكلمته ألقاها إلى مريم. فقول القرآن ألقاها إلى مريم دليل على أن هذا الكلمة كائن قبل أن يُلقى إليها ويولد منها. ووجوده قبل أن يظهر في الجسد يحمل معنى أزليته، والأزلية صفة خاصة بالله تعالى, ولا يمكن أن يكون قد مضى على الله وقت كان فيه بغير كلمة! وإذاً نستطيع القول إن الإسلام قد أقرّ معنا بلاهوت المسيح.

2 - الولادة العجيبة

والحقيقة الثانية التي اعترف بها القرآن هي ولادة المسيح بطريقة سرية عجيبة لم تتم لكائن بشري سواه. فقد أثبت القرآن أن المسيح لم يولد من زرع بشري كالمتَّبع في تناسل جميع الناس بلا فارق أو استثناء، إذ قال في سورة مريم 19: 20 - 21 : قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً فليس هذا القول إلا مصداقاً لما ذكرته الكتب المقدسة عن ذلك الميلاد العجيب. فالنبي إشعياء يقول في العهد القديم: وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ (إشعياء 7: 14) ولوقا الإنجيلي يشرح لنا كيف بشَّر الملاك العذراء بميلاد المسيح، وكيف تمت الولادة بطريقة سرية خارقة للعادة (لوقا 1: 26-38) .

ومن الخطأ البيّن أن يعتبر البعض خلق آدم شبيهاً بميلاد المسيح، وأن يتخذ تلك المشابهة المزعومة دليلاً ينفي ما في ذلك الميلاد من البرهان على امتياز المسيح المبارك. فآدم خُلق خلقاً ولم يولد ولادة. وآدم خُلق من طين، ولم يُذكر عنه أنه كلمة الله وروح منه. وآدم كان ينبغي أن يوجد من غير أب لأنه كان الأب الأول للبشر، أما المسيح فعند ولادته كانت الأرض قد عُمرت من الآباء الوالدين والأبناء المولودين.

فولادة المسيح لا شبيه لها ولا مثال. والطريقة التي تمت بها تثبت له شخصية خاصة خارجة عن دائرة البشر. وإقرار الإسلام بهذا الميلاد العجيب مصادقة منه على سمو شخصية المسيح وحقيقة لاهوته الممجد.

3 - الصعود إلى السماء

أما الحقيقة الثالثة فهي إقرار الإسلام بارتفاع المسيح إلى السماء دون أن يعبث الموت بجسده الطاهر. فقد جاء في سورة آل عمران 3: 55 إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الّذينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الّذينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الّذينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وقوله في سورة النساء 4: 158 رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ .

فالقرآن بهذه الأقوال أثبت الاعتقاد الخاص بارتفاع المسيح إلى السماء، وأقرّ للمسيحية بصحة تعليمها عن صعود المسيح حياً بعد قيامته من الأموات.

والمسيحية قدمت صعود المسيح إلى السماء برهاناً على حقيقة لاهوته الممجد كما يُرى في أقوال الرسل العديدة. فإقرار الإسلام بهذه الحقيقة إقرار منه بصحة العقيدة المسيحية في لاهوت المسيح.

الخلاصة

نستخلص مما سبق أنّ الإسلام قد أقرّ بأن المسيح كائن منذ الأزل، موجود قبل أن يولد، وأنه في ولادته قد تخطى الناموس الطبيعي ووُلد بكيفية سرية عجيبة، منفرداً بها عن جميع البشر، وأنه ترك العالم بكيفية ممتازة إذ صعد إلى السماء حياً وبقي فيها خالداً، بينما الكل يموتون وتفسد أجسادهم. ومعنى هذا أن المسيح أزلي أبدي، كائن قبل أن يراه العالم، وهو الآن حي باق.

فإذا كان المسيح دون عامة البشر أزلياً أبدياً، وكانت الأزلية والأبدية من صفات الله الحي القيوم وحده، فإذاً يكون إثبات هاتين الصفتين للمسيح إقراراً بلاهوته.

وما دام الإسلام قد أقرّ للمسيح بهاتين الصفتين، فقد صادق على هذا الحق الذي لا شك فيه.

الفصل الثالث:

كمال المسيح الأخلاقي

ذكر القرآن للمسيح مركزاً ممتازاً وخاصاً به في الكمال، فبينما نراه قد سجل على جميع البشر نقصهم الأخلاقي، وسقوطهم تحت سلطان الإثم بلا تفريق بين الأنبياء والرسل جميعاً، نراه قد أقرّ للمسيح بالتنزيه عن الآثام والعصمة من الشرور والخطايا. فالقرآن قد صرّح بأن البشر أجمعين سقطوا تحت سلطان الخطية وكانوا من الآثمين، وهذا واضح من قوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (سورة مريم 19: 71) كما أنه سجل على جميع الأنبياء سقوطهم في الشر المبين، ماعدا المسيح وحده، فقد أقرّ له بالعصمة والتنزيه.

وها نحن نورد على سبيل المثال شيئاً من تلك التصريحات العديدة التي سجل فيها القرآن خطايا الأنبياء والمرسلين. فقال عن آدم: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (سورة طه 20: 121) وقال عن نوح: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً (سورة نوح 71: 28) فقد أثبت عليه هنا الإستغفار، ولا يستغفر إلا آثم. كما سجل على إبراهيم الكذب في حادثة تكسير الأصنام، إذ يقول: فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ,,, قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسَأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (سورة الأنبياء 21: 58-63) وكذلك: وَالّذي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (سورة الشعراء 26: 82) وأثبت على موسى الضلال بقوله: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالّينَ (سورة الشعراء 26: 20) وشهد عن داود بسقوطه العظيم ثم استغفاره وتوبته: وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (سورة ص 38: 24 و25)

ونكتفي بهذا القدر القليل الذي أوردنا على سبيل المثال عن اعتراف القرآن بسقوط الأنبياء والمرسلين،فالإسلام صرّح بنقص البشر الأخلاقي، وسجل على أفاضل الناس وخيرة الأنبياء والمرسلين ارتكاب الأوزار وإتيان الخطايا، وطلبهم الصفح والغفران.

أما المسيح الممجد فالقرآن يرفعه إلى أسمى عليين، ويخلع عليه مقاماً خاصاً ومركزاً ممتازاً، إذ يثبت له عصمته من الآثام وحده دون البشر أجمعين، ويقرّ له بتنزيهه عن الشرور، فلا يسجل له خطية ولا يذكر له وزراً كباقي الرسل والأنبياء. ومن الجهة الأخرى يورد عنه عصمته وكماله، فقد ذكر على لسانه: وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً (سورة مريم 19: 31 ، 32) وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (سورة آل عمران 3: 36)

وقال الرازي في تفسيره لكلمة المسيح: في ذلك مذاهب نأتي بملخص بعضها. منها أنه مُسح من الأوزار والآثام ... ومنها أنه مسحه جبريل بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان. كما قال عند تفسيره آية: وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين إنه وجيه في الدنيا بسبب أنه مبرَّأ من العيوب، وفي الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عند الله (الرازي مجلد 3 وجه 676). وهذه كلها تنطق ببراءة المسيح من الذنوب وعصمته عن الآثام والشرور، وتثبت له في الإسلام مركزاً ممتازاً من جهة كماله الأخلاقي، وتفرد له مقاماً خاصاً من دون البشر جميعاً.

يُضاف إلى هذا، ويؤيده بكيفية قاطعة تلك الأحاديث التي تشهد بعصمته دون جميع الأنبياء والمرسلين، فقد ورد عن أبي هريرة: سمعت رسول الله يقول ما من مولود من بني آدم إلا نخسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من نخسه إياه إلا مريم وابنها. وروى البخاري هذا المعنى فقال: كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب ليطعن فطعن في الحجاب .

وقال الغزالي: لما وُلد عيسى ابن مريم عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالت: لقد أصبحت الأصنام منكسة الرؤوس. فقال: هذا حادث قد حدث، مكانكم، حتى أتى خافقي الأرض فلم يجد شيئاً. ثم وجد عيسى عليه السلام قد وُلد، والملائكة حافين به، فرجع إليهم فقال: إن نبياً قد وُلد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا حاضرها إلا هذا، فايْأسوا أن تُعبد الأصنامُ بعد هذه الليلة، ولكن ائْتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة (أحياء العلوم للغزالي جزء 3 وجه 37) .

وكل هذا إقرار صريح بعصمة السيد المسيح، وانفراده وحده بالعصمة والكمال. ولم يكن الإسلام في هذه الآيات والأحاديث والتأويلات وما يشبهها إلا مصدقاً لما بين يديه في التوراة والإنجيل من الشهادات العديدة عن كمال المسيح وبراءته من كل ذنب أو تجريح فهو الّذي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ (1 بطرس 2: 22) وهو الذي استطاع أن يتحدى خصومه قائلاً: مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ (يوحنا 8: 46)

فإذا كان الإسلام قد أقرّ للمسيح بأنه هو الواحد الأحد الذي عاش منذ مهده بريئاً من كل إثم، نقياً من كل دنس، كاملاً معصوماً. في الوقت الذي حُكم فيه على جميع البشر بما فيهم الأنبياء والرسل بالسقوط والتدنس. إذا كان هذا مركز المسيح الأخلاقي في الإسلام، وإذا ذكرنا أن العصمة هي لله وحده المنفرد بالكمال دون شريك أو شبيه، فهل نخطئ حين نقول إن الإسلام يقر للمسيحية بصحة عقيدتها عن لاهوت المسيح الممجد؟

الخلاصة

ميّز الإسلام المسيح عن جميع البشر واعترف له بالعصمة والكمال، مما يدفع إلى الاعتقاد بلاهوته، لأنه لا كامل إلا الله.

الفصل الرابع:

قدرات المسيح الفائقة

1 - العلم بالغيب

جاء على لسان المسيح: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة آل عمران 3: 49) .وفي تفسير الجلالين لهذه الآية أنّه كان يخبرهم بما لم يعاينه فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد. فالنص والتفسير صريحان في أن المسيح كان يعلم الغيب وينبئ بما في الصدور.

وبينما نرى القرآن يقرّ هنا للمسيح بهذه القدرة، نراه في نصوص أخرى عديدة ينكرها على البشر أجمعين بما فيهم الرسل والأنبياء، بلا فارق أو استثناء، كما نراه في نصوص أخرى يثبت أن علم الغيب صفة خاصة به تعالى، وأن هذه القدرة محصورة فيه وحده جل شأنه. وإليك بعض هذه الآيات التي أنكر فيها على الأنبياء والرسل والبشر جميعاً القدرة على علم الغيب وحصرها في الله وحده: يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلّامُ الْغُيُوبِ (سورة المائدة 5: 109) و وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (سورة الأنعام 6: 3) ومَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ الّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ,,, قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ (سورة الأنعام 6: 48-50

فإذا كان الإسلام قد أقرّ أن علم الغيب خاص بالله وحده، وأقرّ أن المسيح كانت له هذه القدرة. فمعنى هذا أن الإسلام يرفع المسيح عن مرتبة البشر، وفي هذا إقرار منه بلاهوت المسيح. وتلك هي النتيجة المنطقية لتصريحات الإسلام.

2 - قوة الخلق

جاء على لسان المسيح: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرَاً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة آل عمران 3: 49) ..

ففي هاتين الآيتين شهادة صريحة واعتراف جلي بإتيان المسيح المعجزات الباهرة، والقيام بالأعمال الخارقة للطبيعة، حتى إنّ الذين كفروا ممن شاهدوا هذه المعجزات قالوا: إنْ هذا إلا سحر مبين.

ومن بين تلك العجائب التي ذكرها القرآن عن المسيح قدرته على أن يخلق من الطين طيراً بنفخه فيه. وأنّ الباحث المنصف لا يستطيع أن يواجه شهادة كهذه جاء بها القرآن عن المسيح دون أن يرى فيها إقراراً صريحاً بسمو شخصية المسيح عن طبقة البشر. وعندما نواجه هذه الشهادة بآيات أخرى جاء بها القرآن في نفس الموضوع نجد أنها لا تقف عند حد إثبات امتياز المسيح عن البشر وحسب، ولكنها أيضاً تثبت لاهوته الممجَّد. فالقرآن صرح بأن قوة الخلق هي لله وحده دون سواه. فقال: قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (سورة يونس 10: 34) .وأَوَ لَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الّذي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ,,, أَوَ لَيْسَ الّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (سورة يس 36: 77-81)

فهذه الآيات وما يماثلها أسندت القدرة على الخلْق إلى الله وحده، واتخذت هذه القدرة دليلاً على ألوهيته. فإذا كانت قوة الخلق خاصة من خواص اللاهوت، وآية من آياته، وكان القرآن قد أقرّ للمسيح بهذه القوة والقدرة، فإن النتيجة المنطقية اللازمة هي أن القرآن قد شهد صراحة بلاهوت المسيح.

وقد أيّد القرآن هذا القول بدليل آخر، فهو لم يسجل للمسيح قدرته على الخلق وقوته الإلهية في هذا فقط، ولكنه أقرّ له بالخلق بنفس الطريقة التي خلق بها الإنسان، بقوله في آيتي سورتي المائدة 110 وآل عمران 49 إن المسيح يخلق من الطين، وينفخ فيه فيكون طيراً. وهذا عين ما أعلنه القرآن عن الله في خلقه بقوله: هُوَ الّذي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (سورة الأنعام 6: 2) وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (سورة الأعراف 7: 11 ، 12

فالله في هذه الآيات يخلق الإنسان من طين، وينفخ فيه من روحه فيكون بشراً سوياً, والمسيح يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً حياً. فمن يكون المسيح إذاً؟ لا مرية بعد إذ أنه الإله القدير العظيم.

والخلاصة إن الإسلام قد رأى في قوة الخلق، برهان الألوهية والدليل الأكبر الذي يفرّق بين الإله الحقيقي الأزلي والآلهة المنحوتة.

فإذا كان الإسلام بجانب هذا القرار الصريح قد أثبت للمسيح قدرته على الخلق، فليس هناك معنى لهذا الإثبات إلا اعتراف القرآن للمسيح بلاهوته المجيد. وما كان الإسلام في هذا الاعتراف إلا مصدقاً لما ذكره الوحي الإلهي عن المسيح إذ قال: فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلّ : مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الْأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى,,, الْكُلّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ (كولوسي 1: 16)

3 - قوة الإحياء من الموت:

وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ (سورة آل عمران 3: 49) وإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي,,, وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي (سورة المائدة 5: 110)

لقد أقام المسيح كثيرين من الأموات، فأحيا لعازر (يوحنا 11) ، وأقام ابن أرملة نايين (لوقا 7) ، وأقام ابنة يايرس رئيس المجمع (مرقس 5). وقد قال الجلالان في تفسيرهما: فأحيا عازر صديقاً له، وابن العجوز، وابنة العاشر، فعاشوا ووُلد لهم .

ولا ريب في أن الاعتراف للمسيح بقوة إحياء الموتى إقرار ضمني بلاهوته، لأن قوة الإحياء والإقامة من الموتى خاصة من خواص الله تعالى، وليس له فيها شريك أو قرين، فقد قال: وَهُوَ الّذي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (سورة الحج 22: 66). وهُوَ الّذي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (سورة المؤمنون 23: 80) وضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الّذي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (سورة يس 36: 78-79) .

تلك تصريحات واضحة بينة على أن إحياء الموتى إنما هو لله وحده دون سواه. فلا يحيي العظام إلا هو جل شأنه. ولقد رأينا أن القرآن أقرَّ للمسيح بأنه أحيا العظام وهي رميم، فمن يكون المسيح إذاً؟ إنّه الله الحي القيوم، المحيي المميت، المبدي المعيد.

ولقد قال المسيح: لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْآبَ يُقِيمُ الْأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الِابْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ.,, اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الْآنَ، حِينَ يَسْمَعُ الْأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللّهِ، وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ. لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الِابْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ (يوحنا 5: 21 ، 25 ، 26) .وكان المسيح في خطابه هذا يقدم برهاناً على لاهوته.

فنحن إذا قلنا إن الإسلام يقر لنا بلاهوت المسيح لا نكون مفترين، بل إنما نجاهر بالحق.

الخلاصة

نستخلص مما سبق أن الإسلام أيّد العقيدة المسيحية في لاهوت المسيح بما شهد له به عن قدرته الفائقة الطبيعة، فقد نسب له ما لله من العلم بالغيب، وقوة الإحياء من الموت، مما لا تصح نسبته إلا لله وحده. وفي هذا إقرار من الإسلام بلاهوت المسيح.

الفصل الخامس:

نسبة الحقوق الإلهية للمسيح

1 - الشفاعة

جاء في سورة آل عمران 3: 45 : إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ .وقد فسر الرازي هذه الآية بقوله: وجيهاً في الدنيا بسبب النبوّة، وفي الآخرة بسبب علو المنزلة عند الله تعالى. بسبب أنه يجعله شفيع أمته، ويقبل شفاعته فيهم وفي تفسير الجلالين: وجيهاً ذا جاه في الدنيا بسبب النبوّة والآخرة بالشفاعة والدرجات العلا. وفي تفسير البيضاوي: الوجاهة في الدنيا النبوّة والتقدم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة .

وقال الزمخشري في كشافه: الوجاهة في الدنيا النبوّة والتقدم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة .

أجمع هؤلاء المفسرون على تفسير كلمة وجيه الواردة في الآية بالشفاعة. وبينما نرى الإسلام قد أثبت للمسيح هذا الإختصاص نراه أولاً قد أنكر هذا الحق على كل من عداه من البشر بما فيهم الأنبياء والرسل وثانياً نراه في الوقت نفسه يصرح بأن الشفاعة حق من حقوق الله جل شأنه.

أما عن الأمر الأول فنذكر سورة التوبة 9: 80 اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وقد جاء تفسير الجلالين لهذه الآية ما نصه: استغفر يا محمد أو لا تستغفر لهم تخيير في الاستغفار وتركه. وقال البيضاوي في تفسيره: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم كما نص عليه بقوله: إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم .

وجاء في سورة الفتح 48: 11: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً .ويقول تفسير الجلالين لهذه الآية: قل فمن إستفهام بمعنى النفي، أي لا أحد يملك لكم من الله شيئاً إنْ أراد بكم ضراً. وفسرها البيضاوي: قل فمن يملك لكم من الله شيئاً فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه إنْ أراد بكم ضراً ما يضركم كقتل أو هزيمة أو خلل في المال والأهل عقوبة على التخلف .

والنتيجة التي لا يمكن استنباط غيرها من هاتين الآيتين وتفسيرهما هي ان الشفاعة من البشر باطلة لا تنفع ولا تُقبل، فمن ذا الذي يشفع عنده، وهو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم؟

هذا عن الأمر الأول، وهو إنكار الإسلام الشفاعة لغير المسيح. أما عن الأمر الثاني، وهو تصريح الإسلام بأن الشفاعة حق محصور في الله وحده دون سواه، فقد جاء في سورة السجدة 32: 4 : اللّهُ الّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ؟ .وفي تفسير الجلالين لهذه الآية: ما لكم يا كفار مكة من دونه أي غيره من ولي اسم ما، بزيادة من أيّ ناصر ولا شفيع يدفع عذابه عنكم أفلا تتذكرون هذا فتؤمنون .

وجاء في سورة الزمر 39: 44 قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .وصراحة هذه الآية لا تحتاج إلى تفسير أو تعليق. فإذا كان الإسلام قد صرح بأن لا شفاعة للبشر، وأن هذه الشفاعة من حقوق الله جل شأنه، في الوقت الذي أثبتها فيه للمسيح، كانت النتيجة المنطقية لهذا هي إقرار الإسلام بلاهوت المسيح. ولم يكن الإسلام في هذا إلا مصادقاً على صحة العقيدة المسيحية التي تعلّم أن المسيح هو شفيعنا لدى الآب السماوي العادل الرحيم، وأنه لا شفيع سواه نرجوه، إذ قدم ذاته كفارة عن خطايا العالم أجمع بذبيحة نفسه. قال الرسول يوحنا : إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الْآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كل العالم أَيْضاً (1 يوحنا 2: 1 ، 2) وقال بولس الرسول: فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلّصَ أَيْضاً إِلَى التَّمَامِ الّذينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللّهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ (عبرانيين 7: 25) فشكراً لله لأجل المسيح الشفيع العظيم الذي بشفاعة ذبيحته المقدسة يستطيع كل خاطئ أثيم، يرجع إلى الله ويؤمن به من كل قلبه، أن ينال تطهير خطاياه ويربح الحياة الأبدية، ويحصل على الميراث الذي لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل.

2 - المسيح الديّان

روى البخاري: لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً (صحيح البخاري جزء 3 صفحة 107). فهذا الحديث ناطق بأن المسيح سيأتي ديّاناً عادلاً، وهذا ما يعلنه الوحي الإلهي في الإنجيل المقدس حيث قال المسيح: لِأَنَّ الْآبَ لَا يَدِينُ أَحَداً، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلّ الدَّيْنُونَةِ لِلِابْنِ (يوحنا 5: 22) وفي ختام سفر الرؤيا: وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعاً وَأُجْرَتِي مَعِي لِأُجَازِيَ كُلّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ (رؤيا 22: 12)

فالإسلام - كما يُرى في الحديث السابق تكلم عن المسيح كديّان عادل، فصادق بذلك على صحة المعتقد المسيحي فيه، وافق قول الإنجيل الطاهر. ولا ريب في أن الدينونة هي عمل داخل دائرة سلطان الله، ولن يستطيع إنسان مهما سما قدره أن يتجرأ على أن يشارك الله تعالى هذا السلطان الخاص به. فإذا كان الإسلام قد نسب للمسيح هذا الحق، فما هو إلا شهادة منه على صدق العقيدة المسيحية عن لاهوت المسيح.

3 - المسيح مصدر الحياة

مرّ بنا عند الكلام عن ألقاب المسيح في القرآن أن الرازي فسر لقب روح منه بأنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم، وأن البيضاوي قال: سُمّي روحاً لأنه كان يحيي الأموات والقلوب. إذاً فالمسيح بحسب إقرار هذين الإمامين لم يكن سلطانه للإحياء مقصوراً على إقامة الموتى بالجسد، ولكنه أيضاً كان كما هو كائن وسيكون إلى الأبد ذا سلطان لإحياء القلوب، ومنح النفوس سر الحياة الداخلية.

وهذا بعينه ما أعلنه عن نفسه بقوله: أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا (يوحنا 11: 25) وقوله: وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ (يوحنا 10: 10). وهذا أيضاً ما أعلنه الرسول بولس بقوله: صَارَ آدَمُ الْإِنْسَانُ الْأَوَّلُ نَفْساً حَيَّةً، وَآدَمُ الْأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً (1 كورنثوس 15: 45) فالإسلام يصدّق على ما جاء به الإنجيل عن المسيح كواهب الحياة ومصدرها. ومن الأمور البديهية أن سلطان إحياء القلوب حق من حقوق الله تعالى، وأن الضمير النقي لا يسمح بأن يُنسب لبشرى هذا السلطان. ولذلك فإن شهادة الإسلام للمسيح بأنه الحياة تأييد منه للعقيدة المسيحية عن لاهوت المسيح.

خلاصة الباب الرابع

رأينا في هذا الباب أن الإسلام أقرّ بلاهوت المسيح بما أثبته له من الألقاب التي لقَّبه بها، ومن الحقائق الخاصة التي صرح بها عن حياته في ذاتها، وبما شهد له به من الكمال الأخلاقي، وبما قرره له من القدرة الفائقة الطبيعة، ثم من الإختصاصات والوظائف التي هي من حقوق الله وحده، لما له من مركز ممتاز. وكفى بذلك دليلاً على لاهوت المسيح، له المجد إلى أبد الدهر. آمين.

الفصل السادس:

المسيح الإنسان

أفاض القرآن في الكلام عن المسيح كرسول بعثه الله إلى العالم، فقد جاء في سورة النساء 4: 1إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ .واتخذ البعض تصريح القرآن بأن المسيح رسول الله دليلاً ينفي الألوهية عنه. ولكننا لا نرى فيه أيّ إنكار أو مساس بالعقيدة المسيحية الصحيحة عن المسيح، فالمسيحية أيضاً تتكلم عن المسيح كرسول، وهي في هذا تنطق بما صرح به المسيح عن ذاته القدوسة. ففي مواضع كثيرة تكلم عن رسالته إلى العالم من قِبَل الآب، ومن ذلك قوله لتلاميذه: طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الّذي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ (يوحنا 4: 34). وقوله: يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الّذي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ (يوحنا 9: 4)

ولرسالة المسيح معنى خاص غير معنى رسالة الرسل الآخرين. فهي رسالة تؤيد لاهوته، وتعلن غاية مجيئه في الجسد. هي رسالة معناها إتيان الأقنوم الثاني إلى العالم متحداً بالناسوت الذي أخذه من العذراء مريم. هي رسالة خاصة به تختلف اختلافاً كلياً عن رسالة البشر المبعوثين.

وكان القصد الجوهري من هذه الرسالة هو إعلان الله للعالم إعلاناً تاماً وحقيقياً، عجز الرسل والأنبياء عن إبلاغه للبشر بصورته التامة. ففي المسيح الإله المتجسد رأينا قداسة الله الكاملة، وبغضه للخطية. وفيه رأينا عدله وحكمته ورحمته الفائقة الوصف، ومحبته لخليقته في صورتها اللانهائية. رأينا هذا كله في حياة المسيح التي فيها قدم المثل الأعلى للحياة الأخلاقية الكاملة، ورأيناه بصورة عملية في موته على الصليب.

ففي ذبيحة المسيح رأينا قداسة الله وبغضه للخطية حتى قدم نفسه فداءً يمحو سلطانها، ويمنح البشر قوة الغلبة عليها. وفيها رأينا عدله الكامل الذي جعله يوفي حقوق ذلك العدل التي كانت مطلوبة منا كاملة في شخصه، تقديساً لتلك الحقوق وإيفاءً لها. وفيها رأينا رحمته التي جعلته يستوفي حقوق عدله المطلوبة منا في شخصه، ويموت هو لكي نحيا نحن، ويتألم هو لكي نستريح بآلامه. وفيها رأينا حكمته التي ظهرت في الجمع بين مطلبي الرحمة والعدل المتغايرين، عن طريق التجسّد والفداء. وفيها رأينا محبته الفائقة الوصف، فليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع الإنسان نفسه لأجل أحبائه، كما قال هو لتلاميذه الحواريين (يوحنا 15: 13) .

كان تجسد المسيح لأغراض كثيرة. وكان مجيئه كرسول، ليعلن الله للعالم إعلاناً صحيحاً واحداً من تلك الأغراض الكثيرة. وكان تجسُّد المسيح هو الطريق الوحيد لتحقيق تلك الأغراض جميعها، كما أنه كان الطريق الوحيد لتأدية الرسالة لإعلان الله على الوجه الأكمل.

إنه سر عميق، وعمقه يضاعف جلاله، ويزيد في الإحساس بمحبة الله التي تجلّت في مجيئه بالجسد.

أما أن المسيح جاء رسولاً ليعلن الله للعالم فهذا ما يخبرنا به الوحي الإلهي في قوله: وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الْآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.,, اللّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلِابْنُ الْوَحِيدُ الّذي هُوَ فِي حِضْنِ الْآبِ هُوَ خَبَّرَ (يوحنا 1: 14 ، 18)

وأما أنّه أدى هذه الرسالة على وجهها الأكمل، فهذا ما أعلنه المسيح في قوله لفيلبس تلميذه: الّذي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْآبَ (يوحنا 14: 9) وكذلك في حديثه مع اليهود حيث قال: الّذِي يَرَانِي يَرَى الّذي أَرْسَلَنِي (يوحنا 12: 45)

وقد وقف قائد المائة تحت الصليب، ولم يستطع أمام صورة المحبة التي رآها في المسيح إلا أن يشعر بأن المصلوب لم يكن إنساناً عادياً، وأن المحبة التي تمثلت في تلك التضحية لم تكن محبة بشرية، لكنها كانت محبة إلهية. وفي المسيح المصلوب رأى قائد المائة الله الذي لا يُرى، فصرخ لوقته: حَقّاً كَانَ هذَا الْإِنْسَانُ ابْنَ اللّهِ (مرقس 15: 39)

لقد كان المسيح رسولاً، وكان لرسالته معنى خاص امتازت به عن رسالة الأنبياء والرسل، فرسالته كانت لإعلان الله للبشر في شخصه الممجد, وفي هذا يقول الرسول بولس: اللّهُ، بَعْدَ مَا كَلّم الْآبَاءَ بِالْأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلّمنَا فِي هذِهِ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ (عبرانيين 1: 1، 2)

وهذه الرسالة بمعناها الخاص لا تطعن في لاهوت المسيح، بل على العكس هي تفسر مجيء الله بالجسد إلى العالم. والإسلام في كلامه عن المسيح كرسول لم يناقض المسيحية في شيء، فالمسيحية تقول: والكلمة صار جسداً وحل بيننا والإسلام يقول: إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم. وكلا القولين يفيد معنى واحداً هو أن الله قد اتخذ جسداً من العذراء مريم وجاء إلى العالم ليمنحه فداء وحياة أفضل.

والكلام عن المسيح كرسول معناه الكلام عنه كإنسان، فكيف يكون المسيح إلهاً وإنساناً معاً؟

يظن البعض أن هذا القول ينفي لاهوت المسيح ويناقض العقيدة المسيحية في ذاته القدوسة، ولكن هذا قول مردود، لأن المسيحية لا تعلّم أن المسيح إله وحسب، أو إنسان مجرد، بل إنه إله حق وإنسان حق، وأن اللاهوت فيه قد اتحد بالناسوت، اتحاداً لا اختلاط فيه ولا امتزاج، ولا فناء، وذلك بسرٍّ يفوق الإدراك البشري ويسمو فوق مستوى العقول.

ولقد تكلم الإنجيل عن المسيح كإله وكإنسان، بل إنّ المسيح نفسه قرّر هذا عن شخصه الممجد، فأعلن أنه والآب واحد (يوحنا 10: 30). كما أعلن أنه ابن الإنسان (لوقا 19: 10). واستعمل التعابير التي تنبئ بلاهوته واتحاده الكامل بالله الآب ومساواته له (يوحنا 17: 14). كما استعمل التعابير التي تشير إلى ناسوته، كقوله لمريم المجدلية: وَلكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ (يوحنا 20: 17)

ولو أن المسيحية علّمت باختلاط أو امتزاج بين طبيعتي اللاهوت والناسوت في المسيح، لكان هناك محل لاتخاذ التعابير التي تشير إلى ناسوته برهاناً على ضلال التعاليم المسيحية وبطلانها. أما والمسيحية تعلّم بأن كلتا الطبيعتين ومع اتحادهما التام في ذات المسيح قد حفظتا كيانهما وخواصهما، فلم يبق مجال للإعتراض على هذا التعليم إستناداً إلى التصريحات الإنجيلية والقرآنية التي تشير إلى ناسوته له المجد.

ويجدر بنا هنا أن نذكر أن كفارة المسيح لم تُبْنَ إلا على أساس التعليم باتحاد الطبيعتين فيه، مع احتفاظ كل منهما بكيانها وخواصها، لأن الكفارة كانت تستلزم ذبيحة دموية حقيقية، وهذه الذبيحة تستلزم جسداً حقيقياً تماماً، وهذا الجسد هو جسد ابن البشر. لأن الكفارة كانت تستلزم أن يكون في هذا الجسد، المقدم فدية عنا جسداً فوق الطبيعة البشرية، لتكون له القيمة التي توفي مطالب العدل الإلهي كاملة، ولتجتمع فيه الرحمة والعدل معاً, ولهذا شاءت محبته تعالى أن يحل اللاهوت في جسد ابن الإنسان، لتكون الكفارة كفارة إلهية، يستوفي بها العدل الإلهي جميع حقوقه كاملة. وهذا ما اجتمع في المسيح الإله والإنسان، ولهذا لا يمكن أن يُعتبر الكلام عن ناسوت المسيح ناقضاً لحقيقة لاهوته، ولا يمكن اتخاذه برهاناً ضد صدق تعليم المسيحية عن لاهوت المسيح.

الخلاصة

نرى مما سبق أنه من الخطأ أن يعتبر ما أثبته الإسلام عن ناسوت المسيح سواء في الكلام عنه كرسول، أو فيما ذكره من التصريحات الأخرى تهجُّماً على العقيدة المسيحية، أو إنكاراً لها. والذي يطالع سورة النساء 171 يرى أن القرآن ذكر أن المسيح كلمة الله وروح منه في ذات العبارة التي تكلم فيها عنه كرسول، فيعلم أن الإسلام قد أثبت للمسيح لاهوته وناسوته معاً. وهذا هو ما تعلم به المسيحية.