التحايل على الزنا

 

 

ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير وفي الجزء الثالث منه نقلاً عن عمران بن حصين الصحابي المشهور قال : أنزل الله في المتعة آية وما نسخها بآية اُخرى وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بالمتعة وما نهانا عنها ثم قال رجل برأيه ما شاء .
وأخرج البخاري عن عمران بن حصين أيضاً قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات صلى الله عليه وآله . 
وأخرج الامام أحمد في مسنده من طريق عمران القصير عن أبي رجاء عن عمران الحصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى مات صلى الله عليه وآله . 
2 ـ روى جماعة من الصحابة الكرام منهم اُبي بن كعب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود أنهم قرأوا ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ) وفي هذه القراءة صراحة واضحة بأن المقصود هو عقد المتعة ، وقد ذكر الثعلبي في تفسيره عن حبيب أبي ثابت قال : أعطاني ابن عباس مصحفاً فقال هذا على قراءة ( أبي ) فرأيت في المصحف ( فما استمتعتم منهن إلى أجل مسمى إلخ ) وباسناده عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس عن المتعة فقال أما تقرأ سورة النساء فقلت بلى فقال فما تقرأ استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى إلخ ، قلت لا أقرؤها هكذا قال ابن عباس رضي الله عنه والله هكذا أنزلها تعالى ثلاث مرات ، وباسناده عن سعيد بن جيير أنه قرأها كذلك

ـ ذكر الإمام ابن حزم الأندلسي إمام أهل الظاهر في الجزء التاسع صحيفة ( 519 ـ 520 ) من كتابه المحلى ما يأتي : 
إن نكاح المتعة كان حلالاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخ على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فقوله كان حلالا على عهده صلى الله عليه وسلم يدل على وجود النص في القرآن الكريم بذلك . 
4 ـ جاء في كتاب معرفة الناسخ والمنسوخ لأبي عبدالله محمد بن حزم أن الآية العاشرة من سورة النساء وهي قوله تعالى ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) نسخت بقوله صلى الله عليه وسلم إني كنت أحللت هذه المتعة ألا وأن الله ورسوله قد حرماها ألا فليبلغ الشاهد الغائب ووقع ناسخها من القرآن بآية المواريث وبآية ( والذين هم لفروجهم حافظون ) . 
5 ـ نقل الإمام المعروف بأبي جعفر النحاس المتوفى عام 338 هـ في كتابه الموسوم بالناسخ والمنسوخ ما ملخصه : 
( وقال جماعة من العلماء كانت المتعة حلالا ثم نسخ الله جل شأنه ذلك بالقرآن ) ومما قال هذا سعيد بن المسيب وهو يروي عن ابن عباس وعائشة وهو قول القاسم وسالم وعروة . 
فقوله نسخ الله ذلك بالقرآن دليل على أن المتعة عمل بها بنص من القرآن . 
6 ـ أما الإمام الفقيه الفيلسوف الأصولي القاضي أبى الوليد محمد بن رشد الأندلسى المتوفى عام 595 هـ فقد ذكر في كتابه الشهير والمعروف ببداية المجتهد ونهاية المقتصد وهو من كتب الفقه القيمة المعتبرة ما يأتي : 
( ... واشتهر عن ابن عباس تحليلها وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن ورووا أن ابن عباس كان يحتج بقوله تعالى ( فما استمتعتم

 

 


به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم ) وفي حرف عنه إلى أجل مسمى أى بزيادة هذه الجملة في بعض القراآت كما تقدم إلخ . 
7 ـ وجاء في كتاب تنوير المقياس من تفسير ابن عباس لأبى طاهر محمد ابن يعقوب الفيروزبادي الشافعى صاحب القاموس ما يلي : 
( أن تبتغوا ) تتزوجوا ( بأموالكم ) إلى الأربع ويقال إن تشتروا بأموالكم أن تطلبوا بأموالكم فروجهن وهي المتعة وقد نسخت الآن ( محصنين ) يقول كونوا معهن متزوجين ( غير مسافحين ) غير زانين بلا نكاح ( فما استمتعتم ) استنفعتم ( به منهن ) بعد النكاح . 
ثم قال في قوله تعالى ( إن الله كان عليما ) فيما أحل لكم المتعة ( حكيما ) فيما حرم عليكم المتعة ويقال عليما باضطراركم إلى المتعة حكيما فيما حرم عليكم المتعة إلخ ... 
وهناك روايات تفوت الحصر كلها تثبت وتؤيد صحة الأقوال والأسانيد الآنفة الذكر بتحليل المتعة بالآية العاشرة من سورة النساء وهي قوله تعالى ( فما استمتعتم به منهن ... الاية ) ولكن اكتفينا بهذا القدر لحصول القطع بصدق الأخبار في هذا الباب

 

وأسباب إباحتها

: اخراج الإمام البخاري ومسلم في الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال كنا نغزوا مع رسول الله ( ص ) وليس شيء (1) فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك

 

ثم رخص لنا ان ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) الآية .. 
لايخفى أن هذه الآية التي استشهد بها الرسول الكريم ( ص ) محكمة ومطلقة وأن النساء من جملة الطيبات في الحياة الدنيا ويتضمن استشهاده ( ص ) إنكاره لقول من يقول بالتحريم وهذا ما ذهب إليه أيضاً العلامة شرف الدين مؤلف كتاب : الفصول المهمة في تأليف الأمة . 
وأخرج الإمام البخاري أيضاً عن عمران بن حصين قال نزلت آية المتعة في كتاب ففعلناها مع رسول الله ( ص) ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات ( ص ) قال رجل برأيه ما شاء . قال الرازي في تفسيره يريد بقوله : ( قال رجل برأيه ما شاء ) عمر بن الخطاب . 
وأخرج الإمام أحمد (1) في مسنده نفس ما أخرجه الإمام البخاري عن عمران ابن حصين ولكن من طريق عمران القصير . 
« ثانياً » جاء في صحيح الترمذي أن رجلاً من أهل الشام سأل إبن عمر عن متعة النساء فقال هي حلال فقال إن أباك قد نهى عنها فقال ابن عمر : أرأيت إن كان أبى نهى عنها وصنعها رسول الله ( ص ) أنترك السنة ونتبع قول أبي . وقد نقل هذا الجزء أيضاً العلاّمة « 1 » الحلي في كتابه نهج الصدق والشهيد الثاني في نكاح المتعة من روضة البهية . 
« ثالثاً » ـ أ ـ أخرج مسلم في باب نكاح المتعة من صحيحه (2) عن عطاء قال قدم جابر بن عبدالله معتمراً فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال نعم استمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) وأبى بكر وعمر الخ . 
( ب ) وأخرج مسلم أيضاً عن ابي نضرة قال : كنت عند جابر بن عبدالله
______فأتاه آت فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر فعلناهما مع رسول الله ( ص ) ثم نهانا عنها عمر فلم نعدلهما . 
( ج ) وأخرج مسلم أيضاً : عن أبي الزبير قال : سمعت جابر بن عبدالله يقول كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ( ص ) وأبى بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث . 
« رابعاً » روى مالك ( رض ) في صحيفة 74 من الجزء الثاني من الموطاء عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب ( رض ) فقالت أن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر رداءه فقال : هذه المتعة ولو كنت تقدمت لرجمت . 
ملاحظة : أن الظاهر من استمتاع ربيعة بن أمية ومن قول الإمام عمر أن المتعة كانت حلالاً حتى وقعة عمرو بن حريث لهذا لم يقم الإمام عمر باقامة الحد على ربيعة بن أمية كما يعرب كلام أبي حفصة بعدم وقوعه منه وقد ذكر عمر ( رض ) كلمة الرجم للتشديد في التهديد لأنه يعلم بعدم جواز ايقاعه بمن نكح بالعقد المنقطع . 
« خامساً » نقل الإمام الفيلسوف ابن رشد الأندلسي في الجزء الثاني صحيفة 47 ـ من كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد ما يأتي : 
روى عن ( أي ابن عباس ) أنه قال ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها امة محمد ( ص ) ولولا نهى عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقى وهذا الذي روى عنه ابن عباس رواه عنه ابن جريح وعمرو بن دينار . ) 
وذكرا بن رشد رحمه الله أيضاً في نفس الصحيفة ( وعن عطاء قال : سمعت جابر بن عبدالله يقول : تمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) وأبى بكر ونصفاً من خلافة عمر ثم نهى عنها عمر الناس .


« سادساً » ذكر امام أهل الظاهر ابن حزم الاندلسي في صحيفة 519 ـ 520 من الجزء التاسع من كتابه المحلي أسماء الأشخاص من السلف ( رض ) عنهم الذين أصروا على تحليل نكاح المتعة بعد وفاة رسول الله ( ص ) وهم من الصحابة أسماء بنت أبي بكر الصديق ( أم عبدالله بن الزبير ) وجابر بن عبدالله وابن منصور وابن عباس ومعاوية بن أبى سفيان وعمرو بن حريث وأبو سعيد الخدري وسلمة ومعبد إبنا أمية بن خلف ورواه جابر بن عبدالله عن جميع الصحابة مدة رسول الله ( ص ) ومدة أبى بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر واختلف في إباحتها عن ابن الزبير ، وعن علي بن أبي طالب ( ع ) فيها توقف وعن عمر بن الخطاب أنه إنما انكرها إذ لم يشهد عليها عدلان وأباحها بشهادة عدلين ومن التابعين طاوس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكة أعزها الله . 
ملاحظة : ان ابن حزم رحمه الله رغم ما ذكره في محلاه كما قرأت فانه يقول بعدم حليتها لإجماع المتأخرين على تحريمها حسب الظاهر ومثله ابن رشد رحمة الله فهما على الرغم مما خاطرهما من الشك في صحة روايات التحريم كما هو بارز فيما أورداه في كتابيهما فقد أخذا بالإجماع الذي أوجب الحرمة عند المانعين ولكن اعتقادنا الشخصي أنهما عملا بالتقية قهراً وان كانا لا يعتقدان بها وذلك مجاراة للرأي العام خشية من هياجه ضدهما وللرأي العام قوته وسلطانه في كل أدوار التاريخ .. 
« سابعاً » ومن الأخبار المقطوع بها أيضاً ما رواه الراغب الإصفهاني في كتابه الموسوم بالمحاضرات وهو من آثاره الجليلة والراغب كما يعرفه أهل العلم من كبار علماء الجمهور القائلين بتحريم المتعة بدليل الإجماع وهو من الثقاة الذين يعول على نقلهم وروايتهم فإنه ذكر في كتابه المذكور ج ( 2 ) منه بعبارته الآتية : أن عبد الله ابن الزبير عير ابن عباس بتحليله المتعة فقال له ابن عباس سل أمك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك ، فسألها فقالت والله ما ولدتك إلا بالمتعة انتهى

يحارب الوهابية زواج المتعة ، الذي قال بنسخه طائفة من الأمة ، وعارض
النسخ آخرون هم الشيعة ، وهو زواج مؤقت باتفاق الطرفين ، ويشنِّع
الوهابية على الشيعة في ذلك تشنيعاً كبيراً ، ويتهمونهم بإشاعة الفاحشة
في الأمة ، ولكن الذي يجهله كثيرون خارج ديار الحرمين أن الوهابية بل
كبار علمائهم يحِلُّون بدعة جديدة يسمونها زواج المسيار [8]، وقد تداولت
ذلك وسائل إعلامهم المختلفة ، ونشرت فتوى جوازه أيضا- وعلى لسان الشيخ
ابن باز في باب (واسألوا أهل الذكر) - المجلة العربية ، الرياض ، عدد
232 ، جمادى الأولى 1417هـ .

وطريقة هذا النكاح أن يتزوج رجل امرأة بعقد يستوفي الشروط المشروعة
ولكن لا تخلو صورة من صوره من التالي أو بعضه :

- السرِّيَّة ؛ فيكون الزواج غير معلَن.

- أن يشترط فيه عدم الإنفاق.

- أن لا يكون فيه مبيت .

- عدم اشتراط الولي.

- في نية الرجل المسبقة خلال العقد أنْ يطلِّق بعد أمدٍ ، من غير
أن تدري الزوجة بذلك[9] .

نقول:

أولا: الإعلان من شروط النكاح الشرعي ، وهو جائز الغياب هنا ، مما يعني
خروج امرأة وأبناء يطالبون بميراث بعد موت أبيهم لا تدري بهم الزوجة
الأولى ولا أبناؤها مما يعني الشقاق والخلاف ، ولا يخفى أن من مقاصد
التشريع إشاعة الإخاء والمودة في المجتمع ، لا الشقاق والنـزاع ، كما أن
عدم إعلان النكاح كفيل بجعل العقد باطلاً عند كثير من الفقهاء (حاشية
الدسوقي على الشرح الكبير 2/236 237).

والراجح أن الإعلان شرط للأحاديث الواردة في الأمر بإعلان النكاح بالدفوف
ونحوها ، فقد قال r : (فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في
النكاح) رواه النسائي وابن ماجة وأحمد ، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي
r قال : (أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال) رواه ابن ماجة ،
والأمر بالإعلان ورد في أحاديث أخرى رواها أحمد ، والترمذي ، وابن ماجة ،
والنسائي.

ومسألة أخرى هي إثبات الفراش عند التجاحد لحفظ النسب ، وكيف يحصل هذا
إلا في نكاح معلن ؟!

ثانياً: لا يكفي في صحة عقد النكاح مجرد توافر الأركان والشروط الظاهرة ،
بل لابد من انتفاء الموانع والمفسدات، ولذلك حكم المحققون من الفقهاء
ببطلان نكاح التحليل ولو لم يذكر فيه شرط التحليل ، وأجمعوا على بطلانه
إذا ذكر الشرط في العقد نفسه (يراجع مبدأ الرضا في العقود (2/1238
1254) وهذا النكاح تقليد لليهود والنصارى في اتخاذ العشيقات مع
الزوجات ، قال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: {ولا متخذات أخدان }:
كانت المرأة تتخذ صديقاً تزني معه ، ولا تزني مع غيره … فلهذا كان عمر بن
الخطاب يضرب على نكاح السر ، فإن نكاح السر من جنس اتخاذ الأخدان ،
والمرأة المحصنة تتميز عن المسافحة بإعلان النكاح .

ثالثاً : العدل مقصد أساسي للشريعة في كل شيء ، بل عليه قامت السماوات
والأرض ، وقام التشريع الإسلامي، ولذلك فحكم الله تعالى واضح فيمن لا يستطيع
العدل بين الزوجتين أن يكتفي بواحدة قال تعالى {فإن خفتم ألا تعدلوا
فواحدة} سورة النساء ، وجاءت السنة المشرفة لتبين خطورة عدم العدالة ،
فقال r : (من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه
ساقط) رواه الترمذي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي (
2/186).

وقوله تعالى { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} أي إن خفتم أن لا تعدلوا في
القسم والنفقة في نكاح المثنى والثلاث والرباع فواحدة .. فدل على أن
العدل بينهن في القسم والنفقة واجب ، وإليه أشار في آخر الآية بقوله
{ذلك أدنى أن لا تعولوا} أي أن لا تجوروا ، والجور حرام فكان العدل واجبا
ضرورة (بدائع الصنائع (3/1548). وقال تعالى في بيان حقوق الزوجة {ولهن
مثل الذي عليهن بالمعروف} سورة البقرة ، وبينت السنة المطهرة أن هذه
الحقوق العامة للزوجات مطلقا فقال النبي r: (ألا إن لكم على نسائكم حقا
ولنسائكم عليكم حقاً.. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن
وطعامهن) رواه ابن ماجة والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح ، كما أن الزوجة
في الإسلام لا تهجر إلا في البيت فحق المبيت ثابت ، ونكاح يخلو من شروط
الإسلام فهو باطل.

رابعاً: النفقة والسكنى من حقوق الزوجة بنص الكتاب قال تعالى {وعلى
المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} سورة البقرة ، وقوله تعالى {لينفق
ذو سعه من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} سورة الطلاق ،
وقوله تعالى{أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن}
سورة الطلاق ، وقوله تعالى في حق المطلقات{لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن
إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}
سورة الطلاق!

فقد اثبت الله تعالى للمرأة حق النفقة والسكنى بصيغ متعددة آمراً بهما ،
وجعل ذلك من حدود الله تعالى التي لا يجوز تجاوزها ، ومن تعدّاها فقد ظلم
نفسه بارتكاب هذا المنكر. ولذلك قال الفقهاء بأن من مقتضيات عقد الزواج
حلاً الاستمتاع والمبيت والنفقة ، والمهر ونحو ذلك، وأن من اشترط شرطا
يخالف مقتضى العقد فإن العقد باطل راجع الماوردي في الحاوي 9/503 ، (9/
507) ، (2/508) ، الكاساني في البدائع (3/1544).

أما مسألة التنازل عن الحقوق فهناك فرق بين شرط التنازل عن الحقوق في
العقد ، أو بعده ولقد فرق الفقهاء بين اشتراط شروط تخالف مقتضى العقد
فتجعله فاسداً ، وبين أن يتم العقد ثم تتنازل المرأة عن حقها كاملاً من
النفقة ، أو المبيت ، أو هي تنفق ، ومثال ذلك المهر فقد ذهب الجمهور
إلى بطلان العقد المشروط فيه نفي المهر ، وبين أن يتم العقد ثم تطييب
نفس المرأة بالمهر.

خامساً: إن عدم وجود الولي في النكاح يبطل العقد عند جمهور الفقهاء ،
قال تعالى {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} سورة البقرة ، وقال النبي
r : (لا نكاح إلا بولي) رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن المديني،
والترمذي ، ومعناه النفي لحقيقة النكاح الشرعية بدليل حديث عائشة رضي
الله عنها: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، باطل ،
باطل ..) رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه الترمذي وأبو عوانة وابن
حبان والحاكم.

سادساً: إنَّ الله سبحانه وتعالى يقول {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم
أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمةً إنَّ في ذلك لآيات لقومٍ
يتفكرون} وأي سكن ذلك الذي بُيِّتتْ له نيةُ الهدم !، وأية مودة ورحمة تلك
التي يكِنُّها من يعبث بشرف النساء ليستمتع بهن وهو لهنَّ خادع! .

سابعاً : أبغض الحلال عند الله الطلاق بنص الحديث النبوي الشريف ، وضع لإنهاء
العلاقة الزوجية عند فشل جدوى باقي السبل ، وهذا الزواج إن لم نقل أنه
مبني على الطلاق فهو مآله المعلوم ، فهؤلاء القوم لم يتزوجوا إلا ليذوقوا
عسائل النساء ، فهو استخدام غير شرعي للطلاق.

ثامناً: هذا غشٌ للمرأة الحالمة بالبيت الهانئ المستقر ، في ظل الزواج
الشرعي الصحيح ، فهذا الزوج قد غشَّها بزواج حدَّ له أمداً معلوماً قبل أن
يكون وهي لا تدري به ؛ والرسول r يقول كما في صحيح مسلم (من غشَّ فليس
مني).

تاسعاً : فوق أنَّ هذا الزواج غشٌ ، وهو كافٍ لحرمته ؛ فهو كذلك استغلال بشعٌ
أناني للمرأة الغافلة العفيفة ، التي لا تدري بأن هذا الزوج ما هو إلا
ذئبٌ جاء لينهش لحمها ثمَّ يرميها هيكلاً محطماً ليعدوا على أخرى.

عاشراً : هذا تشويهٌ لصورة الزواج الشرعي ، الذي هو رباط قدسي ، جعل الله
فيه حماية للمرأة وصيانةً لها ، وهذا التلاعب سيسقط هيبته عند الآباء وعند
النساء ، ويجعلهم يتوجسون الغدر في كل متقدمٍ للزواج. وزواج المسيار لا
يتفق مع كرامة النساء ، بما يجعلهن كالسلعة الرخيصة المخلوقة للاستمتاع
الشهواني بعيداً عن المعاني السامية الكريمة التي يحملها الإسلام لهن،
والأهداف النبيلة التي تصبو إليها شريعتنا الغراء .

حادي عشر: نكاح التحليل محرم بالسنَّة الشريفة وإن كان له شهود وإعلان
وسمي المحلل تيساً مستعاراً لأسباب منها أنه تزوج المرأة لأمدٍ معلوم ، وهذه
تسمية نبوية لهذا الزوج ، وقد أفتى العقلاء من الأمة – ومنهم السادة
المالكية – بأن كلَّ نكاح وقِّت بوقتٍ فهو نكاحٌ باطل[10].

ثاني عشر: هذا تحايلٌ على ما حرَّم الله ، وهو نفس أسلوب اليهود الذين حذَّرنا
القرآن من اتباع خطواتهم ، والذين رمَوا شباكهم يوم الجمعة ليلتقطوها
يوم الأحد ، ظانين بذلك أنهم قد تحايلوا على الله الذي حرَّم عليهم الصيد
يوم السبت ، وسبحان الله!لكأن الوهابية لم يكتفوا بتقليد اليهود في
العقائد فهاهم يقلدونهم حتى في الفقه ، ولكن لا عجب فالمقصد متفِق وهو
خراب ديار الإسلام ، فعقيدتهم لسان حالها يقول : أيها الناس اسرقوا
وازنوا واشربوا الخمر بل وافعلوا كلَّ موبقة ولكن قولوا فقط لا إله إلا الله
وستدخلون الجنة بعد عذاب قليل ، فيا بشرى المنافقين عند هؤلاء ، والله
سبحانه وتعالى يقول {ومن يعص الله ورسوله ويتعدَّ حدوده يدخله ناراً خالداً
فيها وله عذاب مهين} ، ذاك في العقيدة أما في الفقه فهاهم يتحايلون على
الحرام لِيحلُّوه !.

ثالث عشر: إنَّ هذا السِّفاح الذي يدعونه زواجا لَيدلُّ على الفهم الأحمق لدى
هؤلاء المتعفنة فطرهم لمفهوم الزواج ، فهو يدلُّ بوضوح على أنهم يفهمون
الزواج على أنه متعة جنسية للرجل ، متى ما تحققت وشبع من المرأة فله أن
يرمي بها ويذهب إلى أخرى يتلذذ بها وهكذا دواليك ، وليس الزواج الإسلامي
كذلك ، فهو علاقة مقدسة بين الرجل والمرأة فيه السكن والمودة ، وبناء
الأسرة المسلمة وإنجاب الذرية الصالحة التي هي أساس المجتمع الصالح ،
وانظر بنفسك لترى إن كان زواج الوهابية هذا يحقق شيئاً من تلك المطالب!.

رابع عشر: مع أننا نؤمن بأنَّ زواج المتعة منسوخ ، فإنَّه خيرٌ ألف مرَّة
مقارنةً بزواج الوهابية هذا ، فليس فيه غِشٌ للمرأة ولا استغلالٌ ، فهو لا
يكون إلا برضا الطرفين ، وزواج الوهابية تكون فيه المرأة آمنة تحلم
بالمستقبل السعيد مع من تظنه شريك عمرها ، مخلصةً له ، ثمَّ لا تتبين إلا
وكلمة طالق تحلُّ على مسامعها كالصَّاعقة المدوِّية من دون سبب تعلمه ، أو
جرمٍ ترتكبه!

خامس عشر: سمى الرسول الكريم الطلاق أبغض الحلال ، فهو آخر ما يُلجأ إليه
، وهذا الزواج الوهابي سيجعل الطلاق أحبَّ الحلال عند رجالهم السفهاء.

سادس عشر : هذا المسيار لا يحل مشكلة العنوسة بحال ؛ بل يزيد المجتمع
تعقيداً ومشاكل أسرية وخصوصاً في مسألة الذرية . وقد أظهر استبيان في بعض
البلاد التي تعمل بهذا النوع من الزواج أظهر أن غالبية النساء لا ينظرن
إليه كحل، ولكن الحل يكمن في إزالة القيود الاجتماعية ، والقبلية ،
والإقليمية ، والقضاء على الفوارق الطبقية ، وإزالة مظاهر الترف والبذخ
والإسراف والتبذير التي تثقل كاهل الرجل وأهله ، والتخفيف من المهور مع
عناية الدولة بالموضوع من خلال تشكيل هيئة مختصة لها صلاحيات وإمكانات
كبيرة ا

علماً أن الشرع الشريف قد حلَّ مشكلة العنوسة بتشريع واضح في أول سورة
النساء ؛ وفي السنة الغراء بعدم المغالاة بالمهور ، فلماذا الهروب عن
شرع الإسلام والتشبه بالنصارى واليهود في اتخاذ خليلات يلجأوون إليهن من
غير نفقة ولا اشتراط مبيت ؟! ، ووالله إن هي إلا بدعةٌ لهم وزرها ووزر من
عمل بها إلى يوم القيامة.

سابع عشر: هؤلاء الحشوية يدَّعون السلفية ، وحاشا السلف الصالح عنهم ، فمن
أين لهم بالدليل من السُّنَة على جواز فعلتهم ؟! بل ولا دليل حتى من كلام
أئمتهم فقد نقل ابن قدامة (6/551) في زواج النهاريات والليليات أي
اشتراط أن يأتيها في النهار فقط ، أو في الليل فقط ، نقلاً عن المروزي
عن أحمد بن حنبل أن ليس هذا من نكاح أهل الإسلام ، ثم ذكر ابن قدامة أن
زواج السر منهي عنه ، وأن الشروط التي تخص تحديد الوضع تفسد العقد ،
لأنه شرط ينافي المقصود من النكاح وهو مذهب الإمام الشافعي.

إن الزواج الإسلامي ليس زواج المتعة ، ولا المؤقت ، ولا التحليل ، ولا
المسيار ، وإنما الزواج على سنة الله ورسوله من توافر الأركان والشروط
وعدم وجود الموانع والشروط المخالفة لمقتضى العقد فمن استطاع ذلك فله
أن ينكح ما طاب له من النساء مثنى وثلاث ورباع ، وإلا فعليه الا

في هذه الحلقة سنشرع بدراسة إحدى الفتاوى التي أوردها صاحب المعايير
المختلقة ونستشف من خلال ذلك الهدف الحقيقي لأمثال هؤلاء ...

أولاً : الفتوى الأولى التي طرحها .. هكذا يقول صاحب الملف :

الخميني يبيح التمتع بالبنت الرضيعة :
يقول الخميني في كتابه تحرير الوسيلة ص241 مسالة رقم 12 ( وأما سائر
الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة ) !
انتهى قوله ....

وما هي الحقيقة ؟؟!

يجب أن ننقل كامل النص ثم نعلق :

تحرير الوسيلة في ج 2 ص 216 وهي على النحو التالي :
مسألة 12 – لا يجو وطء الوجة قبل إكمال تسع سنين ، دواماً كان النكاح
أو منقطعاً ، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس
بها حتى في الرضيعة ، ولو وطأها قبل التسع ولم يفضها لم يترتب عليه شيء
غير الإثم على الأقوى ... الخ .

وهنا ملاحظات :

أولاً : الفتوى ليس في باب المتعة إنما هي في باب النكاح عموماً .

ثانيا : الفتوى ليست في صدد إباحة التمتع أو عدم إباحته ، وإنما بصدد
بيان لواحق الواج بالوجة الصغيرة وهل يجو وطؤها أم لا ، فالجواب لا
يجو قبل إكمال التسع كما هو واضح .. هناك سؤال ثاني يسأل إذن يجو
الاستمتاعات غير الوطء ، الجواب نعم .

ثالثاً : بيان حد الصغر ، أجاب بأن لا حد للصغيرة في الواج حتى الرضيعة
.

رابعاً : لو عبث بها لما دون الإفضاء - وهو اتحاد الموضعين - هل عليه حد
أو غرامة ؟!. الجواب : لا حد عليه ولا غرامة .. ولكن عليه إثم شرعي .

خامساً : أراد أن يؤكد بأن هذه الأحكام هي لعموم النكاح بكل صوره فقال :
دواماً كان النكاح أم منقطعاً ، وهنا نقول :

1 - تبيّن كذب وتحريف هذا الكاتب حين صورها بأنها في « المتعة » وأنه
يجي التمتع بالصغيرة !.

2 - أوردها مورد الشتم والحقيقة إن هذه الفتوى مما أجمع عليه المسلمون
، وإني أتحدى أي فقيه أن يقول أن هذه الفتوى خلاف الفقه بكل المذاهب ..
فعلى صعيد المذاهب الأربعة يرون بالتسليم واليقين أن رسول الله فعل ذلك
بالسيدة عائشة فتوجها بنت ست سنوات ودخل بها بعد بلوغها التاسعة ،
وهذا يكشف عن جوا الواج من الصغيرة غير البالغة وعدم جوا وطئها قبل
التاسعة ، وباقي الاستمتاعات مسكوت عنها ينطبق عليها عموم حقه في وجته
والأصل عدم التحريم فيما لا نص عليه .

3 - يُشم من شتمه للفتوى رائحة اليهود والنصارى في شتمهم لرسول الله ص
بتجوي الواج من الصغيرة ، ورد هذا الاعتداء ليس تكليفنا فقط و إنما هو
تكليف كل مسلم يدافع عن إسلامه ونبيّه أمام هذه الهجمة الكافرة غير
المنطقية .. الذين لا يملكون الدليل على عدم صحة هذا الحكم غير التنطع
والتكلم بكلام غير مفهوم وغير واقعي من قبيل ظلم البنت والوحشية وما
شابه ذلك فأي ظلم إذا كان على الوج الإكرام والمحبة والنفقة ولا يجو له
العبث بها وأي ظلم في تعلق الحق بالعقد وإعطاءها صفة القيمة العقدية
كإنسان كامل .

ولو أن الكاتب كشف عن هويته النصرانية أو اليهودية لأريناه ما في كتبهم
من جرائم وفضائح تجاه الأطفال والبشر والقوميات مما يندى له الجبين ،
ولكنه متستر بستر الإسلام تحت لواء اللا هوية .. والمشكلة أنه يتكلم باسم
إخواننا أهل السنة بما هم براء منه .

4 - فهذا الحكم عند جميع المسلمين من المسلّمات .. وللاختصار أورد بعض
النصوص الفقهية من كتب أهل السنة – لأنه يتشدق بهم - ولا أستقصي لعدم
الحاجة فهو من المسلمات الفقهية عند جميع المسلمين .

المبسوط ، للإمام السرخسي : المجلد الثامن ، الجء 15 ، كتاب الإجارات .
( ولكن عرضية الوجود بكون العين منتفعاً بها تكفي لانعقاد العقد ، كما
لو « توج رضيعة » صح النكاح )

فهذا نص صريح بجوا الواج من رضيعة وحلية تعلق الاستمتاع بالمنفعة إذ لا
معنى لعروض المنفعة على العين المعقود عليها غير الانتفاع بشكل من الأشكال
.

وما تقول فيمن عنده وجة رضيعة أرضعتها وجته الكبيرة ؟؟

المبسوط، الإصدار للإمام السرخسي : المجلد العاشر (الجء 19) ، كتاب
تفسير التحريم بالنسب ، باب نكاح الشبهة :

قال ولو أن رجلًا له امرأتان إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة وللكبيرة لبن
من غيره ولم يدخل بها « فأرضعت الكبيرة الصغيرة » بانتا منه بغير طلاق
لأنهما صارتا أماً وبنتاً وذلك ينافي النكاح ابتداء وبقاء والفرقة بمثل
هذا السبب تكون بغير طلاق .

أقول : ما سيقول حينما يجد حقيقة وهي افتراض أن الصغيرة ثيب أو حامل في
الفقه السني وهل تكون ثيباً أو حاملاً إلا بما يلم ؟؟!!

وهل يكون حمل من دون رواج بالبواعث النفسية والجسدية ليتقرب البلوغ
البيولوجي ؟!! أم لكم عقول لا تفكرون بها ؟!!

أقرأ :
الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجيري : الجء الرابع ، مباحث
العدة ، مبحث انقضاء العدة بوضع الحمل :

– « عدة الوجة الصغيرة الحامل » - عدة الحبلى بوطء الشبهة – أو ... .

المبسوط، الإصدار للإمام السرخسي : المجلد الثاني، (الجء 4) ، كتاب
النكاح.

وقوله : ( والثيب تشاور ) دليل على أنه لا يكتفي بسكوت الثيب فإن
المشاورة على ميان المفاعلة ، ولا يحصل ذلك إلا بالنطق من الجانبين و
بظاهره يستدل الشافعي على أن « الثيب الصغيرة » لا يوجها أحد حتى تبلغ
فتشاور ، ولكنا نقول هذا اللفظ يتناول ثيباً تكون من أهل المشاورة ،
والصغيرة ليست بأهل المشاورة فلا يتناولها الحديث.

المبسوط للإمام السرخسي : المجلد التاسع الجء (17) ، كتاب الدعـوى ،
باب الولادة والشهادة عليها :
قال : (( رجل طلق « امرأته الصغيرة ومات عنها فجاءت بولد » فهذا على
ثلاثة أوجه : إما أن تدعي الحبل أو تقر بانقضاء العدة أو كانت ساكتة فإن
ادعت حبلاً ثم جاءت بالولد لأقل من سنتين منذ مات الوج أو فارقها ثبت
النسب من الوج )) ..

ثم إذا كان قد اطلع صاحبنا على الفقه كان لابد أن يعرف بأن في كتب الفقه
السنية أن الصغيرة لا عورة لها فما الذي يضير من النظر إليها وغيره في
غير الواج حتى يضير في الواج بناءاً على مبانيهم . فليقـرأ :

فتح الباري ، شرح صحيح البخاري ، للإمام ابن حجر العسقلاني : المجلد
التاسع ، كِتَاب النِّكَاحِ ، باب النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ
التَّْوِيجِ .

وقال أيضاً : في الاحتجاج بهذا الحديث للترجمة نظر ، لأن عائشة « كانت إذ
ذاك في سن الطفولية فلا عورة فيها البتة » ، ولكن يستأنس به في الجملة
في أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد .

المبسوط، الإصدار للإمام السرخسي : المجلد الخامس (الجء 10) ، كتاب
الاستحسان . وجدت الكلمات في الفصل :

وهذا فيما إذا كانت في حد الشهوة فإن كانت صغيرة لا يشتهى مثلها فلا بأس
بالنظر إليها « ومن مسها » لأنه ليس لبدنها حكم العورة ولا في النظر
والمس معنى خوف الفتنة .

وهل الصغيرة إذا فعلت النى تكون انية ليقرأ صاحبنا وليجيبنا بأيهما
أهم الواج من الصغيرة أم النا بالصغيرة ولا يعد نى ؟؟!

المبسوط، الإصدار للإمام السرخسي : المجلد الخامس (الجء 9) ، كتاب
الحدود ، باب الشهادة في القذف :
وقوله نيت وأنت صغيرة محال شرعاً ؛ « لأن فعل الصغيرة لا يكون ناً شرعاً .
ألا ترى أنها لا تأثم به » .

وهل وطء الصغيرة في نهار الصائم يوجب الكفارة ؟؟!!

اقرأ يا صاحبي الفهيم :
الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجيري : الجء الأول ، كتاب
الصيام ، ما يوجب القضاء والكفارة :
وأما وطء البهيمة والميت والصغيرة التي لا تشتهي فإنه لا يوجب الكفارة
ويوجب القضاء بالإنال.

الاستدلال بالقرآن :
    هناك آية في القرآن الكريم يُستدل بها على حلّيّة المتعة وإباحتها في الشريعة الإسلاميّة، قوله تعالى : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً )(1) .
    هذه الآية نصّ في حليّة المتعة والنكاح المنقطع، النكاح الموقّت بالمعنى الذي ذكرناه .
    القائلون بدلالة هذه الآية المباركة على المتعة هم كبار الصحابة وكبار علماء القرآن من الصحابة، وعلى رأسهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وهذه الطبقة الذين هم المرجع في فهم القرآن، في قراءة القرآن، في تفسير القرآن عند الفريقين .
____________
    (1) سورة النساء : 24 .
 

تعريف المتعة


   
    متعة النساء هي : أن توّج المرأة العاقلة الكاملة الحرّة نفسها من رجل، بمهر مسمّى، وبأجل معيّن، ويشترط في هذا النكاح كلّ ما يشترط في النكاح الدائم، أي لابدّ أن يكون العقد صحيحاً، جامعاً لجميع شرائط الصحّة، لابدّ وأن يكون هناك مهر، لابدّ وأن لا يكون هناك مانع من نسب، أن لا يكون هناك مانع من محرميّة ورضاع مثلاً، وهكذا بقيّة الأُمور المعتبرة في العقد الدائم، إلاّ أنّ هذا العقد المنقطع فرقه مع الدائم :
    أنّ الدائم يكون الافتراق فيه بالطلاق، والافتراق في هذا العقد المنقطع يكون بانقضاء المدّة أو أن يهب الوج المدّة المعيّنة .
    وأيضاً : لا توارث في العقد المنقطع مع وجوده في الدائم .
    وهذا لا يقتضي أن يكون العقد المنقطع شيئاً في مقابل العقد الدائم، وإنّما يكون نكاحاً كذاك النكاح، إلاّ أنّ له أحكامه الخاصّة .


 


( 13 )


    هذا هو المراد من المتعة والنكاح المنقطع، وحينئذ هل أنّه موجود في الشريعة الإسلاميّة أو لا ؟ هل هذا النكاح سائغ وجائ في الشريعة ؟
    نقول : نعم، عليه الكتاب، وعليه السنّة، وعليه سيرة الصحابة والمسلمين جميعاً، عليه الإجماع . وحينئذ إذا ثبت الجوا بالكتاب، وبالسنّة المقبولة عند المسلمين، وبه أفتى الصحابة وفقهاء الأُمة بل كانت عليه سيرتهم العمليّة، فيكون على القائلين بالقول الثاني، أي يجب على من يقول بالحرمة أن يقيم الدليل .
    حينئذ، نقرأ أوّلاً أدلّة الجوا قراءةً عابرة حتّى ندخل في معرفة من حرّم، ولماذا حرّم، وما يمكن أن يكون وجهاً مبرّراً لتحريمه، حتّى نبحث عن ذلك بالتفصيل، وبالله التوفيق .


 


( 14 )


 

أدلّة جوا المتعة


   
    الاستدلال بالقرآن :
    هناك آية في القرآن الكريم يُستدل بها على حلّيّة المتعة وإباحتها في الشريعة الإسلاميّة، قوله تعالى : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً )(1) .
    هذه الآية نصّ في حليّة المتعة والنكاح المنقطع، النكاح الموقّت بالمعنى الذي ذكرناه .
    القائلون بدلالة هذه الآية المباركة على المتعة هم كبار الصحابة وكبار علماء القرآن من الصحابة، وعلى رأسهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وهذه الطبقة الذين هم المرجع في فهم القرآن، في قراءة القرآن، في تفسير القرآن عند الفريقين .
____________
    (1) سورة النساء : 24 .

 


( 15 )


    ومن التابعين : سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدّي .
    فهؤلاء كلّهم يقولون بأنّ الآية تدلّ على المتعة وحلّيّة النكاح الموقّت بالمعنى المذكور .
    وحتّى أنّ بعضهم كتب في مصحفه المختصّ به، كتب الآية المباركة بهذا الشكل : « فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل فآتوهنّ أجورهنّ »، أضاف « إلى أجل » إلى الآية المباركة، وهكذا كتب الآية في القرآن أو المصحف الموجود عنده .
    وهذا فيه بحث ليس هنا موضعه، من حيث أنّ هذا هل يدلّ على تحريف القرآن أو لا يدل ؟ أو أنّ هذا تفسير أو تأويل ؟
    بل رووا عن ابن عبّاس أنّه قال : والله لأنلها الله كذلك، يحلف ثلاث مرّات : والله والله والله لأنلها الله كذلك، أي الآية نلت من الله سبحانه وتعالى وفيها كلمة « إلى أجل »، والعهدة على الراوي وعلى ابن عبّاس الذي يقول بهذا وهو يحلف .
    وعن ابن عبّاس وأُبيّ بن كعب التصريح بأنّ هذه الآية غير منسوخة، هذا أيضاً موجود .


 


( 16 )


    فلاحظوا هذه الأُمور التي ذكرت في : تفاسير الطبري والقرطبي وابن كثير والكشّاف والدر المنثور في تفسير هذه الآية، وفي أحكام القرآن للجصّاص(1)، وسنن البيهقي(2)، وشرح النووي على صحيح مسلم(3)، والمغني لابن قدامة(4) .
    وهذا البحث الذي أطرحه الليلة عليكم، إنّما هو خلاصة لما كتبته أنا في مسألة المتعة وليس بشيء جديد، وكلّما أنقله لكم فإنّما هو نصوص روايات، ونصوص كلمات، ليس لي دخل في تلك النصوص لا يادة ولا نقيصة، وربّما تكون هناك بعض التعاليق والملاحظات، ربّما يكون هناك بعض التوضيح، وإلاّ فهي نصوص روايات عندهم وكلمات من علمائهم فقط .
____________
    (1) أحكام القرآن للجصّاص 2/147 .
    (2) السنن الكبرى 7/205 .
    (3) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج 7/126 هامش القسطلاني على البخاري .
    (4) المغني في الفقه الحنفي 7/571 .


 


( 17 )


    فهذا هو الاستدلال بالكتاب، بل ذكر القرطبي في ذيل هذه الآية أنّ القول بدلالتها على نكاح المتعة هو قول الجمهور، قال : قال الجمهور : المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام(1).
    الاستدلال بالسنة :
    وأمّا السنّة، أكتفي من السنّة فعلاً بقراءة رواية فقط، وهذه الرواية في الصحيحين، هي :
    عن عبدالله بن مسعود قال : كنّا نغوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليس لنا نساء، فقلنا : ألا نستخصي ! فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثمّ قرأ عبدالله [ لاحظوا هذه الآية التي قرأها عبدالله بن مسعود في ذيل هذا الكلام ] : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )(2) وكان له قصد في قراءة هذه الآية بالخصوص في آخر كلامه .
____________
    (1) الجامع لأحكام القرآن 5/130 .
    (2) سورة المائدة : 87 .


 


( 18 )


    هذا الحديث في كتاب النكاح من البخاري، وفي سورة المائدة أيضاً، وفي كتاب النكاح من صحيح مسلم، وفي مسند أحمد(1) .

    الاستدلال بالإجماع :
    وأمّا الإجماع، فلا خلاف بين المسلمين في كون المتعة نكاحاً ، نصّ على ذلك القرطبي في تفسيره وذكر طائفة من أحكامها حيث قال بنصّ العبارة : لم يختلف العلماء من السلف والخلف أنّ المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق .
    ثمّ نقل عن ابن عطيّة كيفيّة هذا النكاح وأحكام هذا النكاح(2)
    إذن أجمع السلف والخلف على أنّ هذا نكاح .
   
____________
    (1) مسند أحمد بن حنبل 1/420 .
    (2) الجامع لأحكام القرآن 5 / 132 .


 


( 19 )


فظهر إلى الآن أنّ الكتاب يدل، والسنّة تدل، والإجماع قائم وهو قول الجمهور وإلى آخره .
    وكذا تجدون في تفسير الطبري، ونقل عن السدّي وغيره في ذيل الآية : هذه هي المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمّى، هذا في تفسير الطبري(1) .
    وفي التمهيد لابن عبد البر يقول : أجمعوا على أنّ المتعة نكاح لا إشهاد فيه، وأنّه نكاح إلى أجل، تقع الفرقة بلا طلاق ولا ميراث بينهما .
    وهذا في كتاب التمهيد كتاب النكاح منه لابن عبد البر بشرح الموطأ(2) .
    إذن، ظهر إلى الآن أنّ هذا التشريع والعمل به كان موجوداً في الإسلام، وعليه الكتاب والسنّة والإجماع .
   
____________
    (1) تفسير الطبري 5 / 9 .
    (2) التمهيد لما في الموطّأ من المعاني والمسانيد لابن عبدالبر القرطبي 4 / 317 .


 


( 20 )


 

منشأ الإختلاف فى مسألة المتعة


   
    إذن، من أين يبدأ الناع والخلاف ؟ وما السبب في ذلك ؟ وما دليله ؟
    المستفاد من تحقيق المطلب، والنظر في أدلّة القضيّة، وحتّى تصريحات بعض الصحابة والعلماء، أنّ هذا الجوا، أنّ هذا الحكم الشرعي، كان موجوداً إلى آخر حياة رسول الله، وكان موجوداً في جميع عصر أبي بكر وحكومته من أوّلها إلى آخرها، وأيضاً في من عمر بن الخطّاب إلى أواخر حياته، نظير الشورى كما قرأنا ودرسنا .
    وفي أواخر حياته قال عمر بن الخطّاب في قضيّة، قال كلمته المشهورة : متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما !! يعني متعة النساء ومتعة الحج، وبحثنا الآن في متعة النساء .


 


( 21 )


    تجدون هذه الكلمة في المصادر التالية : المحلى لابن حم(1)، أحكام القرآن للجصّاص(2)، سنن البيهقي(3)، شرح معاني الآثار للطحاوي(4)، تفسير الراي(5)، بداية المجتهد لابن رشد(6)، شرح التجريد للقوشچي الأشعري في بحث الإمامة، تفسير القرطبي(7)، المغني لابن قدامة(8)، اد المعاد في هدي خير العباد لابن قيّم الجويّة(9)، الدر المنثور في التفسير
____________
    (1) المحلّى 7 / 107 .
    (2) أحكام القرآن 1 / 279 .
    (3) سنن البيهقي 7 / 206 .
    (4) شرح معاني الآثار : 374 .
    (5) تفسير الراي 2 / 167 .
    (6) بداية المجتهد 1 / 346 .
    (7) تفسير القرطبي 2 / 370 .
    (8) المغني 7 / 527 .
    (9) اد المعاد 2 / 205 .


 


( 22 )


بالمأثور(1)، كن العمّال(2)، وفيات الأعيان لابن خلّكان بترجمة يحيى بن أكثم(3)، وسنقرأ القضيّة .
    ومن هؤلاء من ينصّ على صحّة هذا الخبر، كالسرخسي الفقيه الكبير الحنفي في كتابه المبسوط في فقه الحنفيّة في مبحث المتعة(4) ومنهم أيضاً من ينصّ على ثبوت هذا الخبر، كابن قيّم الجويّة في اد المعاد، وسنقرأ عبارته .
    صريح الأخبار : أنّ هذا التحريم من عمر ـ كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما ـ كان في أواخر أيّام حياته، ومن الأخبار الدالّة على ذلك : ما عن عطاء عن جابر قال : استمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر، حتّى إذا كان في آخر خلافة عمر، استمتع عمرو بن حريث بامرأة سمّاها جابر فنسيتها، فحملت المرأة، فبلغ ذلك عمر، فذلك حين نهى عنها .
____________
    (1) الدر المنثور 2 / 141 .
    (2) كن العمال 8 / 293 .
    (3) وفيات الأعيان 5 / 197 .
    (4) المبسوط في فقه الحنفية 5 / 153 .


 


( 23 )


    في أواخر حياته، حتّى إذا كان في آخر خلافة عمر، هذا نصّ الحديث .
    وهو في المصنّف لعبد الرّاق(1)، وفي صحيح مسلم(2)، وفي مسند أحمد(3)، وفي سنن البيهقي(4) .
    وأمّا هذا التحريم فلم يكن تحريماً بسيطاً، لم يكن تحريماً كسائر التحريمات، وإنّما تحريم وعقاب، تحريم مع تهديد بالرجم .
    لاحظوا أنّه قال : لو أنّي بلغني أنّ أحداً فعل كذا ومات لأرجمنّ قبره .
    وأيّ المحرّمات يكون هكذا ؟
   
____________
    (1) المصنف لعبدالراق بن همام 7/469 .
    (2) صحيح مسلم بشرح النووي على هامش القسطلاني 6/127 .
    (3) مسند أحمد بن حنبل 3/304 .
    (4) السنن الكبرى 7/237 .


 


( 24 )


    وفي بعض الروايات أنّه هدّد برجم من يفعل، ففي المبسوط للسرخسي : لو أُوتى برجل توّج امرأة إلى أجل إلاّ رجمته، ولو أدركته ميّتاً لرجمت قبره(1) .
    وحينئذ نرى بأنّ هذا التحريم لم يكن من أحد، ولم يصدر قبل عمر من أحد، وكان هذا التحريم منه، وهذا من أوّليّات عمر بن الخطّاب .
    ويقال بأنّه جاء رجل من الشام، فمكث مع امرأة ما شاء الله أن يمكث، ثمّ إنّه خرج، فأخبر بذلك عمر بن الخطّاب، فأرسل إليه فقال : ما حملك على الذي فعلته ؟ قال : فعلته مع رسول الله ثمّ لم ينهانا عنه حتّى قبضه الله، ثمّ مع أبي بكر فلم ينهانا حتّى قبضه الله، ثمّ معك فلم تحدث لنا فيه نهياً، فقال عمر : أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك(2) .
    فإلى هذه اللحظة لم يكن نهي، من هنا يبدأ النهي والتحريم .
   
____________
    (1) المبسوط في فقه الحنفية 5/153 .
    (2) كن العمال 8/298 .


 


( 25 )


    ولذا نرى أنّ الحديث والتاريخ وكلمات العلماء كلّها تنسب التحريم إلى عمر، وتضيفه إليه مباشرة .
    فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) : لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما نى إلاّ شقي .
    هذا في المصنّف لعبد الرّاق(1)، وتفسير الطبري(2)، والدر المنثور(3)، وتفسير الراي(4) .
    وعن ابن عبّاس : ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله تعالى رحم بها عباده، ولولا نهي عمر ما نى إلاّ شقي .
    هذا في تفسير القرطبي(5) .
   
____________
    (1) المصنف لعبد الراق 7/500 .
    (2) تفسير الطبري 5/17 .
    (3) الدر المنثور 2/40 .
    (4) تفسير الراي 3/200 .
    (5) الجامع لأحكام القرآن 5/130 .


 


( 26 )


    وفي بعض كتب اللغة يذكرون هذه الكلمة عن ابن عبّاس أو عن أمير المؤمنين، لكن ليست الكلمة : إلاّ شقي، بل : إلاّ شفى، ويفسرون الكلمة بمعنى القليل، يعني لولا نهي عمر لما نى إلاّ قليل .
    ولم أحقّق الموضوع أنّ اختلاف النسخة هذا من أين، ولم أتقصد ذلك، ولم يهمّني كثيراً .
    المهم أنّ تحريم المتعة من أوّليات عمر بن الخطّاب في كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي(1) .
    فإلى هنا رأينا الجوا بأصل الشرع، بالكتاب والسنّة والإجماع، وإلى آخره، ورأينا التحريم من عمر بن الخطّاب وفي آخر أيّام خلافته إلى الآن، ولابد أنّ بعض الصحابة اتّبعوه في هذا التحريم، وفي مقابله كبار الصحابة وعلى رأسهم أمير المؤمنين سلام الله عليه، إذ كان موقف هؤلاء موقفاً صارماً واضحاً في هذه المسألة .
    أمّا كلمة أمير المؤمنين فقرأناها : لولا نهي عمر لما نى إلاّ شقي .
   
____________
    (1) تاريخ الخلفاء : 137 .

 


( 27 )


    ويقول ابن حم : وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله جماعة من السلف، منهم ـ من الصحابة ـ :
    1 ـ أسماء بنت أبي بكر .
    2 ـ جابر بن عبدالله .
    3 ـ وابن مسعود .
    4 ـ وابن عبّاس .
    5 ـ ومعاوية بن أبي سفيان .
    6 ـ وعمرو بن حريث .
    7 ـ وأبو سعيد الخدري .
    8 و 9 ـ وسلمة ومعبد ابنا أُميّة بن خلف .
    ورواه جابر عن جميع الصحابة مدّة رسول الله [عبارة عامّة مطلقة : ورواه جابر عن جميع الصحابة مدّة رسول الله ]ومدّة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر .
    هذه عبارة ابن حم ويقول : ومن التابعين :
    1 ـ طاووس .
    2 ـ وعطاء .
    3 ـ وسعيد بن جبير .


 


( 28 )


    4 ـ ... وسائر فقهاء مكّة أعّها الله(1) .
    أمّا القرطبي، فذكر بعض الصحابة منهم : عمران بن حصين، وذكر عن ابن عبد البر أنّ أصحاب ابن عبّاس من أهل مكّة واليمن كلّهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عبّاس(2) .
    إذن، ظهر الخلاف، ومن هنا يبدأ التحقيق في القضيّة، ولنا الحق في تحقيق هذه القضيّة أو لا ؟ وتحقيقنا ليس إلاّ نقل نصوص وكلمات لا أكثر كما ذكرنا من قبل .
    ولننظر في تلك الأحاديث والكلمات، لنرى أنّ الحقّ مع من ؟
    كان شيء حلالاً في الشريعة الإسلاميّة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحرّمه، وأبوبكر لم يحرّمه، والصحابة لم يحرّموه، وعمر أيضاً لم يحرّمه إلى أواخر أيّام حياته، وقد عملوا بهذا الحكم الشرعي، وطبّقوه في جميع هذه الأدوار، فماذا يقول العلماء في هذه القضيّة ؟
   
____________
    (1) المحلّى في الفقه 9/519 .
    (2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/133 .


 


( 29 )


    أمّا علماء الإماميّة فيجعلون هذه القضيّة في جملة الموانع من صلاحيّة عمر بن الخطّاب للخلافة بعد رسول الله، لأنّ وظيفة الخليفة أن يكون حافظاً للشريعة لا مبدّلاً ومغيّراً لها .
    وقد قرأنا في كتاب المواقف وشرح المواقف وغير هذين الكتابين : أنّ من أهمّ وظائف الخليفة والإمام بعد رسول الله المحافظة على الدين من اليادة والنقصان، ودفع الشبه والإشكالات الواردة عن الآخرين في هذا الدين .
    فيقول الإماميّة بأنّ هذه القضيّة من جملة ما يستدلّ بها على عدم صلاحيّة هذا الصحابي للخلافة بعد رسول الله .
    أمّا علماء أهل السنّة القائلون بخلافته وإمامته بعد أبي بكر، فلابد وأن يجيبوا عن هذا الإشكال، فلنحقق في أجوبة القوم عن هذا الإشكال الموجّه إلى خليفتهم .


 


( 30 )




 


( 31 )


 

النظر في أدلّة تحريم المتعة


   
    لقد ذكروا في الدفاع عن عمر بن الخطاب وعن تحريمه للمتعة ثلاثة وجوه، ولم أجد أكثر من هذه الوجوه .
    الوجه الأوّل :
    إنّ المحرّم لمتعة النساء هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالمتعة كانت في حياته الكريمة محرّمة، إلاّ أنّه لم يقل بهذا الحكم الشرعي للناس ولم يعلنه، وإنّما أعلم به عمر بن الخطّاب فقط، فلمّا تولّى عمر الأمر ـ أي أمر الخلافة ـ أعلن عن هذا الحكم .
    هذا ما ينتهي إليه الفخر الراي(1) بعد أنْ يحقّق في المسألة، ويشرّق ويغرّب، لاحظوا نصّ عبارته : فلم يبق إلاّ أن يقال : ـ أي الأقوال الأُخرى والوجوه الأُخرى كلّها مردودة في نظره ـ كان مراده ـ أي مراد عمر ـ أنّ المتعة كانت مباحة في من الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأنا أنهى عنها، لما ثبت عندي أنّه ـ أي النبي ـ نسخها .
____________
    (1) تفسير الراي 2 / 167 .

 


( 32 )


    والأصرح من عبارته عبارة النووي(1) في توجيه هذا التحريم يقول : محمول ـ أي تحريمه للمتعة ـ على أنّ الذي استمتع على عهد أبي بكر وعمر لم يبلغه النسخ، وإنّما بلغ النسخ عمر بن الخطّاب فقط .
    وكأنّ رسول الله همس في أُذن عمر بن الخطّاب بهذا الحكم الشرعي، وبقي هذا الحكم عنده وحده إلى أن أعلن عنه في أواخر أيّام حياته .
    مناقشة الوجه الأوّل : أوّلاً : إنّه يقول : وأنا أنهى عنهما، ولا يقول بأنّ رسول الله نسخ هذا الحكم وحرّمه وإنّي أُحرّم المتعة لتحريم رسول الله، يقول : أنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما .
    وثانياً : هل يرتضي الفخر الراي ويرتضي النووي ـ لاسيّما الفخر الراي الذي يقول : لم يبق إلاّ أن يقال، الفخر الراي الذي يعترف بعدم تماميّة الوجوه الأُخرى وأنّ الوجه الصحيح عنده هذا الوجه، ولا طريق آخر لحلّ المشكلة ـ أن يكون الحكم الشرعي
____________
    (1) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، على هامش القسطلاني 6 / 128 .

 


( 33 )


هذا لم يبلغ أحداً من الصحابة، ولم يبلّغه رسول الله إلى أحد منهم، وإنّما باح (صلى الله عليه وآله وسلم) به إلى عمر بن الخطّاب فقط، وبقي عنده، وحتّى أنّ عمر نفسه لم ينقل هذا الخبر عن رسول الله في تمام هذه المدّة ؟ وما الحكمة في إخفاء هذا الحكم عن الأمّة إلاّ عن عمر، حتى أظهره في أُخريات أيّامه ؟
    مضافاً، إلى أنّ رجلاً اسمه عمران بن سواده، يخبر عن عمر بن الخطّاب عمّا يقول الناس فيه، أي عن اعتراضات الناس وانتقاداتهم على عمر، يبلّغه بتلك الأُمور، يقول له : عابت أُمّتك منك أربعاً : ... وذكروا أنّك حرّمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله، نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث .
    فالناس كلّهم كانوا يتكلّمون فيه، وقد أبلغ هذا الرجل كلام الناس إليه، فانظروا إلى جوابه :
    قال عمر : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحلّها في مان ضرورة ثمّ رجع الناس إلى سعة .
    فكان رأياً منه ولم يكن رأياً من رسول الله حتّى يقول الفخر الراي بأنّ هذا الحكم الشرعي ما سمع به إلاّ هذا الشخص وبقي عنده حتّى أعلن عنه .


 


( 34 )


هذه الرواية في تاريخ الطبري في حوادث سنة 23 هـ(1).
    ولكن الأُمّة لم تقبل هذا العذر من عمر الذي قال بأنّ رسول الله أحلّها في مان ضرورة ثمّ رجع الناس إلى سعة، لم تقبل الأُمّة هذا العذر من عمر، وبقي الاختلاف على حاله إلى يومنا هذا .
    الوجه الثاني :
    إنّ التحريم كان من عمر نفسه وليس من رسول الله، هذا التحريم كان منه، وهو مقتضى نصّ عبارته : وأنا أنهى عنهما .
    ولكن تحريم عمر يجب اتّباعه وامتثاله وإطاعته وتطبيقه، لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ » . هذا حديث نبوي، وينطبق هذا الحديث على فعل عمر، وحينئذ يجب إطاعة عمر فيما قال وفعل، فيما نهى وأمر .
    يقول ابن القيّم : فإن قيل : فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق
____________
    (1) تاريخ الطبري 4 / 225 .

 


( 35 )


الأيام على عهد رسول الله وأبي بكر، حتّى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث، وفيما ثبت عن عمر أنّه قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله ؟
    قيل في الجواب : الناس في هذا طائفتان، طائفة تقول : إنّ عمر هو الذي حرّمها ونهى عنها، وقد أمر رسول الله باتّباع ما سنّه الخلفاء الراشدون [ إشارة إلى الحديث الذي ذكرته ] ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سمرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح، فإنّه من رواية عبدالملك بن الربيع بن سمرة عن أبيه عن جدّه، وقد تكلّم فيه ابن معين، ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدّة الحاجة إليه .
    يقول ابن القيّم : إنّ هذه الطائفة لم تعتبر هذا الحديث والبخاري لم يخرّجه في صحيحه، وتكلّم فيه ابن معين، لو كان صحيحاً لأخرجه البخاري مع شدّة الحاجة إليه وكونه أصلاً من أصول الإسلام، ولو صحّ عنده ـ عند البخاري ـ لم يصبر عن إخراجه والإحتجاج به، قالوا : ولو صحّ هذا الحديث لم يخف على ابن مسعود، حتّى يروي أنّهم فعلوها ويحتج بالآية [ الآية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا ... ) ] وأيضاً لو صحّ لم يقل عمر إنّها كانت على عهد رسول الله وأنا أنهى عنها وأُعاقب، بل كان يقول :


 


( 36 )


إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حرّمها ونهى عنها . قالوا : ولو صحّ لم تفعل على عهد الصدّيق وهو عهد خلافة النبوّة حقّاً .
    فظهر أنّ هذا القول ـ أي القول بأنّ التحريم منه لا من الرسول ـ قول طائفة من العلماء، وهؤلاء لا يعتبرون الأحاديث الدالّة على تحريم رسول الله المتعة في بعض المواطن، كما سنقرأ تلك الأحاديث في القول الثالث، وقالوا بأنّ المحرِّم هو عمر، لكنّ تحريمه لا مانع منه وأنّه سائِغ وجائ، بل هو سنّة، ورسول الله أمر باتّباع سنّة الخلفاء الراشدين من بعده وهو منهم .
    مناقشة الوجه الثاني :
    في هذا الوجه اعتراف وإقرار بما يدلّ عليه كلام عمر حيث يقول : وأنا أنهى، وليس فيه أيّ تمحّل وتكلّف، أخذ بظاهر عبارته الصريحة في معناها، لكن في مقام التوجيه لابدّ وأن ينتهي الأمر إلى رسول الله، وقد انتهى الأمر إلى رسول الله على ضوء الحديث المذكور .
    فرسول الله يقول : كلّ ما سنّه الخلفاء من بعده، فتلك السنّة واجبة الإتّباع، واجبة الامتثال والتطبيق، فحينئذ يتمّ التحريم، إذ أنّه ينتهي إلى التشريع، إلى الله والرسول .
    لكن يتوقف هذا الاستدلال على تماميّة حديث : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي » أنْ يتمّ هذا الحديث سنداً ودلالة .


 


( 37 )


    أمّا سنداً، فلابدّ أن يتمّ سنده ويكون معتبراً وتوثّق رجاله على أساس كلمات علماء الجرح والتعديل من أهل السنّة على الأقل .
    وأمّا دلالةً، فلابد وأن يراد من الخلفاء الراشدين المهديين في الحديث، أن يراد الأربعة من بعده، أو الخمسة من بعده الذين يسمّونهم بالخلفاء الراشدين وهم : أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبدالعي أو الحسن المجتبى على خلاف بينهم .
    إذا كان المراد من هذا الحديث هؤلاء، فحينئذ يتمّ الاستدلال بعد تماميّة السند .
    ولكنّي وُفّقت ـ ولله الحمد ـ بتحرير رسالة مفردة(1) في هذا الحديث، وأثبتّ أنّه من الأحاديث الموضوعة في من معاوية، هذا أوّلاً .
    وثانياً : هذا الحديث إنْ تمّ سنده على فرض التنّل عن المناقشة سنداً، فإنّ المراد من الخلفاء في هذا الحديث هم الأئمّة
____________
    (1) مطبوعة ضمن (الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنّة) .

 


( 38 )


الإثنا عشر في الحديث المعروف المشهور المتفق عليه بين المسلمين، وعليكم بمراجعة تلك الرسالة، ولو كان لنا وقت ومجال لوسّعت الكلام في هذا الحديث، ولكن أُحيلكم إلى تلك الرسالة .

    الوجه الثالث :
    إنّ التحريم كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا شيء أعلنه رسول الله وأبلغه رسول الله إلى الناس، إلاّ أنّ الذين قالوا بجواه وبقوا على حليّته لم يبلغهم تحريم رسول الله ...
    إنّ رسول الله أعلن عن هذا الحكم الشرعي، إلاّ أنّ عليّاً لم يدرِ بهذا الحكم، وابن عباس وابن مسعود وأُبي بن كعب وجابر بن عبدالله الأنصاري وغيرهم، كلّ هؤلاء لم يطّلعوا على هذا التحريم من رسول الله، وأيضاً : عمر يقول : أُحرّمهما، وقد كان عليه أن يقول رسول الله حرّم، لكن أصحاب هذا القول يقولون بأنّ رسول الله هو الذي حرّم المتعة .
    يقول ابن القيّم ـ بعد الكلام السابق الذي أوردناه ـ : الطائفة الثانية رأت صحّة حديث سمرة، ولو لم يصح فقد صحّ حديث علي أنّ رسول الله حرّم متعة النساء، فوجب حمل حديث جابر على أنّ الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر، حتّى كان من عمر، فلمّا وقع فيها الناع ظهر تحريمها واشتهر .


 


( 39 )


    يقول ابن القيّم : وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة في المتعة(1).
    وخلاصة هذا القول : أنّ رسول الله هو الذي حرّم، وقول عمر : أنا أُحرّمهما، غير ثابت، والحال أنّه ثابت عند ابن القيّم، وقد نصَّ على ذلك، هذا والصحابة القائلون بالحليّة بعد رسول الله لم يبلغهم التحريم .
    مناقشة الوجه الثالث :
    لنرى متى حرّم رسول الله المتعة ؟ ومتى أعلن عن نسخ هذا الحكم الثابت في الشريعة ؟
    هنا أقوال كثيرة .
    القول الأوّل : إنه كان عام حجة الوداع .
    فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حرّم المتعة عام حجّة الوداع، والناس لم يعلموا، أي القائلون بالحليّة لم يعلموا ولم يطّلعوا على هذا التحريم ، فكان شيء حلالاً في الشريعة بالكتاب والسنّة ثم إنّ رسول الله نسخ هذا الحكم في حجّة الوداع .
    هذا هو القول الأوّل .
____________
    (1) اد المعاد في هدي خير العباد 2 / 184 .

 


( 40 )


    يقول ابن القيّم : هو وَهمٌ من بعض الرواة .
    فهذا القول غلط .
    القول الثاني : إنّه حرّم المتعة في حنين .
    قال ابن القيّم : هذا في الحقيقة هو القول بكونه كان عام الفتح، لاتصال غاة حنين بالفتح .
    إذن، ينتفي القول بتحريم رسول الله المتعة في عام حنين، هذا القول الثاني .
    القول الثالث : إنّه كان في غوة أوطاس .
    يقول السهيلي الحافظ الكبير : من قال من الرواة كان في غوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح .
    فانتفى هذا العنوان، عنوان أنّ التحريم كان في أوطاس . تجدون هذه الكلمة في فتح الباري لابن حجر(1) .
    القول الرابع : قيل في عمرة القضاء .
    قال السهيلي : أرغب ما روي في ذلك ـ أي في التحريم ـ رواية من قال في غوة تبوك، ثمّ رواية الحسن إنّ ذلك كان في عمرة القضاء، هذا أرغب ما قيل .
____________
    (1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 9/138 .

 


( 41 )


    ذكر هذا الكلام الحافظ ابن حجر في شرح البخاري وقال : أمّا عمرة القضاء فلا يصحّ الأثر فيها، لكونه من مرسل الحسن [ الحسن البصري ] ومراسيله ضعيفة، لأنّه كان يأخذ عن كلّ أحد، وعلى تقدير ثبوته، لعلّه ـ أي الحسن ـ أراد أيّام خيبر، لأنّهما كانا في سنة واحدة كما في الفتح وأوطاس سواء(1) .
    فهذه أربعة أقوال بطلت بتصريحاتهم .
    فمتى ؟ وأين حرّم رسول الله المتعة ؟ هذا التحريم الذي لم يبلغ أمير المؤمنين وغيره من كبار الأصحاب ؟
    القول الخامس : إنّه في عام الفتح .
    وهذا القول اختاره ابن القيّم، واختاره ابن حجر، ونسبه السهيلي إلى المشهور، فلاحظوا اد المعاد(2)، وفتح الباري(3).
   
____________
    (1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 9/138 .
    (2) اد المعاد في هدي خير العباد 2 / 184 .
    (3) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 9/138 .


 


( 42 )


    يقول ابن حجر الطريقة التي أخرجها مسلم مصرّحة بأنّها في من الفتح أرجح، فتعيّن المصير إليها .
    فإذا كان رسول الله قد حرّم في عام الفتح، إذن المتعة حرام وإنْ لم يعلم بذلك علي ولا غيره من الصحابة، وعلم بها عمر ومن تبعه .
    قال ابن حجر بعد ذكر أدلّة الأقوال الأُخرى : فلم يبق من المواطن كما قلنا صحيحاً صريحاً سوى غوة خيبر وغوة الفتح، وفي غوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدّم .
    إذن، إنحصر الأمر في موطنين، إمّا في الفتح وإمّا في خيبر، لكن في غوة خيبر يعارضه كلام أهل العلم فهذا أيضاً يبطل، ويبقى القول بأنّه في عام الفتح .
    وسنقرأ كلمات أهل العلم في غوة خيبر .
    أقول : دليل كون التحريم في غوة الفتح ما هو ؟ هو ذاك الحديث الذي لم يخرّجه البخاري، هو الحديث الذي أبطله ابن معين، هو الحديث الذي قال النووي وقال ابن قيّم وغيرهما : بأنّ هذا الحديث غير معتبر وإنْ أخرجه مسلم في صحيحه .


 


( 43 )


    لاحظوا تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني بترجمة عبدالملك بن الربيع يقول : قال أبو خيثمة سئل يحيى بن معين عن أحاديث عبدالملك ابن الربيع عن أبيه عن جدّه فقال : ضعاف . وحكى ابن الجوي عن ابن معين أنّه قال : عبدالملك ضعيف . وقال أبوالحسن ابن القطان : لم تثبت عدالته وإنْ كان مسلم أخرج له فغير محتجّ به [يعني إنّ مسلماً أخرج هذا الحديث عن هذا الرجل، إلاّ أنّه لا يحتجّ مسلم به، لماذا ؟ ] لأنّه أخرجه متابعة .
    والحديث إذا كان متابعة في الاصطلاح فمعناه أنّه ليس هو مورد الإحتجاج، وإنّما ذكر لتقوية حديث آخر، ومسلم إنّما أخرج له حديثاً واحداً في المتعة، هو نفس هذا الحديث، متابعةً، وقد نبّه على ذلك المّي صاحب كتاب تهذيب الكمال، ولاحظوا تهذيب التهذيب(1) .
    فظهر أنّ هذا الحديث ساقط سنداً عند الشيخين، وابن معين، وغيرهم، من أعلام المحدّثين وأئمّة الجرح والتعديل .
    وخلاصة البحث إلى الآن : إن أمر القوم يدور بين أمرين كما ذكر ابن قيّم الجويّة :
    إمّا أن ينسبوا التحريم إلى عمر ويجعلوا سنّته سنّةً شرعيّة يجب اتّباعها على أساس الحديث الذي ذكرناه .
   
____________
    (1) تهذيب التهذيب 6/349 .

 


( 44 )


    وأمّا إذا كان التحريم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلماذا نسبه عمر إلى نفسه ؟ ولماذا نسب كبار الصحابة إلى عمر التحريم ؟
    ثمّ حينئذ يسألون عن وقت هذا التحريم، وقد ظهر أنّه ليس في أوطاس، ولا في فتح مكّة، ولا في حجّة الوداع، ولا، ولا، ولا ، فأين كان هذا التحريم الذي بلغ عمر ولم يبلغ سائر الصحابة أجمعين ؟
    هنا يضطربون ـ لاحظوا ـ يقولون : إنّ التحريم والتحليل تكرّرا ، حلّلها رسول الله في موطن، ثمّ في الموطن اللاحق حرّمها ، في الموطن الثالث حلّلها، في الموطن الرابع حرّمها ... وهكذا، حتّى يجمع بين هذه الأقوال والروايات .
    لاحظوا عنوان مسلم يقول : باب نكاح المتعة وبيان أنّه أُبيح ثمّ نسخ ثمّ أبيح ثمّ نسخ واستقرّ حكمه إلى يوم القيامة .
    لكنّ الروايات والأقوال هي أكثر من مرّتين، تبلغ السبعة، ولذا اضطرّ بعضهم أن يقول : أحلّ الرسول المتعة وحرّمها، أحلّها وحرّمها إلى سبعة مواطن، وهذا ما التمه القرطبي في تفسيره(1) .
   
____________
    (1) الجامع لأحكام القرآن 5 / 130 .

 


( 45 )


    لكنّ ابن القيّم يقول : هذا لم يعهد في الشريعة(1) ولا يوجد عندنا حكم أحلّه الله سبحانه وتعالى وحرّمه مرّتين، فكيف إلى سبعة مرّات ؟!
    فيظهر أنّها محاولات فاشلة، ولم يتمكّنوا من إثبات تحريم رسول الله، وكان الأجدر بهم أن يلتموا بالقول الثاني، أي القول بأنّ التحريم من عمر وأنّ سنّته سنّة شرعيّة وتعتبر سنّته من سنّة رسول الله، وعلى المسلمين أن يأخذوا بها .
    كان الأجدر بهم جميعاً أن يلتموا بهذا، إن أمكنهم تصحيح حديث « عليكم بسنّتي .... » وتماميّة هذا الحديث في دلالته
    وإلى الآن ... بقيت ذمّة عمر مشغولة، والمشكلة غير محلولة .
   
____________
    (1) اد المعاد في هدي خير العباد 2 / 184 .

 


( 46 )




 


( 47 )


 

الإفتراء على عليّ (عليه السلام) في مسألة المتعة


    حينئذ يضطرّون إلى الافتراء، لأنّ المخالف الأوّل عليّ ، وعليّ هو الإمام العالم بالأحكام الشرعيّة، الحريص على حفظها وتطبيقها بحذافيرها، فالأولى أن يفتروا على علي، ويضعوا على لسانه أحاديث في أنّ رسول الله حرّم المتعة، فخرج عمر عن العهدة وشاركه في الحكم بالتحريم والنقل عن رسول الله علي (عليه السلام).
    وهذه طريقة أُخرى بعد أن فشلت المحاولات في إثبات أنّ الرسول هو الذي حرّم، وإثبات أنّه حرّم ولم يعلم بهذا التحريم إلاّ عمر، وأيضاً فشلوا في نسبة التحريم إلى عمر، لعدم تمكّنهم من إثبات حديث عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين، فماذا يفعلون ؟ حينئذ يفترون على من ؟ على عليّ بن أبي طالب، فلو أنّ عليّاً وافق عمر في فتواه في التحريم في قول، حينئذ ينتفي الخلاف ولا يبقى ناع في البين .


 


( 48 )


    لكن المشكلة هي أنّ المفترين على علي لمّا تعدّدوا، تعدّد الوضع عليه والافتراء، فجاء أحدهم فنقل عن علي أنّ التحريم من رسول الله، وكان في الموطن الكذائي، وجاء الآخر ـ وهو جاهل بتلك الفرية ـ وافترى عليه أنّ رسول الله حرّم في موطن آخر، وجاء ثالث وهو لا يعلم بأنّ قبله من افترى على علي في موطنين، فوضع موطناً ثالثاً، وهكذا عادت المشكلة وتعدّدت الروايات، فمتى حرّم رسول الله المتعة ؟ عادت المشكلة من جديد، عندما يتعدّد المفترون، وكلٌّ لا علم له باختلاق غيره، حينئذ يتعدّد الاختلاق، وإذا تعدّد الاختلاق حصل الاختلاف، حتّى لو كانت الأحاديث موجودة في الصحيحين، إذ الخبران حينئذ يتعارضان، لأنّ التحريم من رسول الله واحد .
    فمنهم من ينقل عن علي أنّ رسول ألله حرّم المتعة في تبوك، ومنهم من ينقل عن علي أنّ رسول الله حرّم المتعة في حنين، ومنهم من ينقل عن علي عن رسول الله أنّه حرّم المتعة في خيبر، عادت المشكلة من جديد، وقد أرادوا أن يجعلوا عليّاً موافقاً لعمر في التحريم، فتورّطوا من جديد !!
    لاحظوا الأسانيد بدقّة، فالسند واحد، السند الذي يقول عن علي التحريم في تبوك هو نفس السند الذي يقول عنه أنّ التحريم في خيبر، وهو نفس السند الذي يقول أنّ التحريم في حنين، فلاحظوا كيف يكون !! .


 


( 49 )


    الحديث الأول : قال النووي : وذكر غير مسلم عن علي أنّ النبي نهى عنها في غوة تبوك، من رواية إسحاق بن راشد عن الهري عن عبدالله بن محمّد بن علي عن أبيه عن علي : أنّ رسول الله حرّم المتعة في تبوك .
    إذن، الراوي من ؟ الهري، عن عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة، عن أبيه محمد بن الحنفية، عن علي : إنّ رسول الله حرّم المتعة في تبوك(1) .

    الحديث الثاني :
    أخرج النسائي : أخبرنا عمرو بن علي ومحمّد بن بشّار ومحمّد بن المثنّى ثلاثتهم قالوا : أنبأنا عبدالوهّاب قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني مالك بن أنس، أنّ ابن شهاب ـ أي الهري ـ أخبره أنّ عبدالله والحسن ابني محمّد بن علي أخبراه، أنّ أباهما محمّد بن علي بن الحنفيّة أخبرهما أنّ علي بن أبي طالب قال : نهى رسول الله يوم خيبر عن متعة النساء، قال ابن المثنّى [ هذا أحد الثلاثة الذين روى عنهم النسائي، لأنّه قال عمرو بن علي ومحمّد بن بشّار ومحمّد بن المثنّى ثلاثتهم ] قال ابن المثنّى : حنين بدل خيبر .
____________
    (1) المنهاج في شرح صحيح مسلم 6/119 هامش القسطلاني .

 


( 50 )


    نفس السند ابن المثنّى يقول : حنين، قال : هكذا حدّثنا عبدالوهّاب من كتابه .
    ففي سند واحد ابن المثنّى يقول : حنين، الآخران يقولان خيبر ، في سند واحد، والسند ينتهي إلى الهري، الهري عن ابني محمّد بن الحنفيّة، ومحمّد عن أبيه علي عن رسول الله(1) .
    وأمّا أخبار خيبر، ففي الصحيحين، أخرج البخاري : حدّثنا مالك بن إسماعيل، حدّثنا ابن عُيينة : إنّه سمع الهري يقول : أخبرني الحسن بن محمّد بن علي وأخوه عبدالله، عن أبيهما : إنّ عليّاً قال لابن عباس .
    لاحظوا أيضاً قول علي لابن عباس، هذه عبارة علي يخاطب ابن عباس، لأنّ ابن عباس إلى آخر لحظة من حياته كان يقول بحليّة المتعة، هذا ثابت، وعلي كان من القائلين بالحرمة كما يعمون .
    فقال لابن عباس : إنّ النبي نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهليّة من خيبر(2) .
____________
    (1) سنن النسائي 6/126 .
    (2) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 9/136 .


 


( 51 )


    وأخرج مسلم : حدّثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك على ابن شهاب [ عاد إلى الهري ] عن عبدالله والحسن ابني محمّد ابن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب : أنّ رسول الله نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل اللحوم الحمر الإنسيّة .
    هنا لايوجد خطاب لابن عباس، فلاحظوا بقيّة الأحاديث :
    وحدّثناه عبدالله بن محمّد بن أسماء الربيعي، حدّثنا الجويرية ، عن مالك بهذا الإسناد [ نفس السند ] وقال : سمع علي بن أبي طالب يقول لفلان [ لا يوجد اسم ابن عباس ] : إنّك رجل تائه، نهانا رسول الله عن متعة النساء يوم خيبر .
    لاحظتم الفرق بين العبارات .
    حديث آخر : حدّثنا أبوبكر ابن أبي شيبة وابن نمير وهير بن حرب، جميعاً عن ابن عيينة . قال هير : حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الهري، عن الحسن بن عبدالله بن محمّد بن علي، عن أبيهما، عن علي : إنّ رسول الله نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهليّة .
    هنا أيضاً لا يتعرض إلى ذكر ابن عباس .


 


( 52 )


    وحدّثنا محمّد بن عبدالله بن نمير، حدّثنا أبي حدّثنا عبيدالله، عن ابن شهاب، عن الحسن وعبدالله ابني محمّد بن علي، عن أبيهما، عن علي : إنّه سمع ابن عباس يليّن في متعة النساء فقال : مهلاً يابن عباس [ في هذا اللفظ مهلاً يابن عباس، كان هناك : إنّك رجل تائه، في لفظ آخر : قال لفلان ] : مهلاً يابن عباس، فإنّ رسول الله نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسيّة .
    وأيضاً حديث آخر : حدّثني أبوالطاهر وحرملة بن يحيى قالا : أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن الحسن وعبدالله ابني محمّد بن علي بن أبي طالب، عن أبيهما : إنّه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس : يابن عباس نهى رسول الله عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة(1) .
    إذن، لاحظتم أنّهم يروون عن علي بسند واحد أنّ رسول الله حرّم المتعة، تارة ينقلون حرّمها في خيبر، وتارة في تبوك، وتارة
____________
    (1) صحيح مسلم بشرح النووي، هامش القسطلاني 6/129، 130 .

 


( 53 )


في حنين، وهذه الأحاديث وهي بسند واحد، أليست تتعارض ويكذّب بعضها بعضاً ؟ وقد وجدتم الخبر عند النسائي بسند واحد وفيه خيبر وحنين، كلاهما بسند واحد !
    حديث التحريم في تبوك، نصّ الحافظ ابن حجر بأنّه خطأ هذا واحد .
    وحديث التحريم في خيبر خطّأه كبار الأئمّة وكذّبه أعلام الحديث والرجال والسير، لاحظوا السهيلي يقول : هذا غلط هذا كذب .
    فابن عبد البر، والبيهقي، وإبن حجر العسقلاني، والقسطلاني صاحب إرشاد الساري، والعيني صاحب عمدة القاري، وابن كثير في تاريخه، وإبن القيّم كلّهم قالوا : هذا غلط وخطأ(1)، بل قالوا : النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر .
    إذن، فماذا يبقى ؟ وما الفائدة من الافتراء على علي، وبقي عمر في تحريم المتعة وحده .
   
____________
    (1) فتح الباري 9 : 138، عمدة القاري 17 : 246، ارشاد الساري 6 : 536 و 8 : 41، اد المعاد 2 : 184، البداية والنهاية 4 : 193 .

 


( 54 )


    وهذه الأحاديث كلّها ـ كما قرأنا ـ تنصّ على أنّ عبدالله بن عباس كان يقول بالحليّة، وهناك أحاديث أُخرى أيضاً لم أقرأها، وعلي قال له : إنّك رجل تائه، لأنّه كان يقول بالحليّة .
    فإذن، يكون ابن عباس مخالفاً لعمر، وماذا فعلوا ؟ لابد من الافتراء على ابن عباس أيضاً، فرووا أنّ ابن عباس رجع عن القول بالحلّيّة ...
    يقول ابن حجر في فتح الباري : كلّ أسانيد رجوع عبدالله بن عباس ضعيفة .
    ينصّ الحافظ ابن حجر وينصّ ابن كثير على أنّ ابن عباس بالرغم من أنّه خاطبه عليّ بأنّك رجل تائه، وقال له : مهلاً يابن عباس ... وإلى آخره، لم يرجع عن القول بالحليّة إلى آخر حياته، فوضعوا على لسانه أحاديث بأنّه رجع، وابن حجر يقول : هذه الأحاديث كلّها ضعيفة سنداً، وابن كثير أيضاً يكذّب الرجوع(1).
    وبقي عمر وحده، ولم يتمكّن أولياؤه من توجيه تحريم عمر وتبرير مقولته، وماذا نفعل ؟ وما ذنبنا ؟ أرأيتم إنّنا نقلنا شيئاً عن أصحابنا ؟ أوجدتم رواية ذكرناها عن طرقنا ؟ وهل اعتمدنا في هذا البحث على كتاب من كتبنا ؟

 

الدر المنثور في التفسير بالمأثور. الإصدار 1,34

للإمام جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن السفاح؟ قال: النا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} يقول: إذا توج الرجل منكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله "والاستمتاع" هو النكاح. وهو قوله (وآتو النساء صدقاتهن نحلة) (النساء الآية 4).

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان متعة النساء في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ متاعه، فيتوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته، فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته، وكان يقرأ {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى} نسختها {محصنين غير مسافحين} وكان الإحصان بيد الرجل، يمسك متى شاء ويطلق متى شاء.

وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أول الإسلام، وكانوا يقرأون هذه الآية ( (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى..) ) الآية. فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته، لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه، حتى نلت هذه الآية (حرمت عليكم أمهاتكم) (النساء الآية 23) إلى آخر الآية فنسخ الأولى فحرمت المتعة، وتصديقها من القرآن (إلا على أواجهم أو ما ملكت أيمانهم) (المؤمنون الآية 6) وما سوى هذا الفرج فهو حرام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه من طرق عن أبي نضرة قال: قرأت على ابن عباس {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} قال ابن عباس: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى). فقلت ما نقرؤها كذلك! فقال ابن عباس: والله لأنلها الله كذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: في قراءة أبي بن كعب ( (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) ).

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير قال: في قراءة أبي بن كعب ( (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) ).

وأخرج عبد الراق عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرؤها "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن" وقال ابن عباس: في حرف أبي ( (إلى أجل مسمى) ).

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {فما استمتعتم به منهن} قال: يعني نكاح المتعة.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: هذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث. ليس يرث واحد منهما صاحبه.

وأخرج عبد الراق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: "كنا نغو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساؤنا فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن نتوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) (المائدة الآية 87) ".

وأخرج عبد الراق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني قال: "أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي - ولي عليه فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة - مع كل واحد منا برد، أما بردي فخلق، وأما برد ابن عمي فبرد جديد غض، حتى إذا كنا بأعلى مكة تلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا، قالت وما تبذلان؟ فنشر كل واحد منا برده، فجعلت تنظر إلى الرجلين، فإذا رآها صاحبي قال: إن برد هذا خلق وبردي جديد غض. فتقول: وبرد هذا لا بأس به. ثم استمتعت منها فلم تخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سبرة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما بين الركن والباب، وهو يقول: يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا".

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال: "رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها بعدها".

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} قال: نسختها (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) (الطلاق الآية 1). (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (البقرة الآية 228). (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) (الطلاق الآية 4).

الآية 24.... ...

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: نسخت آية الميراث المتعة.

وأخرج عبد الراق وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق، والصدقة، والعدة، والميراث.

وأخرج عبد الراق وابن المنذر عن علي قال: نسخ رمضان كل صوم، ونسخت الكاة كل صدقة، ونسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث، ونسخت الضحية كل ذبيحة.

وأخرج عبد الراق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم أنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة؟ قال: لا. وقال علي: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما نا إلا شقي.

وأخرج البخاري عن أبي جمرة قال: سئل ابن عباس عن متعة النساء فرخص فيها. فقال له مولى له: إنما كان ذلك وفي النساء قلة والحال شديد! فقال ابن عباس: نعم.

وأخرج البيهقي عن علي قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة، وإنما كانت لمن لم يجد. فلما نل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الوج والمرأة نسخت".

وأخرج النحاس عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس: إنك رجل تائه "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة".

وأخرج البيهقي عن أبي ذر قال: "إنما أحلت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متعة النساء ثلاثة أيام، نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وأخرج البيهقي عن عمر أنه خطب فقال: "ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، لا أوتي بأحد نكحها إلا رجمته.

وأخرج مالك وعبد الراق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن علي بن أبي طالب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية".

وأخرج مالك وعبد الراق عن عروة بن البير أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه. فخرج عمر بن الخطاب يجر رداءه فعا فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت.

وأخرج عبد الراق عن خالد بن المهاجر قال: أرخص ابن عباس للناس في المتعة فقال له ابن عمرة الأنصاري: ما هذا يا ابن عباس...؟! فقال ابن عباس: فعلت مع إمام المتقين فقال ابن أبي عمرة: اللهم غفرا.! إنما كانت المتعة رخصة كالضرورة إلى الميتة والدم ولحم الخنير، ثم أحكم الله الدين بعد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: والله ما كانت المتعة إلا ثلاثة أيام، أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ما كانت قبل ذلك ولا بعد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: "نهى عمر عن متعتين: متعة النساء، ومتعة الحج".

وأخرج ابن أبي شيبة عن نافع أن عمر سئل عن المتعة، فقال: حرام... فقيل له: إن ابن عباس يفتي بها! قال: فهلا ترمرم بها في مان عمر؟.

وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: لا يحل لرجل أن ينكح امرأة إلا نكاح الإسلام بمهرها ويرثها وترثه، ولا يقاضيها على أجل، إنها امرأته، فإن مات أحدهما لم يتوارثا.

وأخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ماذا صنعت، ذهب الركاب بفتياك؟ وقالت فيه الشعراء؟! قال: وما قالوا؟! قلت: قالوا:

أقول للشيخ لما طال مجلسه * يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس

هل لك رخصة الأطراف آنسة * تكون مثواك حتى مصدر الناس.

فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنير.

وأخرج عبد الراق وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى النا إلا شقي قال: وهي التي في سورة النساء {فما استمتعتم به منهن} إلى كذا وكذا من الأجل، على كذا وكذا... قال: وليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم، وإن تفرقا فنعم... وليس بينهما نكاح. وأخبر أنه سمع ابن عباس يراها الآن حلالا.

وأخرج ابن المنذر من طريق عمار مولى الشريد قال: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟! قال: هي المتعة كما قال الله. قلت هل لها من عدة؟ قال: نعم. عدتها حيضة. قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فآتوهن أجورهن فريضة} قال: ما تراضوا عليه من قليل أو كثير.

وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة فقال الله {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة}.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} قال: التراضي أن يوفي لها صداقها ثم يخيرها.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن شهاب في الآية قال: نل ذلك في النكاح، فإذا فرض الصداق فلا جناح عليهما فيما تراضيا به من بعد الفريضة من إنجا صداقها قليل أو كثير.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ربيعة في الآية قال: إن أعطت وجها من بعد الفريضة أو وضعت إليه فذلك الذي قال.

وأخرج ابن جرير عن ابن يد في الآية قال: إن وضعت لك منه شيئا فهو سائغ.

وأخرج عن السدي في الآية قال: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى التي تمتع بها فقال: أتمتع منك أيضا بكذا وكذا... قبل أن يستبرئ رحمها والله أعلم