الفاصلة تؤكد السجع

 

فى فواصل الآى (الإتقان 2 : 96 – 105)
دراسة ليوسف درة الحداد ضمن كتابه ( معجزة القرآن ) ج 3 ص 675 وما بعدها

" الفاصلة كلمة آخر الآية، كقافية الشعر، وقرينة السجع.
وقال " الدانى" : كلمة آخر الجملة، وهو خلاف المصطلح .. . وأُخذ من قوله تعالى: " كتاب فُصلت آياته " : فهى صفة لكتاب الله تعالى فلا تتعداه " الى الشعر أو السجع.
" وما يذكر من عيوب القافية، من اختلاف الحركة والاشباع والتوجيه فليس بعيب فى الفاصلة. وجاز الانتقال فى الفاصلة والقرينة وقافية الارجوزة، من نوع الى آخر، بخلاف قافية القصيدة" .

هذا، وقد خضع القرآن الى ما يغاير الحقيقة أو اللغة مراعاة للفاصلة.
والاتفاق العام على ان موسى أفضل من هارون فقدمه فى قوله: " موسى وهارون" ؛
لكن مراعاة للفاصلة قال فى موضع آخر: " هارون وموسى" لمكان السجع.

وبسبب مناسبة الفواصل نجد فى لغته ونظمه اموراً من مخالفة الفصول. ونقل السيوطى عن شمس الدين بن الصائغ فى كتابه (إحكام الرأى فى أحكام الآى) قال:
" وقد تتبعت الأحكام التى وقعت فى آخر الآى مراعاة للمناسبة فعثرت منها على نيف عن الأربعين حكماً:

" احدها: تقديم المعمول، إما على العامل نحو: " أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون" . قيل: ومنه " إياك نستعين" . أو على معمول آخر أصله التقديم نحو" لنريك من آياتنا الكبرى" مفعول نرى ، أو على الفاعل نحو " ولقد جاء آل فرعون للنذر" . ومنه تقديم خبر كان على اسمها نحو " ولم يكن له كفوءًا أحد" - وذلك مراعاة لمناسبة الفاصلة.

" الثانى: تقديم ما هو متأخر فى الزمان نحو " فلله الآخرة والأولى" . ولولا مراعاة الفواصل لقدمت الأولى كقوله: " له الحمد فى الأولى والآخرة".

" الثالث: تقديم الفاضل على الأفضل نحو " برب هارون وموسى".

" الرابع: تقديم الضمير على ما يفسره، نحو " فأوجس فى نفسه خيفة موسى" .

" الخامس: تقديم الصفة الجملة على الصفة المفردة نحو " ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً".

" السادس: حذف ياء المنقوص المعرّف نحو " المتعال ِ" ، " يوم التنادِ".

" السابع: حذف ياء الفعل غير المجزوم نحو " والليل اذا يَسر ِ ".

" الثامن: حذف ياء الاضافة نحو " كيف كان عذابى ونذرِ" ، " فكيف كان عقابِ " .

" التاسع: زيادة حرف المدّ نحو " الظنونا " و" الرسولا" و" السبيلا " . ومنه ابقاؤه مع الجازم نحو " لا تخاف دركًا ولا تخشى" ، " سنقِرئك فلا تنسى" - على القول بأنه نهى.

" العاشر: صرف ما لا ينصرف نحو " قواريراً قواريراً".

" الحادى عشر: ايثار تذكير اسم الجنس كقوله: " اعجاز نخل منقعر".

" الثانى عشر: ايثار تأنيثه نحو " اعجاز نخل خاوية" .

ونظير هذين قوله فى (القمر): " وكل صغير وكبير مستطر" ؛ وفى (الكهف) : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها".

" الثالث عشر: الاقتصار على احد الوجهين الجائزين اللذين قرئ بهما فى " السبع" ، فى غير ذلك. كقوله تعالى: " فأولئك تحروا رشداً" ، ولم يجئ " رشداً " فى السبع. وكذا: " وهىء لنا من أمرنا رشداً" . لأن الفواصل فى السورتين بحركة الوسط. وقد جاء فى " وان يروا سبيل الرشد". وبذلك يبطل ترجيح الفارسى قراءَة التحريك بالاجماع عليه فيما تقدم. ونظير ذلك قراءَة " تبّت يدا أبى لهب" بفتح الهاء وسكونها. ولم يُقرأ " سيصلى ناراً ذات لهب" إلا بالفتح لمراعاة الفاصلة.

" الرابع عشر: ايراد الجملة التى ردّ بها ما قبلها على غير وجه المطابقة فى الاسمية والفعلية كقوله تعالى: " ومن الناس من يقول: آمنا بالله واليوم الآخر، وما هم بمؤمنين" - لم يطابق بين قولهم " آمنا" وبين ما ردّ به فيقول: (ولم يؤمنوا)، أو (وما آمنوا) لذلك.

" الخامس عشر: ايراد أحد القسمين غير مطابق للآخر، كذلك نحو " وليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" - ولم يقل (الذين كذبوا).

" السادس عشر: ايراد أحد جزأى الجملتين على غير الوجه الذى أورد نظيرها من الجملة الأخرى، نحو " أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون".

" السابع عشر: ايثار أغرب اللفظين، نحو " قسمة ضيرى" ولم يقل (جائره)؛ ونحو "لينبذنّ فى الحطمة" ولم يقل (جهنم) أو (النار) . وقال فى (المدثر): " سأصليه سَقَر " ، وفى (سأل) " إنها لظى" ، وفى (القارعة) " مأمه هاوية" - لمراعاة فواصل كل سورة.

" الثامن عشر: اختصاص كل المشتركين بموضع نحو " وليذكر أولو الألباب " ؛ وفى سورة طه " إن فى ذلك لآيات لأولى النهى" .
" التاسع عشر: حذف المفعول نحو " فأما من اعطى واتقى - ما ودّعك ربك وما قلى". ومنه حذف متعلق أفعل التفضيل نحو " يعلم السر وأخفى " ، " خير وأبقى " .

" العشرون: الاستغناء بالإفراد عن التثنية نحو " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى".

" الحادى والعشرون: الاستغناء به عن الجمع نحو " واجعلنا للمتقين إماماً" - ولم يقل " أئمة" كما قال: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا" ، " إن المتقين فى جنات ونهر" اى أنهار.

" الثانى والعشرون: الاستغناء بالتثنية عن الافراد نحو " ولمن خاف مقام ربه جنتان " . قال الفراء: أراد جنة كقوله: " فإن الجنة هى المأوى" - فثنّى لأجعله الفاصلة. وقال أيضاً الفراء: والقوافى (هنا الفواصل) تحتمل من الزيادة والنقصان ما لا يحتمله سائر الكلام. ونظير ذلك قول الفراء أيضاً فى قوله تعالى " إذا نبعث أشقاها" فإنهما رجلان؛ ولم يقل " أشقياها" للفاصلة.

" الثالث والعشرون: اطلاق الاثنين على الجمع لأجل الفاصلة. ثم قال: وهذا غير بعيد. قال: وانما عاد الضمير بعد ذلك بصيغة التثنية: " ذواتا أفنان " مراعاة للفظ.

" الرابع والعشرون: الاستغناء بالجمع عن الأفراد نحو " لا بيع فيه ولا خلال" اى (ولا خلة) كما فى الآية الأخرى - وجمع مراعاة للفاصلة.

" الخامس والعشرون: اجراء غير العاقل مجرى العاقل نحو" رأيتهم لى ساجدين" ، " كلُ فى فلك يسبحون" - مراعاة للفاصلة.

" السادس والعشرون: إمالة ما لا يمال، كآى طه والنجم.

" السابع والعشرون: الاتيان بصيغة المبالغة ، كقدير وعليم، مع ترك ذلك فى نحو " هو القادر" و " عالم الغيب" . ومنه " ما كان ربك نسِيّا" .

" الثامن والعشرون: إيثار بعض أوصاف المبالغة على بعض، نحو " إن هذا لشىء عجاب" أوثر على (عجيب) لذلك - مراعاة للفاصلة.

" التاسع والعشرون: الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه نحو " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً، وأجل مسمى" - مراعاة للفاصلة.
" الثلاثون: ايقاع الظاهر موقع المضمر نحو " والذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجر المصلحين" . وكذا آية (الكهف).

" الحادى والثلاثون: وقوع مفعول موقع فاعل، كقوله: " حجاباً مستوراً" ، " كان وعده مأتيّّاً" اى (سائراً) و(آتياً).

" الثانى والثلاثون: وقوع فاعل موقع مفعول نحو " عيشة راضية" ، " ماء دافق".

" الثالث والثلاثون: الفصل بين الموصوف والصفة نحو " أخرج المرعى ، فجعله غثاء، أحوى". إن اعراب (أحوى) صفة لمرعى اى حالاً. (والأصل: أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء).

" الرابع والثلاثون: ايقاع حرف مكان غيره نحو " بأن ربك أوحى لها" ، والأصل (إليها).

" الخامس والثلاثون: تأخير الوصف غير الأبلغ عن الأبلغ. ومنه " الرحمان الرحيم" ، " رؤوف رحيم" لأن الرأفة أبلغ من الرحمة. (وزيادة البناء فى " الرحمان" تجعله ابلغ من " الرحيم").

" السادس والثلاثون: حذف الفاعل ونيابة المفعول نحو " وما لأحد عنده من نعمة تُجزى" .

" السابع والثلاثون: إثبات هاء السكت نحو " ماليه" ، " سلطانيه" ، " ماهيه" .

" الثامن والثلاثون: الجمع بين المجرورات نحو " ثم لا تجد لك به علينا تبيعاً". فإن الأحسن الفصل بينها، إلا أن مراعاة الفاصلة اقتضت عدمه وتأخير " تبيعاً".

" التاسع والثلاثون: العدول عن صيغة الماضى الى صيغة الاستقبال نحو " فريقاً كذبتم، وفريقاً تقتلون" - والأصل (قتلتم).

" الأربعون: تغيير بنية الكلمة نحو " طور سينين" والأصل سيناء؛ ونحو " سلام على الياسين" والأصل (الياس).

" تنبيه: قال ابن الصائغ: لا يمتنع فى توجيه الخروج عن الأصل، فى الآيات المذكورة امور أخرى، مع وجه المناسبة، فإن القرآن العظيم - كما جاء فى الأثر – لا تنقضى عجائبه".

فيحق لنا أن نقول إن خروج القرآن على الأصل اللغوى، فى قواعد اللغة كلها، مراعاة للفاصلة، هل هو من الاعجاز فى اللغة؟ يقولون: " ان عجائبه لا تنقضى". فهل غرائب القرآن وعجائبه التى بها يخرج عن أصول اللغة، هى من الاعجاز فى اللغة؟ وتسخير اللغة فى بنيتها، وقواعد صرفها ونحوها، ليس من الاعجاز فى فصاحة اللغة، وبلاغة بيانها. ويقولون: ان الفاصلة تحتمل ما لا يحتمله سائر الكلام. فأجازوا للقرآن ما يجوز فى الشعر، وما هو بشعر. والفاصلة فيه قد تأتى متقاربة أو متماثلة، وقليلاً ما مطابقة كما فى السجع. فهل يكون فى فواصله أدنى من السجع؟ إن مخالفة الأصول فى لغته ونظمه مراعاةً للفاصلة، هل هى من الاعجاز فى فصاحة اللغة؟