دين العنف

 

دخول الشرائع البشرية واختراقها المجال الديني، فقط استغل القائمون على الامر الطاقة النفسية والروحية العارمة التي بثها الدين في نفوس الفقراء ليحولوها من وعد بالمساواة والعدل الى شريعة وقوانين وفقه يتوجب على الناس اتباعها ضمن قانون سمي بالبيعة التي تمنح الحاكم الطاعة مرة واحدة مدى الحياة، والتي تحول الحاكم الى ظل الله على الارض. لقد حولت السلطات القران بعد قلبه الى موضوع للسياسة فبانت فوائده بشكل مباشر، فلقد اسقط معاوية بن ابي سفيان حكومة الامام علي بعد رفع القران على اسنة الرماح، ووضعته السلطات باليد اليسرى والسيف باليد اليمنى ووضعوا الناس بين هذا وهذا فافقدوهم حرية التفكير والعقل فالزمن زمن القوة لا زمن التفكير.

لقد انتبهت السلطات المتعاقبة الى فائدة الايدلوجيا الدينية فالتقطوا علماء الحديث وجلبوهم من كل مكان لغرض وضع ما لم يجدوه بالقران من شرائع وقوانين ،- أبي هريرة وعروة بن الزبير والزهري -، فقد عرفوا مبكرا تأثير الدين ودور رواة الحديث في تبرير ما يقومون به فهم يقتحمون بالسيف ويحكمون بالنص الديني، ولم يتخلف المحدثون عن وضع الاحاديث حسب رغبات واهواء السلطان فتوسعت مساحة الحديث حتى اكتشف الشافعي بأن لكل فعل حكم حلال او حرام، مستحب او مكروه او مباح، وبين تلك الشرائع قرض الناس بالمقاريض وامتدت يد الحاكم وتابعه الفقيه الى غرف نوم الناس لتكتب تعليماتهم على جدرانها كي يلتزموا بها في تلك البحبوحة الصغيرة من الحرية، وقالوا لهم هذا هو الدين وهذي شريعته .

وتحت عين الحاكم بدأ عصر تدوين الحديث، فقد لاحظ السيوطي تزامن كتابة الحديث وتدوينه منذ بداية الدولة العباسية وحسب طلبها لانها كانت في حاجة لتسويق نفسها دينيا امام الناس، فقد جاءت الدولة العباسية تحت شعار الرضا من آل محمد، وانشقت مبكرا عن العلويين الذين يحملون نفس الشعار فتطلب الامر ان يشقوا لهم طريقا دينيا خاصا فاستقطبوا العلماء لكي يقوموا بهذا الدور وبذلوا الاموال دون حساب فاصبح الفقيه من علية القوم وبطانة السلطان، واثمرت هذه السياسة حصيلة معتبرة من النتاجات القانونية والحديثية والفكرية فقد (كتب في سنة ثلاث واربعين ومائة الموطأ لمالك والمغازي والسيرة لابن اسحاق ومؤلفات ابي حنيفة في الرأي والفقه وشبيهاتها لسفيان الثوري وحماد بن سلمة وابن ابي عروبة )….( تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 416).

وتأثرت تلك الكتابات بالفلسفات الوافدة – فارسية ويونانية هندية – وبالاديان التي كانت في المنطقة – صابئية وزرادشتية ومانوية ويهودية ومسيحية وغنوصية -، فنشأت في هذه الظروف منظومة فكرية متكاملة قامت باعادة بناء الاسلام بكل الطرق المتاحة من تركيب وانشاء وحذف واضافة في ظل مناخ سجالي صاخب، فدخلت تلك المنظومة الفكرية في الدين واصبحت جزءا لا يتجزأ منه، وانفصلت في ظل الاحداث السياسية اللاحقة مجموعات شكلت منظومتها الفكرية الخاصة، فقد ظهرت المذاهب منذ تلك الفترة، ولعبت الاحداث السابقة دورا كبيرا مازال تأثيره عميقا في جميع المذاهب الاسلامية، فقد اثرت فتنة عثمان والتحكيم والصراعات المذهبية والاضافات التاريخية في ظهور تيارات ومذاهب من خضم تلك الاحداث، واصبحت تلك التيارات والمذاهب مكونا اساسيا من مكونات الاسلام، ويعترف الجميع بان تشكل تلك المجموعات والتيارات لم يكن بسبب نزول وحي من السماء بل كونتها الاحداث والاتجاهات المختلفة تحت مشهد ومرأى من الناس، كما لم يذكرها نص لكنها تعتبر أصل وجودها ديني، فكيف سيكون شكل الدين لولا تلك الاحداث ؟ بالتأكيد سيكون دينا آخرا غير ما نعرفه الان (للمزيد انظر كتاب السلطة لعبد الجواد ياسين ص 27) .

لقد انبثقت في ظل النظم السياسية وتحت اشرافها في غالب الاحيان اهم الكتابات الفقهية والعقائدية المعتمدة في وقتنا الحاضر، وفي ظل ازمة قلة التشريعات المذكورة في القران ذهب الفقهاء منذ وقت مبكر للاستعانة بالحديث النبوي الذي توسع بشكل كبير ودمج مع النص القراني واصبح على يد مالك والشافعي احد مصادر التشريع مساويا في حجيته للنص القراني ويمكنه ان ينسخ النص ويلغيه، واضيف له الاجماع والقياس، وتضخم الحديث عند ابن حنبل وسحبت عليه القداسة اسوة بالقران، وولد الاتجاه الاشعري في خضم النقاشات مع الشيعة في موضوع الامامة والعصمة والموقف من ابي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعائشة، وقد تبنى الاشعري فقه ابن حنبل مع تلك الاضافات. كما لعب الخلاف الشيعي السني في ظهور تشريعات وقوانين جديدة وصلت الى كراهة الزواج من طائفة اخرى، وثبت ذلك بالفقه (انظر فتوى ابن باز مقروءة ومسموعة والرسائل العملية لمراجع الشيعة) وشاع الاختلاف في كل العبادات والمعاملات وكأنهما ليستا من اصل واحد. وما زالت الاضافات مستمرة لوقتنا الحاضر .

اننا ازاء قضية واضحة هو دخول التاريخي في الديني، وتضخم التاريخي على حساب الديني الذي تصاغر ونسي في معمعة الجدل والفرق والمذاهب والسياسة، فازدادت الطقوس والمظاهر والتدين الخارجي الشكلي على حساب الاخلاق، وانتجت لنا هذه الحالة تطرفا وعنفا وازدواجية واصبح القتل والفساد مما يأمر الدين به، ولكي نعثر على الدين لابد من البدء بالتفتيش عليه في العقد الاول من النبوة، وسنجده حاضرا بكل وقار في تلك الفترة الفوارة من النسق القراني ذي الجمال والايقاع والبيان الساحر الذي يخلق جوا من التامل الخيالي الممتلئ والممتع. وسنجده غائبا في معمعة التدين الاجتماعي الذي لم نجد فيه غير الشريعة والقوانين التي تمكن الحاكم وتابعه الفقية من التحكم بالبشر وقد قالها معاوية بن ابي سفيان مرة عندما جاء الى الكوفة لم آاتي هنا لاعلمكم الصلاة والله اعلم انكم تؤدونها جئت اتحكم بكم .

لقد انفصل الدين منذ مرحلة مبكرة وسلك طريقه الخاص وظل يوهم الناس بأنه الدين الاصلي، فكان (امير المؤمنين) يصلي بالناس ويخطب الجمعة لكنه يعيش حياة اخرى لا تمت للدين بصلة، وقد كرس لصالحة شريعة وفقها يخدم مصالحة، فهو المساهم الاكبر بدين السلطة ولمصلحته ولد، لذلك ظل العنف كامنا فيه فهو وليد السلطة التي تركت فيه عاهة ولادية، وعليه فأن القول ببراءة الاسلام (الدين الاجتماعي) من العنف هو قول من لم يقرأ التاريخ، فالشق البشري هو اساس المشكلة وينبوع التطرف عندما يلتقي بالسياسة، كما ان الباحث عن اسلام وسطي يوفق بين الدين والعنف ويمزج بين التاريخ الديني العنيف والقيم الانسانية والرحمة والعدل هو مثل الذي يجمع بين الذئب والنعجة، فلا يوجد اسلام وسطي حقيقي، يوجد دين اولي بسيط منفصل فردي مفارق للتاريخ يتجسد بالضمير والاخلاق الكلية وهو ما يجب البحث عنه واظهاره للناس وتقديمه لهم فهو الجزء المفيد من الدين الخالي من العنف والتطرف. ولا يجب ان يتبادر للذهن بأن علينا ايجاد فقه وشريعة للدين الاصيل فهو لا يحتاج اليها انه بحاجة الى قدوة حسنه ومؤمنين متفانين بخدمة الانسان وتعليم لا يهدف للعنف وعلى المجتمع سن قوانين انسانية لاتفرق بين مواطن واخر وتحمي الناس من الضخ المركز للاوهام التي تستسخف الحياة وتستعجل الموت.