هل نشأ الإسلام في مكة؟ الجزء الأول: تاريخ مكة الغامض

 

«بَلَغَنِي أَنَّ الْبَيْتَ وُضِعَ لآدَمَ عَلَيْهِ السّلامُ يَطُوفُ بِهِ، وَيَعْبُدُ اللَّهَ عِنْدَهُ، وَأَنَّ نُوحًا قَدْ حَجَّهُ، وَجَاءَهُ، وَعَظَّمَهُ قَبْلَ الْغَرَقِ، فَلَمَّا أَصَابَ الأَرْضَ الْغَرَقُ حِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ، أَصَابَ الْبَيْتَ مَا أَصَابَ الأَرْضَ مِنَ الْغَرَقِ، فَكَانَتْ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ، مَعْرُوفَةٌ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُودًا إِلَى عَادٍ، فَتَشَاغَلَ بِأَمْرِ قَوْمِهِ، حَتَّى هَلَكَ وَلَمْ يَحُجَّهُ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى صَالِحًا عَلَيْهِ السّلامُ إِلَى ثَمُودَ، فَتَشَاغَلَ حَتَّى هَلَكَ، وَلَمْ يَحُجَّهُ، ثُمَّ بَوَّأَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَجَّهُ، وَعَلَّمَ مَنَاسِكَهُ، وَدَعَا إِلَى زِيَارَتِهِ، ثُمَّ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ إِلا حَجَّهُ.» – روايةٌ منسوبةٌ للتابعي عروة بن الزّبير.[1]

«لمَّا أهبطَ اللهُ آدمَ منَ الجنَّةِ قالَ: إنِّي مُهبطٌ معكَ بَيتًا أو مَنزلًا يُطافُ حَولَه كما يُطافُ حَولَ عَرشي ويصلَّى عندَه كما يصلَّى حَولَ عَرشي، فلمَّا كانَ زمنُ الطّوفانِ رُفِعَ، وكانَ الأنبياءُ يحجُّونَه ولا يعلَمونَ مكانَه، فبَوَّأه اللهُ لإبراهيمَ فبناهُ مِن خمسةِ أجبُلٍ: حِراءَ وثُبَيرٍ ولُبنانَ وجبلِ الطّورِ وجبلِ الخَيرِ، فتَمتَّعوا منهُ ما استَطعتُم.» – روايةٌ منسوبةٌ لعبد الله بن عمر.[2]

«وُضِعَ الْبَيْت عَلَى أَرْكَان الْمَاء عَلَى أَرْبَعَة أَرْكَان قَبْل أَنْ تُخْلَق الدّنْيَا بِأَلْفَيْ عَام، ثُمَّ دُحِيَتْ الْأَرْض مِنْ تَحْت الْبَيْت.» – روايةٌ منسوبةٌ لعبد الله بن عباس.[3]

«حَجَّ آدَمُ عَلَيْهِ السّلامُ فَلَقِيَتْهُ الْمَلائِكَةُ، فَقَالُوا: يَا آدَمُ! بِرَّ حَجَّكَ، قَدْ حَجَجْنَا قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَام.» – روايةٌ منسوبةٌ للنبي محمد. [4]

اليوم، ربما أكثر من مليار مسلم حول العالم، يتوجّهون بالصّلاة جميعًا بشكلٍ يوميٍّ نحو ذلك البناء شبه المكعّب في مدينة مكّة – قبلتهم المقدسة – تلك المدينة التي تحتوي حرمهم وتمثّل لهم مركز ديانتهم، يسافرون إليها بالملايين كل عام حاجّين ومعتمرين إلى بيت الله، مطيفين حوله مقيمين طقوسهم وشعائرهم المرتبطة بعلامات المكان وما حوله: الحرم والمقام والحجر وعرفات والمزدلفة والصّفا والمروة وزمزم.

ويؤمن المسلم تراثيًا أنّ مكّة والحرم هي بقعة الله الأكثر قداسةً في أرضه، خلقها قبل سائر البلاد، وأنّ بها أول بيت عبادةٍ وُضع للناس، وضع أساسه آدم بنفسه بمساعدة الملائكة، آخذين حجرها المقدس من الجنة مباشرةً، ثم تلاهم النّبي إبراهيم مسافرًا إلى الوادي غير ذي الزّرع، فأعاد بناء الكعبة هو وابنه اسماعيل، وطهّراها من الأصنام والأوثان، وأعادا إحياء شعيرة الحج مرةً أخرى.

يؤمن المسلم كذلك أنّ مكّة استمرت على أهميتها تلك حتى زمن ما قبل الإسلام، والمسمّى بالجاهلية، وأنها كانت في ذلك الوقت مركزًا دينيًا وتجاريًا شهيرًا، وأنّ كعبتها كانت مزارًا مقدّسًا يأتي إليه العرب من جميع أنحاء الجزيرة، وهو مزارٌ محميٌّ (رغم وجود الأصنام به) بحمى الله نفسه، الذي يحفظه ويدافع عنه ضدّ كل من تسوِّل له نفسه العدوان عليه.

يؤمن المسلمون أيضًا أنّه في تلك البيئة الوثنية، ووسط قبيلة قريش صاحبة الجاه والنّفوذ، عاش النّبي محمّد الذي تلقى آخر رسالات الله إلى البشرية في ذلك الغار، غار حراء، وتلا ذلك مراحل الدّعوة الدّينية في السّيرة المعروفة، من اضطهادٍ في مكّة، ثم الهجرة إلى يثرب (المدينة المنوّرة)، ثم سلسلة الغزوات والسّرايا النّبوية المنطلقة من هناك، والتي تنتهي بالعودة المنتصرة إلى مكّة مرةً أخرى، مقترنةً بتحطيم الأصنام وإعادة الكعبة لحالتّها الأصلية التّوحيدية، ثم منذ تلك اللحظة المصيرية صارت مكّة العاصمة الدّينية لجميع المسلمين إلى اليوم.

هذا ما يعتقد به المسلمون، ويتلقّونه بالحفظ والإيمان منذ الطّفولة، باعتباره مجموعةً من الحقائق الكونية المسلّم بها، وغير القابلة للجدل أو التّشكيك.

«تاريخ الكتاب المقدس لم يحدث في المرحلة الزّمنية أو بالشّكلية الموصوفين… بعض أشهر الأحداث المذكورة في الكتاب المقدس لم تحدث على الإطلاق.» – من مقدمة كتاب: التّنقيب عن الكتاب المقدس The Bible Unearthed، لعالمي الآثار الإسرائيليين إسرائيل فنكلستاين ونيل سيلبرمان.

 

المهتم ببحث التّاريخ يعرف أن المشهور لا يكون دائمًا صحيحًا، وأن الشّائع بين النّاس قد لا يكون بالضّرورة مستندًا إلى أرضيةٍ ثابتةٍ كما يُتوقّع، فالتّاريخ يقوم على المعلومات الموثقة، لا على المتعارف عليه بين النّاس، وعلى مرّ الزّمن ما أكثر الأحداث التي لُفّقت والوقائع التي زُورت وطالها التّحريف والمبالغة والكذب، سواءً عمدًا أم خطئًا، وكم من معتقدٍ آمن به الملايين طوال قرون ثم مع الفحص الدّقيق تبيّن زيفه، وتحديدًا مع التّاريخ الدّيني المقدس للشعوب تزيد مساحة الخلط والتّهويل والخرافة، فكم من معلمٍ تمّ تقديسه ارتباطًا بأحداثٍ ووقائع مفترضة، بغير أن يقوم هذا الرّبط على أساسٍ حقيقيٍّ إلا الاعتماد على أساطير الكهنة وجريًا على ثرثرات العوام من المؤمنين الأمّيين.

لو أردنا مثالًا على هذا فلا أشهر من موقع الجبل المقدس في سيناء المسمى بالطّور، حيث ارتبط تراثيًا وتاريخيًا على مدى قرون بأنّه المكان الذي تكلم فيه الرّب ذاته إلى موسى، ومنحه فيه الوصايا العشر –كما تذكر التّوراة– وعلى هذا الأساس اهتم المسيحيون الأوائل به، وتمّ بناء دير سانت كاترين بالقرب منه في القرن الرّابع للميلاد، غير أنّه مع قليلٍ من التّدقيق نجد أنَّ هذا الرّبط بين جبل سيناء التّوراتي وبين هذا الموقع الجغرافي المعيّن، هو ربطٌ حديثٌ زمنيًا وغير مبنيٍّ على أيّ أسبابٍ أو دلائل يمكن الوثوق بها إطلاقًا، ولم يبدأ إلا متأخرًا نسبيًا في القرون المبكرة للمسيحية، ثم تمّ ترسيخه مع مرور الزّمن، اعتمادًا على تراكم الأقاويل المتناقلة شعبيًا، ولكن بالنّسبة للباحث، يظل الرّبط مجرد أمرٍ تراثيٍّ لا تاريخيًا.

مثالٌ آخر للتزييف التّاريخي نجده في أساليب استخدام الدّين والتّاريخ للترويج لأغراضٍ سياسية، من هذا قصة ذلك الطّلسم الخشبي المعروف باسم البالاديوم، المحتوي على صورةٍ منقوشةٍ للإلهة اليونانية القديمة بالاس، والذي كان وجوده – كما تحكي الأساطير – بداخل المدن الكبرى كفيلٌ بأن يحميها ويحصّنها من كل شر، فكان موضوعًا أولًا في طروادة العتيقة، والتي لم يتمّ غزوها إلا بعد سرقة الطّلسم السّحري منها، ثم مع بزوغ مجد روما لاحقًا وانتقال القوة العالمية إليها، تمّ نسج الأقاصيص التي تعود بروما إلى سلالةٍ طرواديةٍ عريقة، وسرت الأقاويل بأنّ البالاديوم موجودٌ بداخل المدينة العظيمة يحميها ويحرسها، ولاحقًا مع قرار قسطنطين نقل مركز حكمه إلى القسطنطينية، في القرن الثّالثّ للميلاد، وجرت الشّائعات بأن الإمبراطور قام سرًا بنقل الطّلسم من روما إلى عاصمته الجديدة حيث استقر هناك، هكذا في زمنٍ كانت العظمة فيه تُقاس بمدى العراقة والقدم والعمق الضّارب في التّاريخ، كانت الحكايات تُؤلف والأساطير تُصاغ بعنايةٍ لمنح المجد الماضوي إلى مدنٍ معينةٍ ونزعها عن أخرى.

هذه مجرد أمثلةٍ بسيطة، فالحقيقة أنّ معظم التّصورات التي سادت طوال قرونٍ بين البشر عن تاريخ الأديان والرّسالات وسيَر الأنبياء، قد بدأ التّشكيك فيها في عصرنا الحديث، من قِبل المؤرخين والباحثين وعلماء الآثار، في معظم الدّوائر العلمية المرموقة في الغرب خاصة.

حتى بعد تنامي أفكار العقلانية والعلمانية والتّنوير في أوروبا وزوال سلطة الكنيسة، ظل المعتقد السّائد لفترةٍ – مع بعض الاستثناءات – أنّ موسى هو من كتب التّوراة، وأنّ الكتاب المقدس بعهديه هو كتابٌ موثوقٌ به تمامًا من النّاحية التّاريخية على الأقل، ولم يبدأ التّشكيك في مصداقية تلك الأمور بشكلٍ جديٍّ إلا في النّصف الأخير من القرن التّاسع عشر، بعد اكتشاف التراث الهائل للحضارات العراقية والمصرية القديمة بعيد فكّ رموز حجر رشيد أوائل نفس القرن، وبعد بدء عمليات التّنقيب الأثري على نطاقٍ شاملٍ في المناطق الشّرق أوسطية، والتي يُفترض أنها وقعت بها أحداث التّوراة، مما مكّن العلماء من إعادة رسم صورةٍ جديدةٍ لتاريخ المنطقة، والنّتيجة أنه لأول مرةٍ بدأ وضع الكتاب المقدس، ليس كمرجعٍ حاكمٍ لا يأتيه الباطل يُقيّم التّاريخ في إطاره، وإنما كمنتجٍ ثقافيٍّ يحتمل الخطأ والصّواب، يتم تقييمه هو في إطار التّاريخ.

و لأنّ التّاريخ بطبعه يناقش أحداثًا غيبيّةً وقعت في الماضي، وبالتّالي فهي غير مشهودةٍ، فهنا يعمل الباحث بشكلٍ يشبه طريقة عمل شرطة التّحري حين تواجه جريمةً من الجرائم وقعت ولم يشهدها أحد؛ حيث تبدأ بجمع الأدلة المتاحة، كثرت أو قلّت من بقايا أو بصمات أو آثار دماءٍ مثلًا، وقد تستمع إلى شهادات وأقوال كل من له صلةٌ بالواقعة، ومن ثم أخيرًا تشرع في رسم عدة سيناريوهات متصوّرة لما قد يكون قد حدث بالفعل، وفي النّهاية يتمّ قبول أكثر السّيناريوهات (أو النّظريات) منطقيةً وتماسكًا باعتباره الأقرب إلى حقيقة ما حدث فعلًا على أرض الواقع، مفصولًا عن الخرافات الشّعبية والبروباغاندا السّياسية والدّينية.

هكذا بدأ في الدّوائر البحثية الغربية إعادة النّظر في كتابة موسى للتوراة، فظهر ما يسمى بالنّظرية الوثائقية، والتي تنصّ على أنّ التّوراة كُتبت على فتراتٍ زمنيةٍ مختلفة، وبواسطة مجموعاتٍ متنوعةٍ من الكهنة والأحبار، وكذلك بدأ التّشكيك في مصداقية الأحداث الموصوفة في ثناياها، كدخول بني إسرائيل إلى مصر واستعبادهم فيها وخروجهم منها بقيادة موسى، ثم غزوهم لفلسطين بقيادة يوشع، فظهر الرّأي بأنها في مجملها أحداثٌ وهميةٌ صِيغت في فتراتٍ متأخرةٍ لخدمة أهدافٍ سياسيةٍ محليةٍ معيّنة، وامتد الشّك ليطال وجود الأنبياء الأوائل الذين يُسمُّونهم الآباء أو البطاركة، كإبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف والأسباط، بل وضع احتمال أنها مجرد شخصياتٍ خرافيةٍ أسطوريةٍ شعبية، مثلها مثل الآلهة القديمة زيوس أو هرقل أو حورس أو كريشنا، إلخ…

 ولم يختلف الحال مع مملكة داود وسليمان التّوراتية، والتي لم يجد الباحثون أيّ دليلٍ تاريخيٍّ أو أثريٍّ يُذكر يدلّ على وجودها خارج التّوراة، فتمّ اعتبارها مجرّد أسطورةٍ يهوديةٍ شعبيةٍ أخرى.

ولم يكن حظ المسيحية أفضل بكثير، فظهرت رؤًى بحثيةً متنوعةً تتراوح ما بين التّشكيك بوجود يسوع بالمطلق واعتباره شخصيةً أسطوريةً أخرى، وما بين الاعتراف بوجودٍ فعليٍّ واقعيٍّ لداعيةٍ يهوديٍّ عاش في ذلك الزّمن بالفعل، مع التّحفظ على كل ما ورد بشأنه في الأناجيل والتي –مثلها مثل التّوراة– لم تعد تُعتبر مراجع تاريخية يمكن الوثوق بها.

وتنوعت نظريات بحث الأديان تاريخيًا بين ما يمكن تسميته اتجاه تقليلي minimalism، والذي يميل إلى رفض التّسليم بالمرويات الدّينية وعدم قبول سوى الحقائق الصّلبة التي يوجد اتفاقٌ عليها أو تدلّ عليها الآثار، وما بين اتجاهٍ تكثيري maximalism، والذي لا يجد مانعًا في تصديق ما جاءت به المصادر الدّينية والتراثية، حتى وإن لم يكن هناك أدلةٌ صارمةٌ تدعمه، وشهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين طفراتٍ آثاريةٍ وبحثيةٍ جديدةٍ تبشر بإمكانية الجمع بين تلك الرّؤى المختلفة، في أُطُر أكثر تماسكًا، تمنحنا فرصةً أفضل لفهم ما حصل على الأرض، وكيف وصلت إلينا الأديان بالفعل.

الخلاصة أن شيوع المعتقد بين عددٍ كبيرٍ من النّاس، ولفتراتٍ طويلةٍ من الزّمن لا يجعله حقيقيًا، وأنّ مناهج البحثية الحديثة قد نجحت في قلب الكثير مما كان سائدًا ومتعارفًا عليه بين النّاس لقرونٍ طويلةٍ رأسًا على عقب.

ماذا عن الإسلام؟

في هذا السّياق النّقدي الاستشراقي الذي ابتدأ بشكلٍ منهجيٍّ منذ حوالي منتصف القرن التّاسع عشر، تعرّضت نصوص السّيرة ومعها الأحاديث المنسوبة للنبي محمد ونصوص التّاريخ المبكر للإسلام وخصوصًا في القرن الأول للهجرة، ومعهم الآليات الإسلامية المرافقة مثل سلاسل السّند وما يسمى بعلم الجرح والتّعديل، إلى نقدٍ منهجيٍّ منظمٍ بحيث تكشف معها من وجهة النّظر الاستشراقية على الأقل، بأننا لا نعرف في الحقيقة عن النّبي محمد إلا شذراتٍ بسيطةً جدًا، بحيث لا يمكننا معها تكوين أيّ تصورٍ واقعيٍّ عن حياته ولا عن أحداثها ولا عن تفاصيل دعوته، دع عنك إمكانية تكوين سيرةٍ كاملةٍ له كالتي نقرأها اليوم في مراجع إسلاميةٍ متعددة؛ فكما هو الحال تمامًا مع النّبي موسى والمسيح عيسى، من وجهة النّظر هذه فإنّ التّاريخ الذي ترويه التّوراة (أسفار موسى الخمسة) والأناجيل سواءٌ منها الأربعة المعترف بها من الكنيسة أو غير المعترف بها، هذه جميعها لا تروي تاريخًا حدث بالفعل ولكنها بالمقابل تروي لا شيء آخر سوى إلباس أفكارٍ دينيةٍ لبوس التّاريخ، يتمّ تشكيلها بواسطة قوة الأساطير الإبداعية وبشكلٍ غير واعٍ، ثم يتمّ تجسيدها من خلال شخصيةٍ تاريخية.

يقول المستشرق ديفيد شتراوس، وهو باحث في التراث التّوحيدي:

«وبالنّسبة لقلب الجزيرة العربية فإنّ الأدلة الأثرية والتّاريخية عن الفترة الجاهلية تكاد تكون معدومة، وهنالك بعض النّقوش والآثار القليلة التي اُكتشفت في مناطق متفرقة من أطراف الجزيرة العربية وبالدّرجة الأولى في اليمن وحضرموت وكذلك في حفريات نمارة. كما توجد إشاراتٌ عابرةٌ إلى عرب الأطراف الشّمالية وبادية الشّام في النّقوش الأشورية والبابلية والفارسية. وكذلك إشاراتٌ أخرى يغلب عليها الطّابع الأسطوري واللاتاريخي في التّوراة، ثم هناك بعض الفقرات المتفرقة في الكلاسيكيات اليونانية في التّاريخ والجغرافيا لأخيلوس وهيرودوتس وبطليموس، كما تعاني الفترة الانتقالية من الجاهلية وصدر الإسلام من افتقارٍ مماثلٍ في المصادر والأدلة التّاريخية والأثرية.»

«والواقع أنه لا يوجد أيّ دليلٍ تاريخيٍّ أو أثريٍّ ملموس على وجود الإسلام قبل فترة عبد الملك بن مروان، فأقدم المساجد والنّقوش والآثار النّقدية والإشارات المتفرقة في أوراق البردي تعود إلى تلك الفترة، وحتى القرآن لا يشذّ عن هذه القاعدة، وأول دليلٍ ثابتٍ على وجوده يعود إلى الرّبع الأخير من القرن الهجري الأول، أواخر القرن الميلادي السّابع». من مقدمة كتاب: مقدمة في التّاريخ الآخر، سليمان بشير.

من المؤكَّد أنّ البحث في تاريخ الإسلام لم يقطع أشواطًا طويلة، يمكن مقارنتها بما تمّ في تاريخ اليهودية والمسيحية، فمع وجود جهودٍ جيدةٍ قديمةٍ وحديثةٍ من مستشرقين وعرب، بدأت بالتّساؤل مثلًا عن مدى مصداقية الأحاديث النّبوية الواردة عن محمد، وامتدت في قليلٍ من الأحيان لتشمل التّشكيك في تاريخ الجاهلية وأدبها، على نحو ما رأينا مثلًا في أفكار المستشرق الانجليزي مرجليوث والأديب المصري طه حسين، إلا أنّه وحتى اليوم، يظلّ المعتقد السّائد بين المتخصصين –كما بين غيرهم– هو التّسليم ضمنًا بصحة مجمل ما وصلنا في كتب السّيرة سواءٌ عن زمن ما قبل الإسلام أو عن سيرة محمد ودعوته ذاتها.

بمعنًى آخر، فإنّ دراسة الإسلام تمرّ اليوم بما مرّت به دراسة التّاريخ اليهومسيحي منذ عقود، ولم تطلها المراجعة «الثّورية» بشكلٍ كافٍ حتى الآن، ولا نرى استثناءاتٍ لهذا سوى محاولاتٍ معدودة، لكنها متصاعدةٌ ومتناميةٌ لبعض الباحثين الذين صاروا يشككون في الثّوابت المعروفة للقصة الرّسمية التي وصلتنا عن نشأة هذا الدّين ويهدفون لإعادة رسم صورةٍ مختلفةٍ جديدةٍ للأحداث.

ولكن لو اتفقنا أنّ التّشكيك والرّفض ليس هدفًا بحدّ ذاته طبعًا، فهل هناك إذًا أسبابٌ تدعونا للريبة في الرّواية التّقليدية الإسلامية؟

بعيدًا عن الغياب شبه التّام لأيَّة آثارٍ جاهليةٍ تدعم ادّعاءات الرّواة وكتّاب السّير العباسيين بشأن تلك الحقبة، مثلًا، لم يتم العثور أبدًا على قصاصةٍ واحدةٍ من الشّعر الجاهلي المزعوم!، وبعيدًا كذلك عن الضّعف الواضح لمصادر السّيرة من النّاحية التّاريخية، فهي تمثّل أقاويل ظلت تتناقل شفهيًا لأكثر من قرنٍ من موت محمد (عام 632م)، ممّا يفتح الباب لكل تشويهٍ وتحريفٍ وزيادةٍ ونقصانٍ ونسيانٍ مرتبطٍ بالرّوايات الشّفهية، ثم تولى ابن إسحاق (المتوفي عام 768م) جمعها تحت سلطة الخليفة العباسي، وفي إطار ظرفٍ معقدٍ ومتصارعٍ دينيًا وسياسيًا، في كتابٍ مليءٍ بالأساطير والخرافات والأخطاء التّاريخية، لم تصلنا منه إلا نسخةٌ منقحةٌ على يد آخر هو ابن هشام، الذي يفصله قرنين كاملين عن زمن محمد، بينما لم يصلنا أيّة مخطوطةٍ كاملةٍ مما كتبه ابن إسحاق، مع ملاحظة أن المصادر الأخرى للسيرة هي كتبٌ متأخرةٌ: المغازي للواقدي 822م، وكتاب طبقات إبن سعد 845م، وتاريخ الطّبري 922م، ومجموعة كتب الصّحاح للبخاري 870م،والتي كتبت لسببٍ ما في جيلٍ واحدٍ في القرن التّاسع، ومسلم 875م، وإبن داوود 888م، والتّرمذي 892م، والنّسائي 915م، وإبن ماجه 886م، والغريب هنا أن الكتابات الأحدث تتضاعف فيها الرّوايات كمًّا وكيفًا عن الأقدم، أي كلما تأخر المصدر زمنًا، كلما ازدادت التّفاصيل التي يحكيها، وهو أمرٌ آخر يثير الشّكوك، أما أكثر المصادر قدمًا ومصداقيةً تاريخيةً، القرآن، فهو شحيحٌ جدًا في التّفاصيل يكاد يخلو مما يمكن الاعتماد عليه تاريخيًا.

ونقول: هناك أسبابٌ تدعو للرّيبة في القصة السّائدة، وهي أسبابٌ لها جوانبٌ متنوعةٌ وعديدة، ولا تختلف كثيرًا عن الأسباب التي دعت الباحثين للشك في رواية الكتاب المقدس للتاريخ.

من الجوانب المريبة على سبيل المثال لا الحصر، ما هو متعلقٌ بالآثار أيضًا: فنجد النّدرة المدهشة لأيّ أثرٍ يدلّ بوضوحٍ على وجود القرآن، أو وجود دينٍ يسمّى الإسلام، على مدى النّصف الأول من حكم الأمويين على الأقل: فأقدم آياتٍ قرآنيةٍ على الإطلاق نجدها في نقوش قبة الصّخرة، التي بناها الخليفة عبد الملك ابن مروان في القدس عام 691، وأقدم أجزاءٍ من مصحف نجدها في مخطوطات صنعاء، والتي يُقدّر بأنها تعود إلى زمن الوليد ابن عبد الملك، كذلك أقدم نقوش أو عملات تحمل أيّ اعترافٍ بنبوة محمد أو شهادة التّوحيد، فهي تعود أيضًا إلى زمن صراع عبد الملك مع الزّبير حوالي عام 685، أما المنقوشات والعملات قبل ذلك الزّمن أي في العهد المفترض للخلفاء الرّاشدين ومعاوية، فهي لا تحوي سوى صورًا وعلاماتٍ يهوديةً ومسيحية، دون أي شيء يدل على أن أصحابها كانوا مسلمين! فجأةً في عهد عبد الملك اختفت الصّور والرّموز اليهومسيحية من العملات وظهر مكانها لأول مرة شهادة التّوحيد المألوفة.

أما المصادر غير العربية المعاصرة والقريبة من زمن محمد، سواء سريانية أو أرمينية أو قبطية أو نسطورية أو يهودية كتعاليم يعقوب، والحواليات المارونية وغيرها، ورغم إبهامها وانحيازها المتوقع، فهي لاتذكر في مجملها أكثر من ظهور نبيٍّ بين السّراسنة العرب، وتتحدث عن بضعة معاركٍ وغزواتٍ أمر بها أو قادها بنفسه، فيما عدا ذلك فالقليل الذي تذكره يعطينا صورةً مغايرةً كثيرًا للصورة المعروفة، إذ لا نجد أيّ شيءٍ يشير إلى ديانة العرب الفاتحين، كما لا نجد ذكرًا لكلماتٍ مثل الإسلام أو المسلمين أو القرآن، وإنما ما نجده هو تسميةٌ للقوم بالـ «مهاغرايا»، والتي قد تفسر بأبناء هاجر وهم العرب أو ربما «المهاجرين»، ونجد حديثًا عن وجود تحالفٍ ما بين هؤلاء السّراسنة وبين اليهود، تحت شعار المطالبة باستعادة الأرض الابراهيمية المقدسة في فلسطين، ولاحقًا نجد أشياءً لا تقلّ غرابةً، مثل إشارةٍ إلى معاوية باعتباره أميرًا مسيحيًا حكم الشّام! هذا إلى جانب اختلافاتٍ أخرى عديدةٍ لا مجال للخوض فيها هنا.

ومن الجوانب المريبة أيضًا ما هو متعلقٌ بشخص نبي الإسلام نفسه، مثل إظهاره في السّيرة كشخصٍ مليءٍ بالمتناقضات، فهو تارةً داعيةٌ مسالمٌ حسن الخلق، يصبر على الاضطهاد من الكفار طوال ثلاثة عشر سنةً كاملة، ثم هو يتحوّل فجأةً إلى زعيمٍ قبليٍّ براجماتيٍّ دمويٍّ مزواج، وتارةً ذكيٌّ متزن، وتارةً أخرى يبدو حادّ الطّبع أقرب إلى الجنون، بحيث يبدو الأمر أحيانًا وكأننا نتحدث عن شخصين مختلفين، أو حتى عدة شخصيات.

كذلك أحداث سيرته ذاتها لا تقلّ غموضًا، فهي تارةً تبدو شديدة الصّدق والواقعية، وتارةً تبدو كملحمة انتصارٍ خارقةٍ تحتوي كل العناصر اللامعقولة والمتكررة التي نجدها في ملاحم الأبطال الأسطوريين أو نصف الأسطوريين: كالنّداء إلى المغامرة –التّردد في الإستجابة – التّدخل السّماوي – المعاناة – الهجرة – المعارك والمواجهات – الإنتصار – العودة إلى نقطة البداية[5]، هذا مع ملاحظة التّشابهات الملفتة جدًا بين سيرة محمد وسيرة العديد من الشّخصيات الدّينية الأقدم، مثل النّبي الفارسي ماني وموسى، وحتى هرقل البيزنطي وغيرهم.. مع عدم إغفال ربط هذا مع تشابه ديانة الإسلام نفسها مع ديانات المانوية واليهودية والسّامرية والصّابئة، وهناك أيضًا التّشابه مع سيرٍ إسلاميةٍ لاحقةٍ كسيرة محمد بن علي بن أبي طالب، والملقب بـمحمد بن الحنفية، ولو تذكّرنا أنّ السّيرتين كُتبتا متأخرتين، فمن الصّعب تصوّر أيّهما أُخذ عن الآخر.

إضافةً إلى بعض الجوانب المريبة المتعلقة بالقرآن نفسه، مثل مسألة تشابه بعض أبيات الشّعر الجاهلي مع آيات قرآنية، وخاصةً الشّعر المنسوب للأحناف حيث يصل الأمر أحيانًا إلى التّطابق في الكلمات وفي الأفكار، كشبه قول امرؤ القيس:

«دنت السّاعة وانشق القمر»

مع قول القرآن: «اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ» (القمر:1).

وكقول أمية بن أبي الصّلت: 

إلــه العـالمـين وكـلِّ أرضٍ ورب الرّاسيات من الجبـال

بناها وابتنى سبعًا شدادًا بـلا عَمدٍ يريــن ولا حبــال

 وتشابهه مع قول القرآن:

«وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ» (لقمان:10)

«وَبَنَيْنَا فَوْقَكمُ سَبْعًا شِدَادًا» (النبأ:12)

«خَلَقَ السّمَاوَاتِ بِغَيْرِعَمَدٍ تَرَوْنَهَا» (لقمان:10)

وغيرها الكثير مما يصعب تصوّر أيّهما سبق الآخر زمنيًا في الحقيقة، وأيضًا مثل مسألة وجود كلماتٍ دخيلةٍ كثيرةٍ في ثنايا المصحف، منها ما ينتمي إلى لهجاتٍ عربيةٍ غير قرشيةٍ ومنها ما ينتمي إلى لغاتٍ أجنبيةٍ كلغة الفرس والرّوم والنّبط والحبشة والبربر والسّريانية والعبرية والقبطية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كلماتٌ مثل رحمن ونبي ومدينة وذكر وسبّح وفرقان وقسط وجزية وأباريق وطور وسريا وطاغوت وماعون ومنافق وسورة وكتاب ومثاني ومصحف وغيرها الكثير، هي كلماتٌ يمكن إرجاعها إلى أصلٍ آرامي–سرياني، وبعضها مستخدمٌ في العبرية والفارسية والرّومية والحبشية، بل حتى كلمة «قرآن» ذاتها هي مشتقةٌ من كلمة قِريانا qeryana السّريانية التي كان يستخدمها المسيحيون واليهود قبل الإسلام، للإشارة إلى الكتاب المقدس المقروء، حتى ذكر البعض أنّ القرآن أُخذ عن خمسين لهجةٍ ولغة![6]بل ونجد رواياتٍ عديدةً تقول بأنّ الصّحابة أنفسهم –كأبي بكر وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس– استعصى عليهم فهم الكثير من كلمات القرآن! وأيضًا ممّا يريب هو طريقة جمع المصحف ذاته، وتضارب الرّوايات التي تتعلق بجمعه مع الحديث عن آياتٍ وسور ضائعة، ووجود عدة مصاحف متنافسةٍ في زمن الصّحابة.

أيضًا هناك جوانب تثير الرّيبة تتعلق بمدينة مكّة ذاتها، مثل ماضيها الغامض وعدم وجود أيّ ذكرٍ تاريخيٍّ قديمٍ لها، مما يناقض تمامًا ما ذُكر في أقوال الإخباريين ورواة التراث عن أهميتها المزعومة قبل الإسلام وصولًا إلى زمن آدم ونوح وإبراهيم، بل ومثل أنّ قبلات المساجد الأولى في زمن الإسلام لم تكن مُوجّهة لها، بل تمّ تحويلها لاحقًا، ومثل شواهد عديدةً ومتنوعةً توحي بنقل مسرح نشأة الإسلام بالكامل إلى مكانٍ آخر.

هذه الجوانب التي أوردناها هي مجرّد أمثلةٍ وإشاراتٍ مختصرة، فالمريب والمتناقض في المصادر والنّصوص الإسلامية كثير، ولعلّ معظمه لايزال بحاجةٍ إلى المزيد من الدّراسة من المتخصصين، أما ما سنتناوله هنا فهو الجانب الوارد في الفقرة الأخيرة والمتعلق بمكّة.

 المدينة الشّبح

«من الممكن القول إننا لا نعرف عن تاريخ مكّة في فترة ما قبل الإسلام إلا من خلال ما ربطته الرّواية بها من العقيدة الإسلامية» – من كتاب: مقدمة في التّاريخ الآخر، سليمان بشير.

مع معرفتنا بأن مدوّني أقدم سيرةٍ للنبي كانوا يكتبون بعد نحو قرنين من زمن وفاته، ترى إلى أيّ مدى يمكننا قبول فرضيتهم القائلة بأنّ مكّة القرن السّابع كانت بالأساس مكانًا على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية والثّراء: أم القرى؟

من المقبول عقلًا القول بأنها كانت مركزًا للحج، للوثنيين المحليين، ولكن القول بأنها كانت دبي زمانها مركزًا تجاريًا عالميًا مزدهرًا في قلب الصّحراء، هو حتمًا ليس كذلك.

أيّ حافزٍ قد يدفع باحثًا عن الأرباح كي يضع نفسه في قريةٍ قاحلةٍ على بعد مئات الأميال من أقرب بوتقةٍ استهلاكية؟ حتى قوافل الجمال القليلة التي استمرت آنذاك في التّنقل شمالًا منطلقة من حِمْيَر، متجهةً نحو سوقٍ رومانيٍّ كان قد فقد شهيته نحو البخور منذ زمنٍ طويلٍ، كانت تذهب في طريقٍ لا يمرّ بمكّة بحال.

وفي كتابات المدوّنين المعاصرين لمحمد، سواءً أكانوا سياسيين أو جغرافيين أو مؤرخين، يواجهنا ذِكر مكّة بالصّمت الصّادم، حتى في القرآن نجد ذكرها مرةً واحدةً فقط:

«وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّة» (الفتح:24).

وهي إشارةٌ قد تكون لقريةٍ كما قد تكون لمدينة. وباستثناء ذلك ففي الكم الهائل من الأدب القديم لا يوجد ذِكرٌ واحدٌ لمكّة.

فقط في عام 741، بعد أكثر من مئة سنة من موت النّبي، يظهر اسم مكّة أخيرًا على صفحات نصٍّ أجنبي، ونجد أنّ المؤلف يضع موقعها في العراق (بين مدينتي أور وحرّان).

«من الواضح إذًا أنه مهما كانت مكّة في بدايات القرن السّابع، فإنها لم تكن مدينةً تجاريةً مزدهرةً بحال» – من كتاب: تحت ظل السّيف، للمؤرخ توم هولاند، ص 303.

«يبدو جليًا أنه لو كان المكيّين وسطاء في تجارةٍ طويلة المسافة، من النّوع الذي وصف في الأدب الإسلامي، لكان هناك ذِكرٌ لذلك في كتابات زبائنهم، الذين كتبوا باستفاضةٍ عن العرب الجنوبيين الذين كانوا يمدّونهم بالعطريات، بالرّغم من الاهتمام الكبير الذي أُولي إلى العرب، فإنه ليس هناك أيّ ذكرٍ على الإطلاق لقريشٍ (قبيلة محمد نبيّ الإسلام) ومركزهم التّجاري مكّة، سواءٌ في الكتابات اليونانية أو اللاتينية أو السّريانية أو الآرامية أو القبطية، أو أيّة لغاتٍ أخرى كانت تستخدم خارج شبه الجزيرة العربية»– من كتاب: التّجارة المكية وصعود الإسلام Meccan Trade and the Rise of Islam، لباحثة التّاريخ الإسلامي باتريشيا كرون.

تاريخيًا، فالقرآن لا يخبرنا الكثير: لا نجد فيه ذكرًا واضحًا لمكان ولادة محمد، أو حياته، أو هجرته، أو نسبه، وهناك ذكرٌ واحدٌ غير واضحٍ لكلمة مكّة وذكرٌ آخر لبكّة مقرونةً بـأول بيتٍ وضع للناس، والتراث يقرن بين مكّة وبكة، فيقول أنّ هذه هي تلك بتنويعاتٍ مختلفة، وهناك كذلك إشارةٌ واحدةٌ مبهمةٌ لقريش وعلاقتها ببيتٍ مقدسٍ ما، وفي مواضع أخرى يتحدث عن الحرم وطقوس الحج. (سنتطرّق أكثر إلى بكة وإلى المزيد من الإشارات القرآنية فيما بعد).

ماذا عن نصوص التّاريخ؟

مع تفحّص المدوّنات القديمة غير الإسلامية، نفاجأ بأنّ مكّة ليس لها أيّ ذكرٍ واضحٍ أيضًا في التّاريخ، سواءٌ في الزّمن القديم المقارب لابراهيم والأنبياء، أو في الزّمن السّابق على الإسلام مباشرة.

في كتاب للباحث د. رأفت عماري بعنوان: الإسلام: في ضوء التّاريخ Islam: In Light of History، يرصد في بعض فصوله الحضارات المختلفة في المنطقة منذ القدم، ويتتبع التراث الأشوري، والبابلي، والفارسي، واليوناني، والعربي محاولًا البحث عن أي ّذكرٍ لمكّة في نصوص تلك الحضارات، دون أن يجد لها أثرًا بالمرة.

يلاحظ الكاتب مبدئيًا الغنى الكبير للآثار والموجودات المتبقية في الجزيرة العربية، منقوشاتٍ ومنازل ومعابد ونُصب وسجلات تجارية وألواح وأطلال مدن وأواني فخارية وخزفية، مما يعود الفضل فيه إلى المناخ الجاف والصّحراوي الذي يساهم في الحفاظ على الآثار ويمنعها من الانهيار والتّحلل، بحيث أن علماء الآثار اليوم نجحوا في رسم صورةٍ شبه كاملةٍ لتاريخ تلك المنطقة أحداثها وملوكها وحروبها وأنماط حياتها وأسماء آلهتها، وهذا يردّ على كل من يحاول تبرير غياب مدينةٍ بالحجم والثّقل المفترضين لمكّة بالقول أنّ غياب الدّليل لا يعني دليل الغياب، بل لو كانت مكّة موجودةً لتوقّعنا حتمًا أن يكون لها أيّ أثرٍ أو ذِكرٍ ما.

يبدأ الكاتب بسرد المدوّنات التّاريخية لمنطقة شمال غرب الجزيرة العربية منذ القرن التّاسع قبل الميلاد، منها مدنٌ كقيدار وديدان وتيماء، وقبائل وحضاراتٍ كثمود ولحيان والأنباط، والموثقة جيدًا، سواءٌ من خلال ما وُجد في تلك المناطق ذاتها من آثار، أو من خلال حديث الحضارات المجاورة (كالآشورية والبابلية) عنها، مع التّأكيد على الغياب الكامل لأيّ ذكرٍ لمكّة.

بعدها ينتقل إلى الحضارات الواقعة جنوب الجزيرة العربية، والتي تملك تراثًا آثاريًا أغنى حتى من سابقتها، يعود إلى القرن الرّابع عشر قبل الميلاد، ويتحدث عن مملكة هَرَم اليمنية، وعن ملوك مَعِن، ومملكة قَطبان، وحضارتَي سَبَأ وحِمْيَر، وكلها لديها سجلٌ مزدحمٌ بالآثار، ولكن أيضًا لا أثر لحديثٍ عن مدينةٍ تسمّى مكّة.

ثم يأتي دور شرق شبه الجزيرة، حيث نجد مملكة كِنْدَة، والتي لها مثل سابقاتها تاريخٌ معروف، كما يردّ الحديث عنها في السّجلات السّبأية، وفي أقصى شرق الجزيرة نجد تاريخًا معروفًا لحضاراتٍ عريقةٍ مثل دلمون التي تقع في دولة البحرين الحالية، والتي نعلم عنها الكثير وتذكرها المدوّنات السّومرية والأكادية منذ الألفية الرّابعة قبل الميلاد، ومَجَان وهي عُمان الحالية التي تملك تاريخًا موثقًا أيضًا، يمتدّ حتى الألفية الثّالثّة قبل الميلاد.

بعدها ينتقل إلى غياب ذكر مكّة من سجلات الحضارات العربية التي استعمرت المنطقة، فيبدأ من توسع حضارة المعنيين شمالًا واحتلال اللحيانيين للمنطقة، وعدم ذكرهم لمكّة، ثم يتحدث عن بسط الأنباط سيطرتهم على طريق التّجارة من شمال الجزيرة إلى جنوبها لقرونٍ قبل وبعد الميلاد، متضمنٌ صحراء غرب وسط الجزيرة العربية، والتي تحتوي مكّة، وعدم ذكرهم لها أيضًا رغم تسجيلهم لمدنٍ وقرًى صغيرةٍ لا أهمية لها.

كذلك أهل كِنْدَة سيطروا على غرب الجزيرة العربية، ودراسة منقوشاتهم لا تُرينا أيّ وجودٍ لمكّة في القرن الثّاني والثّالثّ بعد الميلاد.

ونرى ذات المسألة عند الحِمْيَريين الذين استعمروا المنطقة التي توجد بها مكّة اليوم ورغم كثرة منقوشاتهم فلا يوجد للمدينة ثمّة ذكر.

ولا يختلف الأمر فيما يخصّ الحضارات الكبرى غير العربية التي قامت بغزو المنطقة، كالآشوريين والبابليين والفرس والرّومان، وهي كلها حضاراتٌ قامت باحتلال شمال وغرب وسط الجزيرة العربية، فيتناولها الكاتب ببعض التّفصيل ليخلُص إلى أنه لم تقم إحداها بالحديث عن أيّ وجودٍ لمكّة في جميع السّجلات والنّقوشات والمخطوطات التي تركتها.

وفي فصلٍ آخر من الكتاب يتناول المؤلف بالتّفصيل الكتابات القديمة للمؤرخين والجفرافيين الكلاسيكيين، وعلى الأخصّ اليونانيين والرّومان، منذ القرن الخامس قبل الميلاد وصولًا إلى الثّالثّ بعد الميلاد، حيث جمعوا معلوماتٍ مُكثّفةً ومُوثّقةً عن شبه الجزيرة العربية، ومنهم من زارها بل ورسم لها الخرائط، ذاكرًا مدنها وقراها ومعابدها وجبالها بكل اهتمامٍ ودقة، ومع ذلك فتلك الكتابات –مرةً أخرى– تخلو من أيّ ذكرٍ لمكّة.

يبدأ من هيرودوت، الذي تجوّل في كثيرٍ من أنحاء العالم القديم، وزار الجزيرة العربية في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب عن جغرافيتها ومدنها، لكنه لم يذكر مكّة، ثم ينتقل إلى القرن الرّابع قبل الميلاد، حيث أرسل الاسكندر الكبير جغرافييّن إلى الجزيرة العربية، ليجمعوا له معلوماتٍ عنها تمهيدًا لغزوها، ومع ذكر هؤلاء لتفاصيل مهمةٍ بشأن ساحل البحر الأحمر والمناطق المحيطة به، إلا أنهم أيضًا لم يذكروا شيئًا عن مكّة.

بعدها يسير المؤلف مع كُتّاب آخرين، جغرافييّن ومؤرخين، يونانيين ورومان، كثيوفراستوس الذي كتب في القرن الرّابع ق.م عن تجارة السّبأيين البرية والبحرية وإراتوسثينيس، الذي قاس طول ساحل البحر الأحمر، وأجرى مسحًا شاملا ًعن الطّرق البحرية والبرية التي تربط جنوب الجزيرة بخليج العقبة شمالًا، ووصف كل الشّعوب والمراكز في المنطقة في أواخر القرن الثّالثّ ق.م، وأغاثاركايدس السّكندري، أهمّ مؤرخٍ وجغرافيٍّ في زمانه، والذي كان قريبًا من القصر البطلمي الحاكم، مما مكّنه من وضع يديه على أرشيفٍ كاملٍ من البعثات الاستكشافية في القرن الثّالثّ والثّاني ق.م، بالإضافة إلى التّعامل شخصيًا مع «شهود عيان»، من سفراء وتجار ومكتشفين زاروا بأنفسهم المنطقة المحيطة بالبحر الأحمر، وقام بوصف تفصيلي ودقيق للقبائل والمعابد وطرق التّجارة والظّواهر الطّبيعية في تلك المنطقة، وأرتيميدوروس، المؤرخ والجغرافي اليوناني، الذي كتب أحد عشر مجلدًا في الجغرافيا في القرن الثّاني ق.م، جامعًا معلومات سابقيه ومضيفًا عليها، وواصفًا أيضًا ساحل البحر الأحمر وما حوله ثم هناك المؤرخ والجغرافي الرّوماني سترابو، والذي رافق الحملة العسكرية الرّومانية على جزيرة العرب، بالتّعاون مع الأنباط، في القرن الأول قبل الميلاد وقام كشاهد عيانٍ بتسجيل كلِّ قريةٍ ومدينةٍ في المنطقة التي تحركت فيها الحملة على ساحل البحر الأحمر من شماله حتى جنوبه، بعدها يأتي مسح بليني، الفيلسوف والعسكري والمؤرخ الرّوماني، والذي كتب موسوعته الضّخمة: «التّاريخ الطّبيعي» في القرن الأول بعد الميلاد، متحدثًا في بعض أجزائها عن جزيرة العرب، من شمالها إلى شرقها إلى جنوبها إلى غربها، ذاكرًا أكثر من تسعين إسمًا لشعبٍ وقبيلةٍ عربية، وفي جميع تلك الكتابات لا ذكر لمكّة ولا جرهم ولا قريش.

وتستمر الظّاهرة في المصادر القديمة الأثيوبية، والسّريانية، والآرامية، والقبطية: لا حرف عن مكّة.

وحين نقارن هذا الحال بأيّ مدينةٍ أخرى مثل القدس، والمذكورة بوفرةٍ في المصادر التّاريخية القديمة كرسائل تلّ العمارنة المصرية وغيرها، أو حتى كمدينة يثرب التي نجد اسمها عدة مراتٍ في المدوّنات الرّافدية واليونانية واليمنية منذ القرن السّادس قبل الميلاد، هنا يتضح لنا حجم المعضلة، بل اللغز.

أخيرًا نشير إلى ما قد يُرى كذكرٍ استثنائيٍّ لمكّة في كتاباتٍ كلاسيكية، وهو حديث الجغرافي بطليموس السّكندري في كتاباته في القرن الثّاني بعد الميلاد، عن مدينةٍ تسمى موكا وأخرى تسمّى ماكورابا، حيث يرى البعض أنّ هذه أو ربما تلك قد تكون هي مكّة التي نعرفها، غير أنّ تتبّع إحداثيات المكانين من كتابات بطليموس، يُرينا أنّ موكا تقع شمال الجزيرة العربية قرب البتراء في الأردن، بينما ماكورابا تقع في شرق جنوب الجزيرة العربية ناحية عُمان، ويحتمل أن نقرنها بميناء موكوربا الذي ذكره بليني أيضًا.

النّتيجة إذًا أنه ليس هناك ما يثبت وجود مكّة قديمًا، فضلًا عمّا يُثبت أهميتها التّجارية أو الدّينية أو السّياسية، ونفس الشّيء ينطبق على ما قبل الإسلام مباشرةً، حيث يستبعد الكثيرون وجود ذلك النّشاط التّجاري البري بين الشّمال والجنوب العربي، في ذلك الوقت كما رأينا في إشارات باتريشيا كرون وتوم هولاند وغيرهما.

ختامًا، لو ألقينا نظرةً على صفحة ويكيبيديا على الإنترنت تحت عنوان: المدن الأثرية في السّعودية Ancient Towns in Saudi Arabia، فسنجد الحدث عن المناطق ذات السّجل الأثري المعتبر: قرية الفاو، وادي الأخدود، مدائن صالح، دومة الجندل، وغيرها، بينما لا نجد إسم مكّة، ذلك لأنها لا تملك سجلًا أثريًا يُذكر.

هذا عن المدينة، فماذا عن كعبتها المقدسة؟

كعبة أم كعبات؟

«كان للعرب كعباتٍ عديدةًّ أخرى تحج إليها في مواسم معينة وغير معينة، تعتر (تذبح) عندها، وتقدّم لها النّذور والهدايا، وتطوف بها، ثم ترحل عنها بعد أن تكون قد قامت بجميع المناسك الدّينية المطلوبة، وقد اُشتهر من بيوت الآلهة أو الكعبات ما وجدنا ذكره عند الهمداني: بيت اللات، وكعبة نجران، وكعبة شداد الأيادي، وكعبة غطفان، وما ذكره الزّبيدي: بيت ذي الخلصة المعروف بالكعبة اليمانية، وما جاء عند ابن الكلبي: بيت ثقيف، إضافةً إلى ما أحصاه جواد علي: كعبة ذي الشّري وكعبة ذي غابة الملقب بالقدس، ومحجّاتٍ أخرى لآلهة مثل: اللات، وديان، وصالح، ورضا، ورحيم، وكعبة مكّة، وبيت العزي قرب عرفات، وبيت مناة، هذا مع ما جاء في قول الأستاذ العقاد عن البيوت التي تُعرف ببيوت الله أو البيوت الحرام، ويقصدها الحجيج في مواسمٍ معلومةٍ تشترك فيها القبائل، وكان منها في الجزيرة العربية عدة بيوتٍ مشهورة، وهي: بيت الأقيصر، وبيت ذي الخلصة، وبيت رضاء، وبيت نجران، وبيت مكّة، وكان بيت الأقيصر في مشارف مقصد القبائل؛ من قضاعة ولخم وجذام وعاملة، يحجّون إليه ويحلقون رؤوسهم عنده.» – من كتاب: في طريق الميثولوجيا عند العرب، للباحث محمود سليم حوت.

تاريخيًا، تمّت إعادة بناء كعبة مكّة الحالية عام 1630، على يد السّلطان العثماني مراد الرّابع، بعد أن كانت قد تصدّعت،أما البناء الأقدم فتحكي لنا المصادر الإسلامية أنه قد تهدّم وأعيد بناؤه مرتين متتاليتين في العصر الأموي: مرة في عام 683 م في أثناء حصار مكّة الأول، من قِبَل جيش يزيد بن معاوية، لحاكم الحجاز آنذاك عبد الله بن الزّبير المتحصّن بالحرم حيث شبّ حريقٌ في الكعبة لأسبابٍ غامضةٍ اختُلف في إلقاء الذّنب فيها على جيش يزيد أو على الزّبير نفسه، وبعد فشل الحصار وانسحاب الجيش الأموي بسبب وفاة الخليفة يزيد في دمشق، وهدّ الزّبير ما تبقّى من الكعبة، وأعاد بناءها مرةً أخرى على قواعد إبراهيم، مغيّرًا فيها بعض الأمور حسب ما تخبرنا الرّوايات.

وبعد تولّي عبد الملك بن مروان للخلافة، أراد التّخلص من ابن الزّبير، فقام بتوجيه حملةٍ عسكريةٍ أخرى إلى مكّة بقيادة الحجّاج بن يوسف الثّقفي، والذي وصل هناك وحاصرها ثانيةً عام 692 مكررًا سيناريو القذف بالمنجنيق حتى هدمها مرةً أخرى، وبعد انتصار الأمويين ومقتل ابن الزّبير، يُقال أنّ الحجاج قد أعاد بناء الكعبة مرةً أخرى على أسس قريش، معيدًا الوضع إلى ما كان قبل تغييرات ابن الزّبير.

أما قبل الإسلام، فتحدثنا المصادر الإسلامية عن بناء قريش للكعبة زمن الجاهلية، في شباب محمد وقُبيل دعوته، حيث كانت تهدّمت بسبب حريقٍ عفويٍّ شبّ بها، ثم قبل هذا الزّمن لا نجد سوى السّرد القصصي الغامض، الذي ينسب بناء الكعبة إلى ابراهيم وآدم والملائكة… إلخ.

بشأن تاريخ الجاهلية فلدينا مصادرٌ قديمةٌ عديدةٌ غير عربية، تتحدّث عن وجود بيوتٍ مقدَّسةٍ دينيًا لدى عرب شبه الجزيرة قبل الإسلام، وأحيانًا يكون الحديث عن بيتٍ واحدٍ مميز، لكنّ مكانه لا يُذكر بدقة، على الجانب الآخر تذكر لنا مصادر التراث الإسلامي أسماء بضعٍ وعشرين كعبةً على الأقل، منتشرةً بين الأردن واليمن، تحجّ إليها مجموعاتٌ من العرب وهو ما تؤكّده لنا الآثار، حيث أنّ بعضًا من تلك الأبنية المقدسة مازال قائمًا بالفعل إلى يومنا هذا.

لكن الملاحظ أيضًا أنّ معظم تلك المصادر الإسلامية المكتوبة في العصر العباسي، تُلحّ على أنّ بيت مكّة كان يحظى بأهميةٍ وقداسةٍ مميزةٍ عن سائر البيوت العربية، وهو ما لا أثر له في التّاريخ كما قلنا.

حملة أبرهة التي لم تحدث

«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۞ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۞ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۞ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ۞ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ۞» (الفيل).

أبابيل: جماعات متتابعة، سِجِّيل: الطّين المتحجر، عَصفٍ: ورق الزّرع.

«32– لذلك هكذا قال الرّب عن ملك آشور: لا يدخل هذه المدينة ولا يرمي هناك سهمًا ولا يتقدّم عليها بترسٍ ولا يقيم عليها مترسة.

33– في الطّريق الذي جاء فيه يرجع، وإلى هذه المدينة لا يدخل، يقول الرّب.

34– وأحامي عن هذه المدينة لأخلصها من أجل نفسي ومن أجل داود عبدي.

35– وكان في تلك الليلة أنَّ ملاك الرّب خرج وضرب من جيش آشور مئة ألف وخمسة وثمانين ألفًا، ولما بكّروا صباحًا إذا هم جميعًا جثثٌ ميتة.» (سفر الملوك الثّاني 19: 32–35)، متحدثًا عن حصار الآشوريين للقدس وكيف أنقذ الرّب المدينة المقدسة.

يُنقل عن ابن إسحاق أن أبرهة الأشرم حاكم اليمن التّابع للنجاشي ملك الحبشة (أثيوبيا) بنى كنيسةً في صنعاء وسمّاها القُلَّيس، وأراد أن يجتذب الحجيج العرب إليها منافسًا بذلك كعبة مكّة، فجاء رجلٌ من العرب فقعد فيها (أي قضى حاجته)، مما أثار غضب أبرهة وقرّر أن يهدم الكعبة فخرج بجيشه مُحضرًا الأفيال مع كبيرهم الذي اسمه محمود، فأرسل الله على أبرهة طيرًا ترميه بحجارةٍ من مناقيرها، حتى هلك هو وجيشه وأفياله، ويُفترض أنّ الواقعة حدثت في عام ميلاد محمد على أشهر الأقوال وهو ما سُمّي بعام الفيل.

بغضِّ النَّظر عن الملامح الأسطورية الواضحة للقصة، وبغضّ النّظر عن أنّ السّورة القرآنية تخلو من أيّ تفاصيل تربط هؤلاء القوم الغامضين المسمّون «أصحاب الفيل» بالكعبة أو بمكّة أو بالحبشة بأيّ شكل، مما يفتح المجال واسعًا لتخمين ما المقصود منها بالتّحديد إلّا أننا نسجّل عدة نقاطٍ عامة:

1– الحادثة –كما يُتوقع– غير مذكورةٍ بالمرة في أيّ مرجعٍ معاصرٍ أو لاحق يدعم ما ادّعاه ابن إسحاق، والذي ظلّ الجميع ينقلون عنه حتى صارت القصة من المسلّمات، مع ملاحظة أنّ غياب مصادر أخرى يعني أننا نتحدث عن حملةٍ عسكريةٍ كاملةٍ تمّ إهلاكها في الصّحراء، دون أن نجد أيّ مصدرٍ تاريخيٍّ يتحدث عن الأمر!

2– قلنا أنّ مكّة ذاتها غير مذكورةٍ في أيّ تاريخٍ غير عربي، وتاريخ الحبشة ليس استثناءً: الملك المسيحي أبرهة الذي حكم بالفعل أجزاءً من اليمن والحجاز منتصف القرن السّادس، لم يُذكر عنه أنه ذهب إلى موضع مكّة، ولا يوجد حتى ما يثبت أنه كان على علمٍ بمدينةٍ بذلك الإسم.

ونشير هنا إلى أحد الكتابات المنسوبة لأبرهة، اكتشفها آثاريون فرنسيون عام 1951، وتتحدث عن الحملات العسكرية التي قام بها الرّجلفي جنوب الحجاز.

النّقش معروفٌ باسم «نقش بئر المريغان» تحت الرّمز RY 506 وهو آخر نصٍّ معروفٍ لأبرهة، حيث يعود إلى العام 552 للميلاد، ونصه مُترجمًا هو كالتّالي:

«بقوّة الرّحمن ومسيحه الملك أبرهة زيبمان ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وقبائلهم (في) الجبال والسّواحل، سطر هذا النّقش عندما غزا [قبيلة] معد [في[ غزوة الرّبيع في شهر ذو الثّابة (أبريل) عندما ثاروا كل [قبائل] بنى عامر، وعيّن الملك [القائد] أبا جبر مع [قبيلة] علي [علا؟ علي؟] [والقائد] بشر بن حصن مع [قبيلة] سعد [وقبيلة] مراد، وحضروا أمام الجيش ـ ضد بنى عامر ]وقد وجّهت] كندة وعلي في وادي ذو مرخ، ومراد وسعد في واد على طريق تربن وذبحوا وأسروا وغنموا بوفرة وحارب الملك في حلبن واقترب كظل معد (وأخذ) أسرى وبعد ذلك فوّضوا [قبيلة معد] عمرو بن المنذر [في الصّلح] فضمنهم ابنه (عروة) (عن أبرهة) [فعيّنه حاكمًا على] معد ورجع (أبرهة) من حلبن بقوة الرّحمن في شهر ذو علان في السّنة الثّانية والسّتين وستمائة [552 ميلادي]».[7]

ومن النّقوش يتبيّن لنا أولًا أنّ أبرهة لم يذهب إلى آخر الطّريق وإنما توقّف في مرحلةٍ ما، وقام بتوجيه الحملات، وثانيًا أنه لم يصل إلى موضع مكّة بل قد يكون أقرب مكانٍ وصلوا إليه هو وادي تربن الذي يقع بعيدًا عن مكّة نحو 190 كيلومتر، مع ملاحظة أنه لم يصل حتى إلى تربن وإنما إلى مكان على طريق تربن، وثالثّا يتبيّن لنا أنّ أبرهة قد عاد منتصرًا من حملاته، ولم يهلك، وبالطّبع لا يوجد أيّ ذكرٍ لأفيال أو طيور تلقي بحجارةٍ من مناقيرها.

3– أبرهة (على الأرجح في رأي كثيرٍ من المؤرخين) مات عام 553 أو نحو ذلك، أي قبل عام الفيل المزعوم بكثير. [8] [9]

4– القصة مليئةٌ بالصّعوبات المنطقية التي تجعلها مستحيلة الحدوث: فالأفيال أولًا تحتاج إلى كمياتٍ هائلةٍ من الماء والطّعام، كما أنها بطيئة الحركة ولا تتحمّل السّير في الصّحراء لمسافاتٍ كبيرة، مما يجعلها اختيارًا غير عمليٍّ بالمرة في تلك البيئة وتلك الظّروف، ولا يُتوقع أن قائدًا عسكريًا سيكلّف نفسه باستيراد تلك الكائنات الثّقيلة والمرهقة من أفريقيا، كي يغزو بها وسط الجزيرة العربية وفوق هذا فالفيل الأفريقي يختلف عن الآسيوي في أنّ حجمه أضخم وطبيعته أشرس وأعصى على التّرويض، ولذلك لا يُستخدم في الحروب أصلًا [10]، علمًا بأنّ الشّعب الوحيد الذي كان يستخدم الفيل في الحروب في ذلك الزّمن هم الفرس.

5– يلاحظ محمد النّجار في مقالتّه: قراءة في بعض السّيرة النّبويّة، وجود رواياتٍ أخرى مختلفةٍ للواقعة، غير رواية ابن إسحاق، فيذكر مثلًا رواية مقاتل بن سليمان صاحب أقدم تفسيرٍ للقرآن، الذي يذكر أن بطلَّ القصة ليس أبرهة وإنما ابنه! كما يحكي أنّ الجيش انسحب في هذا العام؛ وعاد في حملةٍ أخرى بعد سنتين، ويشير النّجار أيضًا إلى أقدم كتابٍ في الحديث، وهو: مصنّف بن عبد الرّزاق، الذي ينقل عن الزّهري أنّ القصة لم تحدث عام ولادة محمد؛ وإنما قبل ذلك بعقود وهو ما تدعمه رواياتٌ أخرى في المصادر الإسلامية. ويرى الكاتب أن هذا الخلط يدلُّ على أنّ القصّة لم تأخذ صورتها النّهائيّة التي نعرفها اليوم.

إذّا، فالخلاصة كما يبدو لنا أنّ القصة مختلقة، حيث تحوي جميع ملامح الأساطير القديمة التي صِيغت بشكلٍ هوليوودي مشوقٍ تم بلورتها في العصر العباسي أو قبل ذلك بقليل، والهدف الأساسي الواضح منها هو إعلاء شأن مكّة على سائر المدن العربية ورفع مكانة كعبتها على سائر الكعبات العربية، والتّأكيد على كونها علامةً مقدسة، يتدخل الله شخصيًا للدفاع عنها حتى وهي مليئةٌ بالأصنام!

الهدف من اختراع تاريخٍ عريقٍ لمكّة

لو تذكرنا مثال أساطير تأسيس روما التي سادت في زمانها، مع محاولات خلق أمجادٍ ماضيةٍ لها عن طريق القصص الرّوايات في زمنٍ كانت العظمة فيه تقاس بالعراقة والقدم؛ وهو ما حدث أيضًا مع القسطنطينية والقدس وغيرهم من المدن، فسيمكننا الاستنتاج إذًا من خلال ما استعرضناه أنه في مرحلةٍ ما؛ تمّ اختلاق تاريخٍ قديمٍ مجيدٍ لمكّة من قِبَل الرّواة ومدوّني السّيرة والتّاريخ الإسلامي، مع إحاطتها بالقصص والرّوايات ذات الطّابع الأسطوري بهدف منحها المزيد من القداسة والهيبة الشّعبية؛ على غرار ما تمّ سابقًا مع مدنٍ أخرى.

هكذا علينا ألّا نكتفي بملاحظة أنّ تاريخ مكّة في الحقيقة هو أكثر حداثةً وأكثر تواضعًا مما يُراد لنا تصديقه، لكن الأهم أيضًا هو ملاحظة أنّ وجود تلك الأساطير نفسها وكثرتها يعتبر دليلًا على أنّ الحاجة إلى تعظيم مكّة وكعبتها ظلّت موجودةً في العصر العباسي، أي في عزّ قوة الإسلام واستقراره! مما يثير التّساؤلات حتمًا.

لهذا احتمالان: الأول متوقعٌ ومفهوم، هو أنّ ارتباط مكّة بمهد الرّسالة الإسلامية وحياة النّبي كان هو الدّافع لدى الرّواة اللاحقين لتمجيدها ومنحها تاريخًا عريقًا.

أما الاحتمال الثّاني –والأكثر راديكالية– هو أنّ ربط مكّة بالإسلام ونبيّه، هو ذاته ليس إلّا كذبةً أخرى صِيغت كجزءٍ من خطة الرّواة لتمجيد المدينة!

كما سنرى، فهناك من الأدلة ما قد يدفع لترجيح الاحتمال الثّاني على غرابته: هناك فعلًا شواهدٌ عديدةٌ آثاريةٌ وتاريخيةٌ ومنطقية؛ بل وقرآنية توحي من ناحية بأنّ الإسلام لم يبدأ في مكّة، وتوحي من ناحيةٍ أخرى باستمرار الصّراع بين البيوت العربية المقدسة، والتّخبط في الاتفاق على القبلة والتّحولات فيها؛ وصولًا إلى منتصف العصر الأموي على الأقل وتوحي من ناحيةٍ ثالثّةٍ بأنّ مكّة لم تأخذ مكانتها المألوفة لنا إلّا في وقتٍ متأخر، وكحلقةٍ في تلك السّلسلة من التّحولات ثم بعد ذلك تمّ نسج الرّوايات بحيث تدعم ذلك التّحول وتمنح مكّة بُعدًا تاريخيًا مفتعلًا.

بالتّالي الشّك في تاريخ مكّة لا ينبغي أن يقتصر على أحداث ما قبل الإسلام، كبناء آدم أو الملائكة أو ابراهيم أو اسماعيل للكعبة، أو مكانة المدينة كمركزٍ دينيٍّ وتجاريٍّ جاهلي، بل ينبغي أن يمتدّ الشّك ليشمل تاريخها الإسلامي المبكّر أيضًا، وطبيعة علاقتها مع محمد والمؤمنين الأوائل كما سنرى.

لغز بكة

«إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ۞ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.» (آل عمران: 96،97).«كون بكة هي مكّة، وكون مكّة واقعةٌ في الحجاز، هما فرضيتان مأخوذتان كأمورٍ مسلمٍ بها عند ابن إسحاق، ووارثوه، ومع ذلك تبقى الحقيقة غير المريحة أنه لا يوجد أدنى دعمٍ لهذه أو تلك بين ثنايا القرآن نفسه.» – من كتاب: تحت ظل السّيف، للمؤرخ توم هولاند ص328، 329.«وعلى الرّغم مما يبدو من إجماع الجغرافيين العرب على كون مكّة هي بكة، فإن اضطراب الرّوايات بشأن ذلك ربما يشكل صدى لمحاولاتٍ متأخرةٍ من الدّمج بين المكانين، يقول ياقوت بعد أن يؤكد أن مكّة هي بكة بإبدال الميم باء: وقيل بكة بطن مكّة، وقيل موضع البيت المسجد ومكّة وما وراؤه، وقيل البيت مكّة وما والاه بكة، ورُوي عن مغيرة عن إبراهيم قال: مكّة موضع البيت وبمكّة موضع القرية، وقال يحيى بن أبي أنيسة: بكة موضع البيت ومكّة الحرم كله، وقال زيد بن أسلم: بكة الكعبة والمسجد؛ ومكّة ذو طوى وهو بطن مكّة، ولعل هذا الاضطراب وتعدد الرّوايات بشأن الموقع والتّسميات قد نتجا بالدّرجة الأولى عن كون القرآن نفسه لم يجزم بكون مكّة وبكة يدلان على نفس المكان، كما أنه من المفيد ملاحظة أن الرّواية الإسلامية تنسب إلى مكّة حوالي عشرين اسما آخر.» – من كتاب: مقدمة في التّاريخ الآخر، سليمان بشير ص 90.

ما أحلى مساكنك يارب الجنود.

تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب. قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي.

العصفور أيضًا وجد بيتًا، والسنونة عشًا لنفسها حيث تضع أفراخها، مذابحك يارب الجنود، ملكي وإلهي.

طوبى للساكنين في بيتك، أبدًا يسبحونك.

طوبى لأناسٍ عزهم بك. طرق بيتك في قلوبهم.

عابرين في وادي البكاء (في النسخة الانجليزية: وادي بكّة Valley of Baka عن العبرية בְּעֵמֶק הַבָּכָא وترجمتها الحرفيَّة: وادي الدموع)، يُصيرونه ينبوعًا. أيضًا ببركاتٍ يغطون مورة.

في حين أنّ القرآن لا يفهم منه بالمرة موضع بكة أو أيَّ شيءٍ محددٍ بشأنها، لكن المُلفت أننا نجد ذكرًا لذلك الإسم في التّوراة مقرونًا بطقوسٍ تشبه الحج، في حديثٍ عن بيت الرّب، والارتحال نحوه بالتّسبيح والصّلاة علمًا بأن العبارة في المزامير التي تترجم عادةً بـ«وادي البكاء»، من الأصحّ ترجمتها إلى «وادي بكة» كإسم علم، والذي يرجح أنه وادٍ حقيقيٌّ في فلسطين قرب القدس.[11]

ولو عدنا إلى الآية القرآنية من سورة آل عمران، لنلاحظ أن سياقها – ما سبقها وما لحقها – إنما يتحدث عن بني إسرائيل تحديدًا وحصريًا حينها يزداد الشّك.

«كُلُّ الطّعَامِ كَانَ حِـلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۞ فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ۞ قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۞ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ۞ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ۞ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ۞ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ۞» (آل عمران: 93–99).

وحين نلاحظ ربط الآية لبكة مع النّبي إبراهيم، مقامه ودينه، فسنعود لتذكر ارتباط إبراهيم الأصلي ومعه التراث الإبراهيمي كله بفلسطين وشمال الجزيرة لا مكّة، وحينها ربما تتضح المسألة أكثر.

أين وُجد إبراهيم وهاجر واسماعيل والإسماعيليين؟

«فنقل إبرام خيامه وأتى واقام عند بلوطات ممرا التي في حبرون. بنى هناك مذبحًا للرب.» – (سفر التّكوين، 13: 18)

«وظهر له الرّب عند بلوطات ممرا وهو جالسّ في باب الخيمة وقت حرّ النّهار.» – (سفر التّكوين، 18: 1)

1– وحدث بعد هذه الأمور أنّ الله امتحن ابراهيم فقال له يا ابراهيم؛ فقال هأنذا.

2– فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق واذهب إلى أرض المريا واصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك. 

3– فبكّر ابراهيم صباحًا وشد على حماره وأخذ اثنين من غلمانه معه واسحق ابنه وشقق حطبًا لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله.» – (سفر التّكوين، 22: 1،3)

14– فبكّر ابراهيم صباحًا وأخذ خبزًا وقربة ماءٍ وأعطاهما لهاجر واضعًا إياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع.

15– ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت احدى الاشجار.

16– ومضت وجلست مقابله بعيدًا نحو رمية قوس. لأنها قالتّ لا انظر موت الولد، فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت.

17– فسمع الله صوت الغلام؛ ونادى ملاك الله هاجر من السّماء وقال لها ما لك يا هاجر. لا تخافي لأنّ الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو.

18– قومي احملي الغلام وشدّي يدك به لأني سأجعله أمةً عظيمةً.

19– وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء، فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام

20– وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس

21– وسكن في برية فاران.» (سفر التّكوين، 21: 14–21).

ذكرنا عرضًا في البداية أنه من النّاحية التّاريخية لا يوجد أيّة معلوماتٍ تفيد بشيءٍ عن حياة إبراهيم وعائلته؛ أو حتى وجودهم، حتى أن الكثير من المؤرخين يعتبرونهم مجرّد شخصياتٍ أسطوريةٍ مُخترعة، ولكن يجب الانتباه إلى أنه حتى الأساطير ترتبط بأماكن وأحداث، وتنتشر في بيئاتٍ محليةٍ معينة، ويكون لها مراجع معينةً تتحدث عنها، وفي تلك الحالة التّوراة هو المصدر الرّئيسي قبل الإسلام لحياة أولئك الآباء.

لو تتبعنا خط سير رحلات النّبي إبراهيم وجميع الأحداث المرتبطة به كما تخبرنا بها التّوراة، فسنجدها تدور بالأساس حول فلسطين وشمال الجزيرة العربية، ولا يوجد أيُّ شيءٍ يشير لذهابه جنوبًا إلى مكّة لا من قريب ولا من بعيد.

أما الموقع المفترض لرحلة هاجر المطرودة مع ابنها إسماعيل؛ فهو حسب التّوراة صحراء بئر سبع جنوب غرب القدس وليس مكّة التي تقع على بعد نحو ألفٍ ومئتي كيلومتر جنوبًا، وأيضًا موضع جبل المروة أو الموريا؛ هو في التّوراة المكان الذي امتثل إبراهيم فيه للتضحية بابنه بناءً على أوامر الرّب.

كذلك حياة اسماعيل ونسله لاحقًا فهي في «برية فاران» قُرب بئر سبع قُرب سيناء، تلك الصّحراء المذكورة أيضًا في سفر الخروج كمكانٍ مر به الإسرائيليون الخارجون من مصر في زمن موسى فهؤلاء هم القبائل المعروفة باسم الإسماعيليين، والذين نجد الحديث عنهم في قصة يوسف حيث كانوا هم أصحاب القوافل التي التّقطته من البئر وباعوه في مصر، فقد ظلوا دومًا مرتبطين جغرافيًا بسيناء وصحراء الأردن لا مكّة.

أما المكان الذي عُرف باسم مقام إبراهيم فهو «بلوطات ممرا» الموضع المقدس، قرب حبرون (حيث مدفن إبراهيم ويعقوب وإسحاق) بين القدس وبئر سبع، وسمى المقام لأن إبراهيم وقف فيه أمام الرّب كما يخبرنا المؤرخ توم هولاند في كتابه.[12]

والملفت أيضًا هو إشارة هولاند إلى أنّ هذا المكان (ممرا) صار من المزارات الوثنية المقدسة للعرب قبل الإسلام، حيث كانت تُمارس فيه طقوسًا تشبه طقوس الحج الوثني التي ستُنسب لاحقًا إلى مكّة.

الخلاصة إذًا، أنّ الأماكن والأحداث المتعلقة بحياة إبراهيم وعائلته: لوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، إلخ.. قد ارتبطت حصريًا بفلسطين والصّحراء المحيطة بها لا مكّة.

هنا نتذكر ما تخبرنا به المصادر الإسلامية من أنّ الدّين الإسلامي قد ارتبط بالفعل في بدايته ولفترةٍ مؤقتةٍ بفلسطين والقدس.

من هم القرشيون؟

نلاحظ في النّصوص السّابقة من المزامير والتي تتحدث عن وادي بكّة، ذكر لجماعة «بني قورح» فمن هؤلاء؟

«قورح» أو «قوره» في الحقيقة هو الشّخص المعروف لدى المسلمين بقارون: هو عدو موسى الأثيم ومنافسه، والذي ابتلعته الأرض بأوامر الله.[13]

أمابنوه «بنو قورح» أو «القورحيون»، فهم الذين صاروا كهنة البيت وسندته:

نسل قورح بن يصهار بن قهات بن لاوي، وقد اشتهر بعضهم بالغناء بين زمرة القهاتيين، كان منهم بوابون وأحدهم وهو مسّلميًا وكيلًا على المطبوخات وبوّاب باب خيمة الاجتماع وكان هيمان المغني وصموئيل النّبي بين القورحيين) [14]، هكذا نجد أن بني قورح كانوا بوابي المعبد أي حملة مفاتيحه، والمغنيين، وحراس الخيمة، ووكلاء المطبوخات والطّبخ من أجل القرابين المقدسة. [15]

ألاتذكرنا تلك المهام والوظائف بشيءٍ معين؟

حسب السّيرة الإسلامية فهذه بالتّحديد كانت وظائف عوائل قريش، فيبيتا لله في مكّة: حجابة الكعبة (أي تولي أمر مفاتيحها)، ورفادةالحجيج (إطعامهم) وسقيهم تلك الوظائف التي يُقال أن جد محمد الرّابع (قصي) هو من قسمها بين عبد الدّار وعبد مناف. [16]

ويزداد الأمر تشويقًا حين نجد في مراجع الكتاب المقدس أن اسم بنو قورح (القورحيون) ينطق أيضًا ببنو قورش (beno qorach) قرشي qorchi القرشيون! [17] [18]

و من وصفهم كذلك تتضح صلة كهنتهم بالغناء، مما يذكّرنا نوعًا ما بقول القرآن عن قريش: «وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً» (الأنفال:35).

والمُكاء هو الصّفير بينما التّصدية هي التّصفيق باليد، فما الذي يعنيه هذا تحديدًا؟

الإسراء الغامض

«سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ» (الإسراء:1).

تخبرنا مصادر السّيرة الإسلامية، أن الإسراء من المسجد الحرام في مكّة إلى المسجد الأقصى في القدس قد حدث قبل الهجرة مباشرةً نحو عام 621 م، ولكن أوّل ما قد يلفت النّظر في هذا الادعاء أنّه في ذلك الزّمن لم يكن هناك مسجد في القدس أصلًا!

ففي تلك البقعة المقدسة منذ القدم عند اليهود والمسمّاة بجبل الهيكل، قام الرومان بهدم المعبد اليهودي فيها عام 70 بعد الميلاد، ثم بُني تحت حكمهم وحكم البيزنطيين عدَّة أبنيةٍ دينيةٍ في ذلك الموضع، أولها وثنية، كمعبد جوبتير في القرن الثّاني للميلاد، ثم مسيحيةٌ متمثلةٌ بالكنائس، لكنها هُدمت أيضًا، وبدأ اليهود إعادة بناء هيكلهم المقدس في ظل الحكم الفارسي القصير للقدس بين عامي 610 و 615، إلّا أنّه تم إجهاض المحاولة على يد السّكان المسيحيين والذين قاموا بتحويل السّاحة إلى مقلب قمامة على سبيل الانتقام، وهو ما تؤكده المراجع الإسلامية [19]؛ وظلّ هكذا حال المنطقة حتى دخول المسلمين في خلافة عمر بن الخطاب عام 638 م.

قد يقول قائلٌ هنا إن محمد أُسريَ به إلى ساحة الأقصى؛ على أساس أن المُقدّس هو الموضع ذاته لا الأبنية، لكن القرآن يتحدث عن «مسجد» أي مكان للسجود، كما أن روايات الإسراء تتحدث عن «بيت المقدس» وأنّ جبريل ربط الدّابة عند «الباب» وأن محمد «دخل» فوجد الأنبياء مجتمعين، إذن الحديث هو بوضوحٍ عن مبنى قائم لا عن ساحة مفتوحة فضلًا عن مزبلة!

ولكن إن لم يكن للمسجد وجودًا في ذلك الزّمن، فإلى أين أُسريَ بمحمد؟ بل وإلى أين ظل المسلمون يتوجهون بالصّلاة طوال ثلاثة عشر عامًا قبل تحويل القبلة؟

حقًا، متى تم تحويل القبلة؟

«سَيَقُولُ السّفَهَاء مِنَ النّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۞ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ۞ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الذينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ۞ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظّالِمِينَ ۞ الذينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۞ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ۞ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۞ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۞ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون۞.» (البقرة: 142– 150)

كما رأينا في مثال تناول القرآن للتراث اليهودي الخاص بإبراهيم وهاجر والإسماعيليين، فيبدو أنّ التّداخل بشكلٍ عام بين نشأة الإسلام واليهودية هو تداخلٌ كبيرٌ ولافتٌ للنظر.

يُحكى لنا أنّ مكّة كانت مدينةً وثنيةً لا يكاد يوجد فيها أثرٌ لنفوذٍ يهودي، ومع ذلك نجد أن كثيرًا جدًا من القرآن ليس فقط موجهًا لخطاب بني إسرائيل في السّور اللاحقة المسماة بالمدنية والموجهة ليهود يثرب، وإنما اللافت أنّ معظم السّور المبكِّرة (المكيَّة) أيضًا تتحرك بداخل التراث اليهودي حصريًا، فتحكي عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط ويوسف؛ وتتناول مرارًا تفاصيل قصة موسى وفرعون، مما يدعونا إلى التّساؤل: أولًا من أين اقتبس محمد هذا التراث الإسرائيلي؟ وثانيًا إلى من كان يتوجّه به في مكّة؟

وإن سلّمنا بأن وجود ورقة ابن نوفل مثلًا كفيلٌ بالإجابة على السّؤال الأول، فماذا عن الأهم: الثّاني؟ لماذا يكلّف النّبي العربي نفسه بحمل تراثٍ خارجيٍّ غريبٍ بالكامل إلى قومه؟ أوَلم تكن هناك وسيلةٌ أسهل لإنشاء دعوةٍ دينية؟!

نعم؛ يُحكى لنا أن مكّة لم يكن فيها نفوذٌ يهودي، ولكن المسلمون مع ذلك ظلوا يصلّون إلى قبلة اليهود منذ بداية الدّعوة وحتى ما بعد الهجرة، ولم يقوموا بتحويل القبلة إلّا بعد استقرارهم إلى جوار اليهود في يثرب، وهو أمرٌ آخر يبدو لافتًا سواء بمقاييس الدّين أو حتى السّياسة، ويدعو إلى المزيد من التّشكيك في الرّواية الرّسمية.

 والحديث عن تحويل القبلة ينقلنا إلى قضيةٍ صادمةٍ أخرى: وهي أنّ الدّراسات الآثارية والتّاريخية ترينا أن المسلمين الأوائل لم يكونوا يصلون نحو مكّة، وأن قبلات المساجد الأولى في العصر الإسلامي لم تكن أيّ منها تشير منها إلى مكّة! وإنما إلى مكانٍ آخر أكثر شمالًا بكثير!

لغز المساجد الأولى

  1. لقد جاء القرآن غامضا بالنّسبة لمكّة المكان الذي ذكرت تلك الرّواية أن القرآن نزل فيه والذي خصص له الدّور الرّئيسي في تطور الدّعوة والعقيدة الإسلاميتيين، فالقرآن لا يذكر مكّة سوى مرة واحدة وذلك في إطار الحديث عن بعض أعمال عسكرية تتعلق بمكان للعبادة. كما أنه لا يحدد كون مكان العبادة هناك وفي موضعٍ آخر نجده يسمي ذلك المكان «بكة».

وعدم التّحديد هذا يصبح مسألةً خطيرةً على ضوء وجود بعض الفجوات في الرّواية الإسلامية أو تلك التي توفرها بعض الأدلة الأثرية، من ذلك أن أبا حنيفة النّعمان مثلًا لم يكن في النّصف الأول من القرن الثّاني الهجري يكفّر من يقول أن الكعبة حق وفي نفس الوقت يشكّ فيما إذا كان موضعها هو حتمًا هذا البيت الذي يحجّ النّاس إليه ويطوفون حوله أو بيت بخراسان، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه لم يحدد مكان القبلة وأنه اكتفى بقوله: «القبلة ما بين المشرق والمغرب»، أما عبد القاهر البغدادي (توفى سنة 429 هـ، 1037 م) فقد أعطانا صورةً أكثر تشددًا في الموقف من مسألة موضع الكعبة بقوله: «وأصحاب الحديث لا يصححون إيمان من شك في موضع الكعبة كما لا يصححون إيمان من شك في وجوب الصّلاة إلى الكعبة».

بالإضافة إلى ذلك هناك روايةٌ أخرى تشير إلى أن قبلة جامع عمرو بن العاص في فسطاط مصر، التي وقف على إقامتها «ثمانون رجلًا من الصّحابة» كانت مشرقةً جدًا وأنها بقيت كذلك إلى أن هدم المسجد في زمن الوليد بن عبد الملك حين «تيامن» عامله بالقبلة الجديدة. يضاف إلى ذلك كله وجود بعض الأدلة الأثرية التي تشير من النّاحية الأخرى إلى انحراف قبلة مسجدين أمويين آخرين باتجاه اليمين، وهما مسجد الحجاج بن يوسف في واسط ومسجدٌ آخر يقع بالقرب من الموضع الذي بنيت فيه مدينة بغداد فيما بعد. الأمر الذي دفع بعض المؤرخين إلى محاولة البحث عن مكان القبلة حتى أواسط الفترة الأموية في شمال غرب الجزيرة العربية. وذلك في حد ذاته يضع مسألة تغيير القبلة في الإسلام في إطارٍ تاريخيٍّ جديدٍ للغاية لأن القرآن وإن كان تحدث عن وجود قبلة منسوخة وعن عملية نسخها فإنه لم يذكر بالتّحديد أنها كانت القدس.

من كتاب: مقدمة في التّاريخ الآخر، سليمان بشير ص50–60.

«يبدو أنهم اتجهوا في الصّلاة إلى مكانٍ ما في الشّمال الغربي من جزيرة العرب. في الموضع الأوّل، لدينا الدّليل الأركيولوجي على وجود مسجدين أمويين في العراق، مسجد الحجاج في واسط وآخر يُعْزا إلى الحقبة ذاتها تقريبًا قرب بغداد. هذان المسجدان متوجهان شمالًا إلى درجةٍ كبيرةٍ بمقدار 33 درجة و30 درجة على التّرتيب، ومع هذا يمكن لنا أن نقارن الشّهادة الأدبية التي تفيد أن القبلة العراقية كانت نحو الغرب. ثانيًا، لدينا الدّليل الأدبي المتعلق بمصر؛ فمن الجانب الإسلامي هنالك تقليدٌ يقول إن مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط كان متوجهًا نحو الشّمال البعيد، وكان لابد من تصحيحه تحت حكم قره بن شريك. من الجانب المسيحي لدينا عبارةٌ شهيرةٌ ليعقوب الرّهاوي، وهو شاهد عيان من ذلك الزّمن، تقول إن المهغرايه في مصر كانوا يصلّون إلى الشّرق نحو الكعبة. والجمع بين الدّليل الأركيولوجي من العراق والدّليل الأدبي من مصر يشير دون لبس إلى حرم في شمال غرب الجزيرة العربية، وبهذا يصعب أن نتجنب الاستنتاج بأن موقع الحرم الهاجري في مكّة كان ثانويًا.» – من كتاب: الهاجرية. لباتريشيا كرونه ومايكل كوك، ترجمة نبيل فياض، ص 17.

يبدو أن مساجد القرن السّابع –وقت ظهور الإسلام– لم تكن قِبلاتها تشير إلى مكّة، فنحن نتحدث هنا عن المساجد الأموية في مصر والعراق والشّام، ونتحدث عن فارق انحرافٍ كبيرٍ جدًا لا يمكن أن ينتج عن خطأ في التّوقيع الهندسي؛ على الأخصّ من قومٍ لهم خبرةٌ بالإرتحال والاتجاهات الجغرافية.

تؤكد المصادر القديمة الإسلامية وغير الإسلامية هذه الملاحظة: فالبلاذري مثلًا؛ المؤرخ في العصر العباسي يقول: «أنّ قبلة مسجد الكوفة بالعراق والذي يُفترض أنه بُني عام 670 تشير إلى الغرب[20] بينما كان من المفترض أن تشير إلى الجنوب مباشرةً نحو مكّة»، أما الكاتب والرّحالة المسيحي يعقوب الرّهاوي؛ فيذكر حوالي عام 705 أن المهاغرايا (العرب) في مصر يصلّون بإتجاه الشّرق نحو الكعبة[21]، ولا ندري أي كعبةٍ يقصد التي تقع شرق مصر! بالإضافة لغيرهما من المصادر.

وفي مرحلةٍ ما، لربما في النّصف الأول من القرن الثّامن، تم تعديل قبلات المساجد لتتجه ناحية مكّة.[22]

هذا يؤكد ما ذهب إليه بعض الباحثين وذكرناه سابقًا، بأنّ صراع البيوت المقدَّسة لم يتوقف، ومُعضلة القِبلات لم تُحسم، ووضعية مكّة كعاصمةٍ للإسلام لم تستقر إلّا في وقتٍ متأخرٍ جدًا، وأنّ الرّوايات والتّفاسير الإسلامية قد تمّ صياغتها لاحقًا خصيصًا لملائمة ذلك الوضع الجديد ودعمه.

الهوامش:

[1]  أخبار مكّة للأزرقي.. باب ذِكْرُ حَجِّ إِبْرَاهِيمَ عليه السّلام وأذانه بالحج.. حديث رقم 89

[2]   الهيتمي المكي – المصدر: الزّواجر – الصّفحة أو الرّقم 1/20.. رواه الطّبري في تفسيره للآية 127 من سورة البقرة بسنده.

[3]  أخرجه ابن جرير وأبو الشّيخ في العظمة..و رواه الطّبري في تفسيره بسنده (3/61)

[4]   أخبار مكّة للأزرقي.. باب مَا جَاءَ فِي حَجِّ آدَمَ عَلَيْهِ السّلامُ ودعائه..حديث رقم 28

[5]   هنا يمكن مراجعة نموذج الخطوات النّمطية للبطولة الذي وضعه باحث الميثولوجيا الأمريكي جوزيف كامبيل والمعروف بإسم Monomyth «الأسطورة الأحادية» أو hero’s journey “رحلة البطل” – وهي خطوات تقليدية تتكرر في كل الملاحم الأسطورية تقريبا، بتنويعات متباينة..

[6]   كتاب “الإرشاد في القراءات العشرة”، لأبي بكر الواسطي..

[7]   التّرجمة من: Journal Asiatique/A.L.Premare/V.288/T2/2000/p261–367 – http://www.alawan.org/article7781.html

[8]   Stuart Munro–Hay، “Abraha” in Siegbert von Uhlig، ed.، Encyclopaedia Aethiopica: A–C (Wiesbaden: Harrassowitz Verlag، 2003)

[9]  S. C. Munro–Hay، Aksum: An African Civilization of Late Antiquity (Edinburgh: University Press، 1991)، p.87

[10]  هناك استثناءات لاستخدام أفيال حربية في أفريقيا، مثل ما حدث في إحدى المعارك في مصر القرن الثّالثّ قبل الميلاد، ومثل الأفيال التي استخدمها القرطاجيون لمحاربة الرّومان في نفس الزّمن تقريبا، لكن تلك الأفيال تصنف من سلالة معينة صغيرة الحجم، يسمى “الفيل الأفريقي الشّمالي” Loxodonta africana pharaoensis، وقد انقرضت تلك السّلالة بحلول القرن الثّاني بعد الميلاد http://www.itsnature.org/rip/north–african–elephant/

[11]  http://biblehub.com/hebrew/habbacha_1056.htm–http://biblehub.com/hebrew/1056.htm

[12]  كتاب “تحت ظل السّيف”، In the Shadow of the Sword: The Battle for Global Empire and the End of the Ancient World، ص 203..

[13]  http://st–takla.org/Full–Free–Coptic–Books/FreeCopticBooks–002–Holy–Arabic–Bible–Dictionary/21_KAF/KAF_133.html

[14]  http://st–takla.org/Full–Free–Coptic–Books/FreeCopticBooks–002–Holy–Arabic–Bible–Dictionary/21_KAF/KAF_134.html

[15]  http://en.wikipedia.org/wiki/Korahites

[16]  http://ar.wikipedia.org/wiki/سدانة_الكعبة

[17]  http://www.internationalstandardbible.com/K/korahites–sons–of–korah.html

[18]  http://www.biblestudytools.com/encyclopedias/isbe/korahites–sons–of–korah.html

[19]  يقول ابن كثير (وقد كانت الرّوم جعلوا الصّخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصّخرة، وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهي المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب، فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمي ذلك الموضع القمامة، وانسحب هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النّصارى هنال – البداية والنّهاية/الجزء السّابع/فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب

[20]  فتوح البلدان، ص 276 – والنّقل عن كتاب الهاجرية.

[21]  British Museum، Add. 12، 172، f. 1242.: Wright، Catalogue of Syriac Mauscripts، p. 604 والنّقل عن كتاب الهاجرية.

[22]  Craig Winn، Prophet of Doom، VA: Cricketsong books، 2004