هل نشأ الإسلام في مكة؟ الجزء الثاني: الدلائل تشير الى الشمال

 

 

«مدينة مكَّة وقريش لم تكن معروفةً خارج الجزيرة، مع أنّ المصادر أخبرت الكثير عن جزيرة العرب، وهذا يشير إلى أنّ نشوء الإسلام لم يكن في الحجاز، ولم يكن الحجاز المكان الذي انطلقت منه موجات الفتوحات لنشر عقيدة العرب في العالم» – من مقال لنادر قريظ بعنوان: “إسلام بدون محمَّد – تحدي كاليش للعقل الإسلامي”.

«”تجارة مكَّة وظهور الإسلام” هو كتابٌ لباتريشيا كرونة، باحثةٌ في التاريخ الإسلامي، تحاول فيه المؤلفة الوصول إلى فكرة أنّ الإسلام لم ينشأ في مكَّة، وتوضّح في الكتاب أنّ مكَّة كانت بعيدةً تمامًا عن الطريق بين اليمن وسورية، وأنه ليس هناك أيّ ذكرٍ لمكَّة في مصادر غير إسلاميةٍ في هذه الفترة.

فحصٌ شاملٌ لكلّ الأدلة المتاحة، قادت باتريشيا إلى أنّ مهنة محمَّد لم تكن في مكَّة والمدينة ولا جنوب شبه الجزيرة العربية أصلًا بل في شمال الجزيرة العربية» من تقديم كتاب “التجارة المكية وصعود الإسلام”، ويكيبيديا.

«وعلى الرّغم من أنّ القرآن يذكر عرفات والصفا والمروة وأسماء أمكنةٍ أخرى ارتبطت بشعائر الحج، فهو يُبقي الباب مفتوحًا أمام إمكانية أن تكون الرواية الإسلامية المتأخرة هي التي ربطت هذه الأسماء بمواقع داخل مكَّة وحولها». من كتاب “مقدمة في التاريخ الآخر”، سليمان بشير، ص 104.

ينقل المؤرخ توم هولاند في كتابه المذكور ص241 و466، من كتابات دبلوماسي روماني عمل كسفيرٍ في عدة مناطق عربية، يتحدث عن حرمٍ كبيرٍ محاطٍ بالنخيل، يجتمع فيه الحجيج للاحتفال مرتين سنويًا في جوٍّ يسوده الأمان والسلام بشكلٍ استثنائي، لكنّ الدلائل المذكورة في النص تؤكد أنّ الحرم لا يقع في مكَّة، وإنما في مكانٍ ما جنوب فلسطين، حين نلاحظ:

1- بكّة وعلاقتها بمحيط القدس.

2- الكعبة وعلاقتها بشخصياتٍ وأحداثٍ مرتبطةٍ بفلسطين والأردن في الأصل.

3- الإسماعيليون وكون موطنهم الأصلي الأردن وسيناء.

4- التراث القرآني وارتباطه عمومًا بالتراث التوراتي بالأساس.

5- الإسراء وعلاقته بموطن الهيكل اليهودي.

6- الصلاة الإسلامية وتوجهها أولًا نحو فلسطين.

7- المساجد الأولى وقبلاتها التي كانت تشير إلى شمال غرب شبه الجزيرة فسنجد أنّ كلها شواهد-ولا أقول دلائل- تشير إلى ارتباط بداية الإسلام الأولى فعلًا بمواضع قرب فلسطين والأردن، وتؤكد أنّ بروز دور مكَّة لم يأتِ إلّا لاحقًا.

علامة أخرى مهمّة: آثار قوم لوط

«ولوط السائر مع إبرام كان له أيضًا غنمٌ وبقرٌ وخيام. ولم تحتملهما الأرض أن يسكنا معًا، إذ كانت أملاكهما كثيرة؛ فلم يقدرا أن يسكنا معًا. فحدثت مخاصمةٌ بين رعاة مواشي إبرام ورعاة مواشي لوط. وكان الكنعانيون والفرزيون حينئذٍ ساكنين في الأرض. فقال إبرام للوط: لا تكن مخاصمةً بيني وبينك وبين رعاتي ورعاتك؛ لأننا نحن إخوان، أليست كل الأرض أمامك؟ اعتزل عني. إنْ ذهبتَ شمالًا فأنا يمينًا وإنْ يمينًا فأنا شمالًا، فرفع لوط عينيه ورأى دائرة الأردن أنّ جميعها سُقي قبلما أخرب الرّب سدوم وعمورة كجنة الرب كأرض مصر. حينما تجيء إلى صوغر، فاختار لوط لنفسه كل دائرة الأردن وارتحل لوط شرقًا، فاعتزل الواحد عن الآخر. إبرام سكن في أرض كنعان؛ ولوط سكن في مدن الدائرة ونقل خيامه إلى سدوم». (التكوين 12-13:5)

«هي الأرض المعروفة بالملعونة وليس فيها زرعٌ ولا ضرعٌ ولا حشيشٌ ولا نبات، وهي بقعةٌ سوداء قد افترشتها حجارةٌ متقاربةٌ في الكبر. ويُروى أنها الحجارة المسومة التي رُمي بها قوم لوط، وعلى جميع تلك الحجارة كالطابع من وجهيها، وهي كقوالب الجبن المستديرة هيئاتها وخلقها فلا يُرى ما يخالف شيئًا من أشكالها». ابن حوقل، كاتبٌوجغرافيٌّ ومؤرخٌ ورحالةٌ وتاجرٌ مسلم من القرن العاشر للميلاد(23)

«وعلى القرب من البحيرة المنتنة ديار قوم لوط، وهي ديارٌ تسمى بالأرض المقلوبة، وليس فيها زرعٌ ولا ضرعٌ ولا حشيش، وهي بقعةٌ سوداء قد فُرش فيها حجارةٌ كلها متقاربةٌ في الكبر، ويُروى أنها من الحجارة المسوّمة التي رُمي بها قوم لوط». أبو الفداء مؤرخٌ وجغرافيٌّ سوريّ من القرن الثالث عشر للميلاد(23)

يتحدث القرآن عن قرية لوط التي دمرها الله بسبب ممارسة أهلها “للفواحش” قائلًا:«وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ ۞إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ۞ إلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ۞ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ۞ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ۞ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (الصافات:133- 138)، فيصف المخاطبين أنهم يمرّون على آثارهم مصبحين؛ وبالليل، ما يوحي بقرب المسافة.

و هناك آياتٌ أخرى يُفهم منها التأكيد على ذلك القرب الجغرافي لمن يخاطبهم مع آثار قوم لوط، فيصف موضعها بأنه في طريقهم:

«فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ-فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ۞ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ۞ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ» (الحجر:73 – 76)

ويؤكد أنّ تلك الآثار قريبةٌ من القوم:

«فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ- مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ». (هود:82-83)

فأين تقع آثار قوم لوط؟ أو بصيغةٍ أدق:ما المواقع الجغرافية التي ربطتها الأساطير بقوم لوط؟

الجواب بشكلٍ حصري هو على حدود فلسطين عند البحر الميت قرب نهر الأردن، هذه هي منطقة سدوم وعمورة التاريخية، على بعد نحو ألف كيلومتر من مكَّة.

غُلِبَتِ الرُّومُ

ما يذكرنا بآيةٍ أخرى تصب في نفس التلميح

«آلم ۞ غُلِبَتِ الرُّومُ ۞ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۞ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ» (الروم:1- 4)

“أدنى الأرض” حسب المعاجم والتفاسير، تعني أقرب الأرض، علمًا أنّ الانتصارات المتبادلة بين الفرس والروم قد جرت في الشام وفلسطين أيضًا، ما يُعتبر قرينةً قويةً أخرى أنّ القرآن كان يخاطب أشخاصًا يعيشون في تلك المنطقة؛ لا في مكَّة.

آثارٌ أخرى: مَدْيَن والحِجْر

بالإضافة إلى آثار قوم لوط عند البحر الميت؛ يلمح القرآن إلى آثار منازلٍ وبيوت قومٍ آخرين، الأرجح أنها البيوت الصخرية القديمة، يربطها جغرافيًا بشكلٍ ما بمن يخاطبهم، حيث يصفهم تارة بأنهم “يمشون في مساكنهم”:

«أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى». (طه:128)

«أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُون في مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ». (السجدة:26)

 وتارةً يشير لهم إلى تلك المساكن وكأنها ماثلةٌ أمامهم:

«وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن ْمِن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ». (القصص:58)

ورغم الإشارة الماضية بقلة الساكنين في تلك الديار، إلّا أنه يأتي مرةً ويخاطب القوم بصفتهم من أولئك الساكنين فيها!

«وَسَكَنتُم فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ». (إبراهيم:45).

وهذه الآية الأخيرة ملفتةٌ بشكلٍ خاص، إذ لا يُعرف عن أيّة بيوتٍ قديمةٍ في مكَّة تُنسب لقومٍ هالكين، فمن يقصد القرآن بكلامه؟

من تفسير الطبري للآية نقرأ:

«قال ابن زيد، فـي قوله: {وَسَكَنْتُـمْ فِـي مَساكنِ الَّذِينَ ظَلَـمُوا أنْفُسَهُمْ وَتَبَـيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ} قال: سكنوا فـي قراهم مدين والـحجر والقرى التـي عذّب الله أهلها، وتبـين لكم كيف فعل الله بهم، وضرب لهم الأمثال».

ويبدو هذا التفسير بالفعل هو الوحيد المتاح بأنّ القرآن يتحدث هنا عن آثار مدين (قوم شعيب) والحِجْر (قوم صالح: أي الثموديين).

أما مدين فتقع في منطقة تبوك شمال غرب الجزيرة العربية قرب الأردن، ناحية الساحل الشرقي لخليج العقبة، وهي المنطقة التي تتفق التوراة والقرآن على ربطها بموسى حيث مرّ بها بعد هروبه من مصر قبل نبوته.

أما الحِجْر، فهي المنطقة المعروفة باسم مدائن صالح، وهي بقعةٌ تبعد نحو أربعمائة كيلومترٍ شمال يثرب بالقرب من محافظة العُلا.

يربط القرآن المكانين (الحجر ومدين) بنبيين لم يرد ذكرهما بشكلٍ مؤكدٍ في التوراة، هما صالح وشعيب، ويربطهما أيضًا – خاصة الأولى- بالبيوت الصخرية والمنازل التي كانوا ينحتونها في قلب الجبال، ويربطهما كذلك بمصيبة إهلاكٍ مريعةٍ حلت بهما على التوالي، فمحت سكانهما من الوجود.

أما تاريخيًا، فمنطقة شمال الجزيرة بالكامل من شمال السعودية حتى سيناء؛ كانت تحت حكم العرب الأنباط منذ نحو القرن الثاني قبل الميلاد وحتى الثاني بعد الميلاد، والذين امتد حكمهم جنوبًا ليشمل البقعة المسماة بمدائن صالح، علمًا أنّ الأنباط هم الذين اشتهروا ببناء تلك المنازل الصخرية في عدة أماكن والتي ستنسبها الأساطير العربية لاحقًا إلى قوم صالح وقوم شعيب والأقوام الذين أهلكهم الله بسبب عصيانهم وتجبّرهم، كما أهلك التورانيون نوح ولوط.

هكذا نرى أنّ القرآن لم يذكر فقط أنّ خصوم محمَّد كانوا يمرُّون على تلك القرى، و هو ما يمكن قبوله في ظل مرور القوافل التجارية المعتاد، ولكنه أيضًا يجعلهم قريبين في مساكنهم أو ربما حتى ساكنين فيها! كما جعلهم من قبل قريبين من ديار لوط يمرّون عليهم ليلًا ونهارًا، وكما وصف مكان هزيمة الروم (الشام) بأنه “أدنى الأرض” أي أقربها منهم، كل هذا يوحي بتمركز الدعوة القرآنية في تلك المنطقة بالذات، وليس إلى الجنوب البعيد في مكَّة.

ونشير هنا إلى بعض الروايات الملفتة الموجودة في المصادر الإسلامية، تذكر أن محمَّدا حذّر قومه بشدة من الدخول إلى تلك المنطقة:

«لا تدخُلوا مساكنَ الذين ظلموا أنفسَهم إلّا أن تكونوا باكينَ، أن يُصيبَكم مثلَ ما أصابَهم». (24)

ونلاحظ المفارقة الملفتة بين قول محمَّد لأصحابه “لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم” من ناحية؛ وبين قول القرآن للكفار سابقًا: «وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم» من ناحيةٍ أخرى فمن نصدّق؟

قراءةٌ مغايرةٌ لسورة الفيل؟

«قال ابن زيد، في قوله: {تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سَجِّيلٍ} وهي التي أنزل الله جلّ وعزّ على قوم لوط». من تفسير الطبري لسورة الفيل.

لو صحّ إذاً ارتباط أحداث الدعوة القرآنية بتلك المنطقة شمال غرب الجزيرة العربية، فهل يُمكن فهم سورة الفيل الغامضة هذه بشكلٍ مغاير على أنها لا تتحدث عن أبرهة ومكَّة، وإنما تتحدث ببساطةٍ عن إحدى أولئك القوم الهالكين الذين أرسل الله عليهم حجارةً من طين فقضت عليهم؟

في منطقة العلا، بالقرب من مدائن صالح نجد مَعلمًا شديد الضخامة، يرتفع نحو خمسين مترًا، عبارةٌ عن صخرةٍ على شكل فيلٍ عملاقٍ حتى أنها بالفعل تشتهر كمعلمٍ سياحيٍّ بذلك الاسم: “صخرة الفيل”.

شاهد آخر: القرآن والمناخ

«يصعب معرفة أيهما أكثر إرباكًا: النقص التام في القرآن لأيّة إشارةٍ تدل على تحطيم أصنامٍ من قِبَل محمَّد، أم تصوير المشركين كمُلّاك قطعانٍ عظيمةٍ من الثيران والبقر والخراف؟

 مكَّة، بصفتها مكانٌ شديد الجفاف والقحل، سيتفق معظم المهندسين الزراعيين على أنها ليست موضعًا مناسبًا لتربية المواشي-كما أنّ التربة البركانية المُكوِّنة لأرضها غير مناسبةٍ بالمرة لإنبات الحبوب والأعناب والنباتات وأشجار الزيتون، والحدائق الشهية والفواكه والعلف، ورغم ذلك فالله- حسب ما يذكر النبي- قد زوّد المشركين بجميع تلك البركات، لا شيء بالطبع يستحيل على قدرة العليّ القدير؛ لكنها ستكون معجزةً حقًا لو أنّ مكَّة قد حظيت بحدائق متسعةٍ من الأعناب والزيتون والرمان. لو وُجدت هذه في جزيرة العرب القرن السابع؛ فستكون محصورةً في الواحات، أما في أرض الأنباط (الأردن) والنقب حيث كانت تلك الصحراء آنذاك في زمن النبي قد أخذت في التفتّح، وبدأت الزراعة تزدهر بشكلٍ غير مسبوق وسط كآبة الرمال المقفرة». من كتاب “تحت ظل السيف” للمؤرخ توم هولاند ص 326- 327.

بالفعل نجد في القرآن آياتٍ عديدة تخاطب خصوم محمَّد على أنهم مزارعون، وتذكر حدائقهم وحقولهم الخضراء، وثمارهم وفاكهتهم ورعيهم للأغنام، ما لا يبدو منطبقًا نهائيًا على مكَّة الصحراوية، نذكر على سبيل الأمثلة:

«وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (الأنعام:99)

«وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» (الأنعام:141).

«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ – يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ». (النحل:10-11)

«وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ». (النحل:67)

«وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ۞ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ» (المؤمنون:18-19)

«فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ۞ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ۞ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ۞ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ۞ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ۞ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ۞ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ۞ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ۞ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ» (عبس: 24-32)

إذاً، ترى هل كان بمكَّة قطعٌ متجاوراتٌ وجناتٌ معروشاتٌ وغير معروشات، من أعناب ونخيل يتخذون منه الخمر؟ هل كان ينزل فيها الماء فلهم فيه شرابٌ ومنه شجرٌ فيه يسيمون (أي يرسلون أنعامهم للرعي)؟ هل كان فيها حدائق ونخيل وزيتون ورمان وفواكه كثيرة منها يأكلون؟ هذا غير مُتوقّع بالمرة، ولكن ألا ينطبق ذلك الوصف المناخي على الشام وما حولها؟

وشاهدٌ آخر:ديانة المشركين

«أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ۞ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ۞ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى؟» (سورة النجم:19- 21)

من اللافت أنّ جميع الملامح الدينية المنسوبة لـ”مشركي مكَّة” حسب ما تحكي لنا السيرة الرسمية، نجدها هي بذاتها في ما وصلنا من أديان شمال الجزيرة العربية، وخاصة في المناطق التي وقعت تحت حكم الأنباط، وذلك بدءًا من وجود النصب الحجرية والكتل شبه المكعبة المقدسة المتناثرة وسط مراكز دينيةٍ مقترنةً بطقوسٍ تشبه طقوس الحج المعروفة، كتقديم القرابين والطواف وغيرها، مرورًا بتقديس الحجارة النيزكية، حيث يروى أن الإله النبطي “ذو الشرى” كان يُعبد على هيئة حجرٍ أسود وصولًا إلى وجود نفس أسماء الآلهة المؤنثة القرآنية: اللاّت (إلهة الخصوبة والزراعة والعالم السُفلي ذات الأصول الرافدية) والعُزَّى (إلهة القوة، والتي يُحتمل أنّ لها أصلًا مصريًا وتُقرن بإيزيس) ومَنَاة (إلهة القدر والمصير)- والتي نجد أسماءها جميعًا منقوشةً مع بقايا من أصنامها -ضمن آلهةٍ أخرى- في تلك المراكز وما حولها فهي آلهةٌ نبطيةٌ في الأصل (25) (26) (27) (28)، وهو ما لا تنكره الرواية الإسلامية بل تبرر الأمر عن طريق شخص يُسمّى “عمرو ابن لُحَيّ” يُنسب له القيام بـ”استيراد” تلك الأصنام من شمال الجزيرة إلى مكَّة في الجنوب قبل الإسلام (29)، بالإضافة لهذا، نجد اسم الله نفسه مذكورًا بكثرةٍ في المنقوشات والآثار النبطية (30).

الإله الغريب: الرحمان

المسلم التقليدي يتعامل مع “الرحمن” على أنه مجرّد اسمٍ آخر ضمن تسعةٍ وتسعين اسمًا، لله الواحد، لكن، ومع القليل من التأمل، نجد أنّ المسألة أعقد نوعًا ما من ذلك.

صحيحٌ أنّ القرآن غالبًا ما يذكر الاسمين بشكلٍ تبادليٍّ وكأنهما واحد، لكن هناك بضع آياتٍ توحي بشيءٍ مختل: فبينما نجد آياتٍ قرآنيةً عديدةً تؤكد أنّ خصوم محمَّد كانوا يعرفون الله بل ويؤمنون به على شركهم:

«وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ». (الزمر:38)

نجد آياتٍ أخرى تقول بأنهم رفضوا “الرحمن”:

«وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ». (الأنبياء:36)

«وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُو رَبِّي». (الرعد:30)

 بل ويستنكرون الاسم ذاته:

«وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا للرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا». (الفرقان:60).

 مما يخبرنا بوجود انفصالٍ وتباينٍ بين الاثنين.

من تفسير الطبري للآية من سورة الرعد، نقرأ أنّ الخلاف بين محمَّد وقريش حول الله والرحمن ظهر في أثناء كتابة صيغة صلح الحديبية، وفيها تأكيدٌ على أنّ اسم الرحمن كان غريبًا على أسماعهم:

«فلمَّا كتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيـم، قالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه وكان أهل الـجاهلـية يكتبون: بـاسمك اللهمّ، فقال أصحابه: يا رسول الله دعنا نقاتلهم، قال: لا ولكِنْ اكْتُبُوا كمَا يُرِيدُونَ.»

كما نجد رواياتٍ أخرى تنسب اسم “الرحمن” إلى مسيلمة في اليمامة (نجد شرق وسط السعودية)، وتخبرنا بأنّ خصوم محمَّد حين سمعوا البسملة المعروفة اتهموه أنه يدعو إلهًا آخر، هو إله مسيلمة، ما منعه من الجهر بذلك الاسم مرةً أخرى:

«كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَجْهَر بِبِسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ، وكان مُسيلمة يُدعى رحمنَ اليمامةِ، فقال أهلُ مكَّة: إنّما يدعو إلَهَ اليمامةِ، فأمرَ اللهُ ورسولهُ بإخفائها، فما جهر بها حتى ماتَ». (31)

 

ما معنى ذلك؟ وهل الرحمن هو مجرّد اسم آخر لله أم هو إلهٌ آخر بالكُلّية؟

نلاحظ في النقش الذي أوردنا لأبرهة في الجزء الأول من الموضوع؛ أنه يبدأ بذكر اسم “الرحمن”، وهذا لا يقتصر على ذلك النقش وحده، بل إنّ آثار الجزيرة العربية بشكلٍ عام تؤكد أن الرحمن (الرحمان) كان الإله الرئيسي المعبود في اليمن وجنوب الجزيرة العربية، بشكلٍ توحيديٍّ لا وثني، فكان يسمى أحيانا “رب اليهود”، وأحيانًا “ربّ السماوات والأرض”، ولا يُذكر معه آلهةٌ أخرى، وذلك ابتداءً من أواخر القرن الرابع للميلاد أي قبل قرنين ونصف من ظهور الإسلام (32) (33) (34)، مع ملاحظة أننا لا نجد الاسم في نقوش شمال الجزيرة العربية.

هكذا يمكن فهم التنازع بين الاسمين “الرحمن” و”الله” على أنه ظهر كنتيجةٍ لمحاولة النبي محمَّد تقديم الإله الواحد العربي الجنوبي إلى سكان عرب الشمال الذين يؤمنون بالله، لكن يشوب إيمانهم الشرك، ذلك التنازع الذي يقوم القرآن بحلّه في النهاية عن طريق دمج الاسمين معًا وإظهارهما كأنهما نفس الكيان: فالله والرحمن ليسا إلا اسمين للإله الواحد:

«قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ». (الإسراء:110)

وهذا الدّمج بين الآلهة هو تقليدٌ دينيٌّ متبعٌ بشكلٍ متكررٍ منذ القدم. (35)

هذا الانفصال بين الإلهين ومحاولة ترويج محمَّد للرحمن مع إنكار خصومه لذلك، يمكنه– بمزيدٍ من الدراسة- أن يدلَّنا من ناحيةٍ على الأصل الذي جاء منه محمَّد والمؤثرات التي صاغت دعوته، ويدلنا من ناحيةٍ أخرى على المسرح الذي نشطت فيه تلك الدعوة، وهو ما يهمنا هنا، فهو على ما يبدو مسرحٌ عربيٌّ شمالي.

والخط القرآني دليلٌ آخر

ما يسمّيه الباحثون عادةً بـ”اللغات العربية”، هو عبارةٌ عن مجموعةٍ من اللغات واللهجات المتنوعة، التي انتشرت في جزيرة العرب منذ القدم، فهي تسمية جغرافية بالأساس، واللغات العربية تنقسم إلى:

 1- لغاتٌ عربيةٌ شماليةٌ، وهي مجموعة لهجاتٍ ساميةٍ كانت تستخدم في شمال الجزيرة العربية وسورية والعراق، هي الصفائية والحسائية والثمودية والديدانية والودومائيةوالتيمائية.

 2- لغاتٌ عربيةٌ جنوبيةٌ، وهي مجموعة لهجاتٍ يُختلف في تصنيفها إلى العائلة السامية أو العائلة الأفريقية الآسيوية، وكانت تستخدم في اليمن وجنوب الجزيرة، وهي السبئية والحضرمية والقتبانية والمعينية.

قبل الإسلام لم يكن للعربية أبجديةٌ موحدةٌ خاصة، بل كانت تكتب بعدة أبجدياتٍ أجنبية، وذلك حسب المنطقة الجغرافية الموجودة فيها (بشكلٍ يشبه ما يُسمّى اليوم “العربيزي”، وهو كتابة الكلمات العربية بحروفٍ لاتينيةٍ أو إنجليزية)، وكانت أكثر أبجديةٍ مستخدمةٍ هي أبجدية “المُسْنَد” السبأية العريقة، حيث كانت تكتب بها غالبًا العربية الشمالية والجنوبية أيضًا- علمًا أنّ أبجدية المسند مختلفةٌ تمامًا عن الأبجدية العربية الحالية، والمألوفة لنا اليوم.

أما الأبجدية العربية الكلاسيكية المعروفة لنا، فيُعتقد أنها نشأت عن النبطية، والمتطورة بدورها عن الآرامية التي كانت لغة الاتصال والتجارة في الشرق الأوسط منذ القدم-مع هجرة الأنباط العرب من الجنوب واستقرارهم في الأردن بدؤوا يطوّرون أبجديتهم الخاصة كفرعٍ عن الآرامية، ذلك التطور الذي سيُفرز لاحقًا الأبجدية العربية الكلاسيكية. فتاريخيًا الأنباط كانوا عربًا واستخدموا الخط النبطي (العربي) في نقوشهم، وكذلك في الأسماء الشخصية (36) (37).

هذا يعني أنه في زمن ظهور الإسلام كانت العربية غالبًا تُكتب بخطين رئيسيين: الخط النبطي في الشمال، والخط المسند في الجنوب، أما الأولى فهي التي كُتب بها القرآن وتمّ تعميمها على حساب الثانية والتي انقرضت تمامًا في القرن السابع والثامن مع سيادة الإسلام في المنطقة.

الآن نجد أنّ معظم المنقوشات والمخطوطات العربية عمومًا قبل الإسلام التي تم العثور عليها كانت مكتوبةً بخط المسند، مثل نقش قرية الفاو في نجد، وهو عبارةٌ عن كتابةٍ على قبرٍ تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، ومثل نقش أبرهة نفسه. لكن أيضًا القليل منها ما كان بالخط النبطي الذي سيتطور لاحقًا إلى الأبجدية المعروفة لنا، مثل نقش زبيد في سورية  الذي يعود إلى القرن السادس بعد الميلاد، ونقش أمّ الجمال في الأردن منذ نهاية القرن الثالث، ونقش نمارة جنوب دمشق من القرن الرابع، ونقوشٍ أخرى في سكاكا شمال السعودية والحجر غيرها.(38)

إذاً، بما أنّ القرآن كُتب بالخط النبطي وليس المسند، فهذا يعني أنّ تتبع أماكن العثور على تلك النقوش يمكن أن يعطينا قرينةً إضافيةً مهمةً أخرى، تحدد لنا المواضع الجغرافية التي كُتب فيها القرآن.

النتيجة-كما هو متوقع- أنّ معظم النقوش النبطية والعربية الكلاسيكية توجد في شمال شبه الجزيرة، بينما في الجنوب نجد نقوش المسند، مما يطرح سؤالًا: لو أنّ القرآن ظهر في وسط الجزيرة العربية قرب الجنوب ألم يكن من الأولى أن يُكتب بخط المسند؟ فلماذا يكتب بأبجدية الشمال النبطي؟!

الجواب يجب وضعه في إطار ما بحثناه حتى الآن: الخط الذي تمت به كتابة القرآن، يُعد قرينةً إضافيةً أنّ القرآن كُتب في الشمال.

ملحوظةٌ أخرى: المسألة لا تقف عند “شمالية” الخط فقط بل اللغة ذاتها: يشير توم هولاند في كتابه الذي مررنا به، إلى تأثر القرآن بالتراث اليوناني في شمال شبه الجزيرة، ليس فقط من ناحية القصص (كقصة ذو القرنين- الإسكندر، وقصة أصحاب الكهف- النيام السبعة وغيرهما)، وإنما أيضًا تأثر لغة القرآن بالألفاظ ذات الأصل اليوناني، مثل “قصر” و”زخرف” و”صراط”… والمأخوذة تحديدًا عن التعامل العسكري للعرب مع البيزنطيين قبل الإسلام حيث كان الأواخر يستعينون بالأوائل كمرتزقة، علمًا أنّ تلك الكلمات لها في الأصل مدلولاتٍ عسكريةٍ صرفة، ما يعتبر دليلًا إضافيًا يؤكد صلة النص القرآني بتلك البيئة تحديدًا (39)، وهو ما يذكّرنا أيضًا بما لفت نظر بعض المستشرقين من أنّ القرآن، رغم انطلاقه من التراث اليهودي بشكلٍ أساسي، إلّا أنه يستخدم الأسماء اليهودية بلهجةٍ أقرب إلى السريانية المتأثرة باليونانية لا العبرية، فيقول “عيسى” بدلًا من “يشوع”، و”اسماعيل” و”إسحاق” بدلًا من النطق العبراني “يسماعيل” و”يتسحاق”،بشكلٍ مماثلٍ نلاحظ أن الفاتحين العرب كانوا يسمّون القدس مثلا باسمها اليوناني “إيلياء”، بدلًا من “يورشاليم”، حتى اسم “بيت المقدس” أراميّ ويعني “كنيس” (40)، هذا ما جعل عالم فقه اللغة الألماني وبروفيسور اللغات السامية والعربية القديمة كرستوف لوكسنبرغ يقترح أنّ القرآن في أصله كُتب بلغةٍ أقرب إلى السريانية، وذلك في كتابه “قراءةٌ آراميةٌ سريانيةٌ للقرآن”. (41)

إن لم يكن في مكَّة، فأين؟

«من الواضح أنّ البتراء كانت تمثّل مركزًا للحجّ، يجتذب إليه العرب من أنحاء شبه الجزيرة منذ القرن الثاني والثالث بعد الميلاد». – من كتاب “الحياة الدينية للأنباط”، بيتر جون ص 64.

البتراء هي المدينة العريقة الواقعة جنوب الأردن، بالقرب من موطن إبراهيم ومركز الإسماعيليين، ومن ديار قوم لوط ومسار الإسرائيليين الخارجين من مصر ومساكن مدين والحجر، وهي العاصمة الأشهر للأنباط ملوك العرب القدامى، الذين اشتهروا بالمباني الصخرية المنحوتة في الجبال، وكانت مدينتهم مركزًا مهمًّا على المستوى الديني، حيث تعاملت منذ القدم مع اليهود والمسيحيين وغيرهم، واشتملت على مقدساتٍ عديدةٍ كوادي موسى الذي ضرب فيه بعصاه الحجر ففجّر الاثنتي عشرة عينًا مائيةً للأسباط، وجبل هارون المقدس الذي يحوي المدفن المفترض للنبي، واحتوت كذلك على الأصنام الوثنية والكعبات والمواسم الدينية السنوية، وكانت كذلك مدينةٌ مهمةٌ على المستوى التجاري، حيث كانت ملتقىً ذائع الصيت للقوافل المارة من الشمال إلى الجنوب، أو من الشرق إلى الغرب، كما عُرف سكانها أيضًا بالتجارة البحرية منذ القدم، وهذا يتناسب مع كثرة حديث القرآن عن السفن وأحوال البحر، وكلامه لخصوم محمَّد على سيرهم في مائه، واستخراجهم منه الأسماك واللؤلؤ والمرجان، ما يبدو غريبًا تمامًا على قريش الصحراويين. واشتهرت المدينة أيضًا بالزراعة المتنوعة للفواكه والحبوب المختلفة، والاعتماد على جمع مياه الأمطار كما أنها منشأ الخط العربي (النبطي) الذي كُتب به القرآن، وفيها كان يتم استخدام اللغتين العربية والنبطية جنبًا إلى جنب، وقد أصيبت المدينة قبل الإسلام بأكثر من زلزالٍ عنيفٍ، قضت على كثيرٍ من مبانيها، وهو ما نجد له أثرًا في بعض آيات القرآن أيضًا الموجّهة للكفار، حيث الحديث عن «مكر الذين من قبلهم»، ثم إتيان الله «بنيانهم من القواعد»، مما أدى إلى أن «خرّ عليهم السقف من فوقهم». (النحل:26).

في كتاب “الجغرافية القرآنية” (42) يرى الباحث دان جيبسون، أنّ بكة اسم آخر للبتراء، ولعله مشتقٌّ من الهدم الذي أصابها من جرّاء الزلازل، فالبكّ حسب المعاجم هو “دقّ العنق”، ويرى كذلك أنّ المسلمين الأوائل-حسب القبلات القديمة- لم يكونوا في البداية يصلّون نحو القدس كما تقول الروايات، وإنما إلى البتراء، وأنّ بعض الخلط في الاستقراء جاء بسبب وجود الأخيرة على الخطّ الواصل بين يثرب والقدس، ما يجعل المتوجّه إلى البتراء يتوجّه إلى القدس في نفس الوقت، وهو ما يذكرنا نوعًا ما بالرواية التي تجعل محمَّدا يصلي قبل تحويل القبلة مستقبلًا بيت المقدس والكعبة في نفس الوقت، وينقل جيبسون عن د. أفراهام نجف، من مؤسسة الدراسات المتقدمة في برينستون اقتراحه أن البتراء-لا القدس- كانت مركزًا للحج العربي، وأنّ كثيرًا من النقوشات العربية الموجودة في الأردن وصحراء النقب تمّ كتابتها بأيادٍ عربيةٍ أثناء مسيرتهم إلى الحج في البتراء.

و يعقد الكاتب مقارنةً بين طبوغرافية مكَّة، معالمها وجبالها ووديانها وتربتها وبيئتها المناخية والزراعية، حسب ما ترد في الروايات الإسلامية والأحاديث ونصوص السيرة، وبين طبوغرافية البتراء ليخلُص إلى نتيجة أن الأخيرة أكثر مطابقة للمواصفات الواردة في المصادر الإسلامية، بما في ذلك بئر زمزم الذي يقترح أنه أقرب إلى خزان وليس بئرًا طبيعيًا.

لو صحّ هذا التصوّر، فهل يمكن ربط الله الذي نجد ذكره في النصوص النبطية، بالإله النبطي الرئيسي صاحب رمز الحجر الأسود، ذو الشرى والقول بأنه قد تمّ دمجهما معًا في مرحلةٍ من المراحل أيضًا؟ حينها هل يمكن اقتراح أنّ الآية القرآنية: «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ» (النجم:49)، هي ترديد لاسم ذلك الإله بشكلٍ ما؟

لا شكّ أن هذه مجرد تخميناتٍ قد تصيب وقد تخطئ، فالأمر بحاجةٍ للمزيد من التقصي، لكن ما لا شكّ فيه أنّ العديد من المدن الواقعة في تلك المنطقة، مرشّحٌ ليكون حرمًا عربيًا، يطابق الشواهد التاريخية والقرآنية، بشكلٍ أفضل كثيرًا من مكَّة.

الصورة الكبيرة

فإن كان الإسلام ظهر في الشمال فلماذا إذن وكيف ومتى صارت مكَّة هي عاصمة الإسلام؟ وإن صحّت تلك الرؤى فإلى أيّ مدى تمّ تزييف التاريخ؟ وهل سيمكننا يومًا فهم ما حدث على الأرض؟

لن نزعم هنا تقديم الإجابات اليقينية بحال، وإنما يكفينا تأكيد أهمية فتح باب الأسئلة مع طرح بعض الاحتمالات المفتوحة بشكلٍ عابرٍ حتمًا يحتاج إلى بحوثٍ أخرى، فمن البديهي أنه لا يمكن فهم ظاهرةٍ فكريةٍ أو سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ بمعزلٍ عن سياقها الذي نشأت فيه، فلا يوجد دينٌ أو اتجاهٌ ينشأ هكذا في الفراغ دونما مقدماتٍ تؤثر فيه وتفرزه وتساهم في تشكيله وتحديد مساره، فإن أسأنا فهم السياق فسنسيء فهم الظاهرة، والمشكلة أنّ السياق الذي يُقدم لنا لفهم الإسلام من خلال الروايات والسيرة والأحاديث هو سياقٌ شبه أسطوريٍّ غير تاريخيٍ وغير دقيقٍ وهو لا يُقبل بشكلٍ

عامٍ إلّا لكون المصادر الأخرى أكثر ندرةً وأقل تفصيلًا وتحتاج إلى جهدٍ في تجميعها معًا كي ترسم لنا صورة ما حدث فعلًا.

لا شكَّ أنَّ المسألة بحاجةٍ للكثير من الدراسات، فلو أردنا أن نفهم كيفية نشوء الإسلام علينا أن نفعل ذلك في إطار التطورات السياسية والدينية والاجتماعية التي كانت سائدةً في الجزيرة العربية وعلى الأخصّ شمالها، ففي تلك الفترة كان لدينا حُمّى صراعٍ دينيٍّ وسياسيٍّ مستفحلٍ في المنطقة بين اليهود والمسيحيين والزرادشتيين، مع فوران دعوات دينيةٍ متنوعةٍ، وعقائد مهووسةٍ بقرب القيامة ونهاية الزمان، لدينا الصحراء العربية التي تستقبل الوفود والطوائف المهاجرة إليها هربًا من الاضطهاد الديني البيزنطي المسيحي الملكاني، يهودًا وسامريين وأبيونيين وإسينيين وغير ذلك لدينا ممالكٌ وسلالاتٌ عربيةٌ حاكمةٌ منتشرةٌ في المنطقة، كالمناذرة اللخميين في العراق، وهم المسيحيون النسطوريون الموالين للفرس، ثم الغساسنة في الشام المسيحيون المونوفيزيون والموالون للروم، ثم الحِمْيَريون في اليمن المتأثرون باليهودية والموحدون بإلههم الرحمن، ولدينا إمبراطوريتان متهالكتان (الروم والفرس) من جرّاء صراعٍ طويلٍ بينهما، انتهى بمواجهاتٍ عنيفةٍ قضت على ما تبقى من نفوذ الاثنين، ما أدى بهما إلى محاولات تفكيك وترويض النفوذ العربي اللخمي والغساني في العراق والشام، ما سيفسح المجال لجماعاتٍ عربيةٍ أخرى مهاجرةٍ من الجنوب إلى الشمال لتملأ الفراغ السياسي القائم، وتحصل أخيرًا على حكم المنطقة من خلال بعض المعارك العسكرية، هذا وسوف تستعر لاحقًا الصراعات بين العرب أنفسهم تنازعًا على السلطة والمُلك، ونجد أنّ كثيرًا جدًا من الشواهد القرآنية والإسلامية تقطع بأنها مرتبطةٌ جذريًا بهذا السياق وليست منفصلةً عنه.

وأيًا كان الدور الذي لعبته الدعوة الإسلامية في هذا المسرح، فمن المؤكد أنّ الجانب الديني منها لم يبدأ مع محمَّد، ولم ينتهِ به، بل لعلّها جاءت كحلقةٍ في سلسلة تطوراتٍ معقدةٍ كانت تمرّ بها المنطقة وتفرّعت عن طوائف دينيةٍ عديدة، ثم في لحظةٍ ما ظهرت الحاجة إلى وجود دينٍ عربيٍّ جديدٍ ينافس المسيحية والزرادشتية، وكتابٍ عربيٍّ جديدٍ ينافس التوراة والإنجيل ونبيٍّ عربيٍّ ينافس موسى وعيسى، ومدينةٍ مقدسةٍ عربيةٍ تنافس القدس وبيزنطة بشكلٍ يلائم الإمبراطورية العربية الجديدة الناشئة، ويوحّد بين العرب المتنازعين، ثم في مرحلةٍ ما تمّ إعادة صياغة سيرة محمَّد ودينه بشكلٍ يتناسب مع هذا الغرض.

بالتالي تجب الإشارة إلى أننا هنا – في حديثنا عن دور صحراء جنوب فلسطين- إنما نتحدث عن جانبٍ واحدٍ فقط من جوانب نشأة الإسلام، والخاص بالحرم العربي الأهم، وعن جزءٍ كبيرٍ من نشاط الدعوة المحمَّدية والمصاحب لنزول الكثير من آيات القرآن، ما لا يهمل ضرورة دراسة الدور الشرقي (العراقي) والجنوبي (اليمني) فهذا وذاك يحويان شواهد كثيرة على تأثيرهما على ظهور الإسلام، وتحملان دلائل عديدةٍ – دينيةٍ ولغويةٍ وسياسيةٍ- قد تساهم في فكّ شفرة ذلك الظهور، بل وفي فهم الصراعات التي تلته، سواءً على المستوى السياسي أم الديني بين أهل الشام وأهل المدينة وأهل العراق الأمويين والخوارج والشيعة وآل البيت والعباسيين إلخ.. والتي قد تكون امتدادًا لصراعاتٍ أقدم، وقد تساهم أيضًا في فهم كيفية انتقال المركزية الدينية للإسلام من الشام إلى مكَّة جنوبا.

فهم ما حدث

لا يعلم أحدٌ من أين جاءت الفتوحات الإسلامية تحديدًا، ولا نجد مشكلةً في قبول أنها انطلقت فعلًا من يثرب (القاعدة العسكرية لمحمَّد) كما جاء في السيرة، والتي تحكي لنا أيضًا عن معارك حربيةٍ سابقةٍ وقعت بين محمَّد وجماعته المؤمنين من ناحية والكفار القريشين من ناحيةٍ أخرى، انتهت بسيطرة الأوائل على مكَّة، وبعد عامين تقريبًا من الحروب الأهلية بين العرب، انطلقت الفتوحات خارج الجزيرة.

لكن مراجعة حالة المنطقة في تلك الفترة والنظر في تفاصيل الروايات الإسلامية بخصوص قريش وأصولهم وكذلك تفحّص نهاية صراعهم مع محمَّد وصلح الحديبية وفتح مكَّة ثم علاقة المدينة بالشام في عهد عمر وما تلاه قد يجعلنا نرى الأمر بشكلٍ مختلفٍ نوعًا ونشك في تلاعبٍ تاريخيٍّ لاحق قد حدث، وأنّ الأقرب للحقيقة ربما، في أنّ قريشًا هو على الأرجح اسمٌ لحلفٍ قبليٍّ غامضٍ (يهودي؟ وثني؟) من العرب الشماليين، وأنّ صراع محمَّد معهم دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا، كان صراعًا ليثرب مع الشام شمالها لا مع مكَّة جنوبها.

فلو عدنا لتذكّر وجود الحرم العربي الغامض جنوب فلسطين، فيمكن تصوّر-كما يرى البعض- أن صلح الحديبية لم يكن إلّا عهدًا وحلفًا سياسيًا بين أهل يثرب وقريش ضمن اعتراف قريش بمحمَّد، ومكّن المؤمنين أخيرًا من ارتياد البيت المعظّم جنوب فلسطين، والمسيطر عليه من قبل قريش، صاحب ذلك تعاونٌ عسكريٌ تجلّى في انضمام القائدين القرشيين خالد بن الوليد وعمرو بن العاص إلى محمَّد وأتباعه، وهو ما سيتمّ تتويجه بما سيُسمّى: فتح مكَّة، وهو فيما يبدو نوعٌ من السيطرة السياسية على الحرم المقدس تم منحه للنبي العربي الجديد، وسيُتبع ذلك بدعم اليثربيين واليمنيين لأهل الشام في معارك الفتوحات اللاحقة.

لو صحّ هذا التصور، فيمكن القول: إن الأمويين الذين لا يوجد أيّ دليلٍ يربطهم بالإسلام قبل عبد الملك، ظلُّوا على معتقدهم، وظلَّ لهم الحكم المركزي، بينما كان دور حلفائهم في يثرب في زمن محمَّد وبعده مباشرةً هو إخضاع عرب نجد واليمن، فيما سُمي: “حروب الردة”،في تلك الحالة سنتصور علاقة عمر بن الخطاب مثلًا بمعاوية بشكلٍ مختلف، فالثاني لم يكن واليًا معيّنًا من قِبل الأول، كما ستحاول الروايات التاريخية اللاحقة التي صيغت في يثرب والعراق إقناعنا، وإنما الأقرب أنّ معاوية كان الحاكم الأقوى، بينما الأول كان مجرّد حاكمٍ محليٍّ للمدينة.

وبعد نجاح الفتوحات التي ستقودها المدينة، سيبدأ النزاع الداخلي بين العرب، فكما تمّ قتل عثمان (الحاكم الأموي ليثرب) في تمرّدٍ غاضب، تلتها ثورة ابن أبي طالب في العراق، والتي قمعها معاوية (الفتنة الأولى)، في شكلٍ أيضًا سيتمّ تقديمه لنا بشكلٍ شبه معكوسٍ من قِبل الرّواة، كذلك سيتكرر الوضع لاحقًا في حُكم يزيد بن معاوية، حيث سيقوم واليه على يثرب (مروان ابن عم عثمان) بالهرب من غضب أهل المدينة إلى سورية، وسيتلو ذلك ثورة الحسين بن علي في العراق والتي سيقمعها يزيد (الفتنة الثانية).

بعد هذا تأتي موقعة الحرة، حيث أخضع الأمويون يثرب، ثم هروب ابن الزبير وتحصّنه في البيت المقدّس، وحضور جيش يزيد خلفه ليحاصره عام 683 م، وفي كتابه (ص373،374)، يقوم توم هولاند بملاحظة أنه لا يوجد نصٌّ معاصرٌ يوضح لنا إلى أين هرب ابن الزبير تحديدًا، ولا يوجد ما يثبت أنه مكَّة، لكن من تتبُّع نصوصٍ أخرى غير إسلاميةٍ، يرى هولاند أنّ البيت المقصود هو على الأرجح مكانٌ شمال الحجاز؛ بين الكوفة والإسكندرية، وبين يثرب وفلسطين، وهو نفس الموقع على ما يبدو الذي ارتبط نشاط محمَّد به.

يستمر هولاند ليلاحظ (ص375،376) أنه بعد انسحاب جيش يزيد، وشروع ابن الزبير في هدم الكعبة وإعادة بنائها، ظهرت رواياتٌ ذات طابعٍ أسطوريٍّ مدهش، منها أنه في أثناء حفر الأرض -و بمصادفةٍ رائعة- تمّ إيجاد أسس ابراهيم ذاتها! ثم تمّ استخراج حجرٍ أسودٍ تسبب خروجه في اهتزاز الحرم كله، وُجد أنه مختومٌ بختم الله ذاته ومكتوبٌ عليه “أنا الله، رب بكة”، ولاحقًا سوف يتمّ حصار ابن الزبير في ظروفٍ مشابهةٍ على يد جيش الخليفة الجديد عبد الملك بن مروان عام 692. في فترة ما بين الحصارين، شهدت نزاعاتٍ محوريةً، منها إعلان ابن الزبير نفسه كخليفةٍ للمسلمين، وسيطرته على مصر والحجاز واليمن وأجزاءٍ من الشام، وإخماده لثورة المختار الثقفي في العراق، وصداماته مع الشيعة والخوارج هناك أيضًا، ثم في تلك الأثناء، أصدر عامله في العراق أول عملةٍ معروفةٍ تحمل شعارٍ مرتبطٍ بنبوة محمَّد “بسم الله، محمَّد رسول الله” عام 685 أو 686.

وبعد تولي عبد الملك الحُكم، قام بمهاجمة العراق أولًا، حتى انتزعها من سلطة الزبير، وكان ذلك عام 691، لكن المُلفت أن العملات الخاصة بمحمَّد استمرت في الصدور بانتظامٍ هناك تحت سلطة الأمويين.

آنذاك، في عام 691، كان عبد الملك قد انتهى من بناء مسجد قبة الصخرة (أو مسجد إيلياء كما كان يُسمّى) في القدس، والذي تقول المصادر الإسلامية كالكلبي والواقدي واليعقوبي وأيضًا الطبري والحلبي والكواكبي، أنه قد بُني خصيصًا لمنافسة الكعبة التي كان يسيطر عليها ابن الزبير آنذاك، ومحاولةً للحل محلها، وتخبرنا تلك المصادر أيضًا أن المسلمين ظلوا بالفعل يحجّون إلى القدس طيلة ثلاثة سنوات! مع ملاحظة أن الآيات القرآنية المكتوبة على قبة الصخرة في زمن عبد الملك، كانت موجّهةٌ ضد المعتقد المسيحي الذي يؤلّه يسوع، وكانت تحثّ المسيحيين حثًّا على الاعتراف برسالة النبي العربي محمَّد.

أما بعد انتصار عبد الملك النهائي على الزبير عام 692، والذي ترافق مع هدم الكعبة مرةً أخرى وإعادة بنائها على يد الحجّاج؛ فيخبرنا هولاند (ص386،387) أنه مذ ذلك الوقت فقط بدأت عملية تحويل قبلات المساجد الكبرى في مصر والعراق والشام جنوبًا إلى مكَّة التي نعرفها، تلك العملية التي ستستمر في عهد الوليد ابن عبد الملك، وقد صاحب ذلك اعتراف عبد الملك أخيرًا بالمدينة المقدسة وذهابه للحجّ إليها عام 694.

فما الذي جرى هنا بالضبط؟

أولًا فيما يخصّ موضوعنا؛ كيف ومتى تحديدًا حدث نقل الحرم المقدّس من الشمال إلى الجنوب؟

هل تمت بيد الزبير؟ بمعنىً آخر؛ هل قام الزبير بعد الحصار الأول للحرم الشمالي بالانسحاب جنوبًا مع نقل الحرم إلى مكَّة الجنوبية الحالية، وبذا تكون هي التي هدمها الحجّاج؟

وفي تلك الحالة؛ فما الذي يجعل الحجّاج يعيد بناءها في مكانها مرةً أخرى ثم يقوم عبد الملك وأولاده لاحقًا بتحويل القبلات إليها؟ هل هي مثلًا المسايرة لجماعاتٍ مؤمنةٍ منتشرةٍ في الحجاز تعظّم هذا البيت، ومحاولة كسب تلك الجماعات إلى صفه؟

أم أن الكعبة التي هُدّمها الحجّاج هي كعبة الشمال، أما إعادة البناء فتمّ في مكَّة الجنوبية، وبذا يكون الأمويون أصحاب قرار نقل الحرم بعيدا عن مركز حكمهم، ذلك القرار الذي سيدعمونه لاحقًا بتحويل القِبلات جنوبًا؟

و بشكلٍ أشمل؛ هل جاء إصدار الزبير للعملة التي تحمل اسم محمَّد في إطار محاولة توحيد أهل العراق دينيًا، بشكلٍ يهدّئ من ثوراتهم التي كان لها طابعٌ دينيٌّ لا شك فيه، ويضمن له المزيد من السيطرة هناك؟ وهل قرارات عبد الملك والحجّاج المشابهة، كإعادة بناء الكعبة، والاستمرار في إصدار عملات محمَّد، والإضافية، كتعريب الدواوين، وتحويل قِبلات المساجد الرئيسية، وإعادة صياغة النص القرآني، جاءت لأهدافٍ مشابهةٍ: توحيد العرب؟

هل أراد عبد الملك، السياسي البراغماتي الطموح المُهدَّد من البيزنطيين في الشمال، والمتململ من سيطرة الإداريين المسيحيين على شؤونه في سوريا القيام بما قام به الإمبراطور البيزنطي قسطنطين وخلفاؤه من قبل، عندما تبنّى ديانةً شعبيةً منتشرةً، وجعلها ديانةً رسميةً لدولته، مع إعادة صياغتها بشكلٍ يتناسب مع ذلك الدور، ثم محاولة تعميمها بين جميع الشعوب تحت حكمه، بهدف توحيد تلك الشعوب دينيًا، مما يساعد حتمًا في التوحيد السياسي؟

ولكن لماذا مكَّة تحديدًا؟

ربما نجد المفتاح في الآية القرآنية التي تذكر مكَّة بشكلٍ عارضٍ فكما أن الأمويين،كالرومان، قاموا بتبنّي دعوةٍ دينيةٍ موجودةٍ وحقيقيةٍ فعلًا في زمانهم (دعوة محمَّد)، أليس من الأرجح أيضًا، أنهم تبنّوا عاصمةً كان لها جذورًا سابقة؟ ولكن هل لتلك الجذور علاقةٌ بمحمَّد؟ وإن قلنا إن نشاط النبي كان في شمال الجزيرة فهل كانت أصوله مثلًا تعود إلى مكَّة فعلًا؟

لو صح هذا، فقد يفسّر لنا جوانب أخرى من سيرته، مثل محاولته إقناع عرب قريش بإلهه الرحمن ذي الأصول الجنوبية، وقد يفسّر لنا أيضًا أنّ ما تخبرنا به السيرة من أنّ هجرة محمَّد تأخرت عن باقي المهاجرين، فكأنه وصل إلى يثرب بشكلٍ منفصل عنهم، ما يوحي ربما بأنَّه جاء أصلًا من مكانٍ آخر، و هو ما نجد أصداءً له في بعض الروايات. (43)

احتمالٌ آخر، أنّ محمَّدا قد مرّ بمكَّة في مرحلةٍ ما، وربما بعض مناوشاته العسكرية تمّت هناك، وهو ما نجده في الآية، هذا المرور ربما صاحبه نوعٌ من التقديس للمكان.

ذلك كلَّه قد يذكّرنا بمعضلة “المسجد الحرام” في مقابل “المسجد الأقصى”، ومن المحتمل أنها قد تكون المعاني الأصلية لهذين، فلو قلنا إن الحرم الأصلي كان هو ذلك الحرم في جنوب فلسطين فهل يُحتمل أن المسجد الأقصى هو في مكَّة؟!

هذا ما يراه البعض (44) (45) حيث يربطون بين اسم “المسجد الأقصى” وبين موضعٍ يُسمّى “الجعرانة” شمال مكَّة ببضعٍ وعشرين كيلومترًا، ويوردون الكثير من الروايات الإسلامية التي تؤكد هذا الربط (46).

هذا يتركنا مع احتمال أن محمَّدا في مرحلةٍ ما ارتبط فعلًا بمكَّة الحالية، لكنه في مرحلةٍ أخرى بعد الهجرة إلى يثرب، لجأ إلى الصلاة نحو البيت المقدس الرئيسي في الشمال، وهذا هو تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، ثم في خضمِّ الصراعات والفتن اللاحقة بين العرب والشاميين، تم تدمير الحرم الشمالي، واستبدال بيتٍ آخر به في مكَّة الحالية، وتكفّلت الروايات بإعادة صياغة التاريخ بشكلٍ يجعل مكَّة هي “البطل الرئيسي” للأحداث.


 

هوامش ومراجع

(23) كتاب بلدانية فلسطين العربية .جمع النصوص الأب أ.س.مرمرجي الدومنكي، وفهرسها محمَّد خليل الباشا .عالم الكتب .

(24) من صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 3381، وبرواياتٍ أخرى بأرقام 1338 – 4419، وكذلك في صحيح مسلم برقم 2980.

(25) PETRA: Lost City of Stone” (in (French)). Civilization.ca. Retrieved 2013-02-03.

(26) Healey، John F. (2001). 4. The Religion of the Nabataeans: A Conspectus. Religions in the Graeco-Roman World 136. Boston: Brill. pp. 107–119.

(27) Jane Taylor، Petra and the Lost Kingdom of the Nabataeans، I.B.Tauris Publishers، 2001 pg. 130

(28) Hommel، First Encyclopaedia of Islam، Vol. 1. p. 380.

(29) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، (11/253).

(30) Alfred Guillaume. Islam. Penguin 1990 pp.7

(31) الراوي:سعيد بن جبير المحدث:ابن حجر العسقلاني – المصدر:الدراية – صفحة : 1/136، وأيضا: المراسيل – صفحة 141.

(32) C. J. Robin، “South Arabia، Religions In Pre-Islamic”، in J. D. McAuliffe (Gen. Ed.)، Encyclopaedia Of The Qur’ān، 2006، Volume Five Si – Z، Koninklijke Brill NV: Leiden (The Netherlands)، pp. 84-85.

 (33)J. Ryckmans، “South Arabia، Religion Of”، in D. N. Freedman (Editor-in-Chief)، The Anchor Bible Dictionary، 1992، Volume 6، Doubleday: New York، pp. 174-175; J. Ryckmans، “The Old South Arabian Religion”، in W. Daum (Ed.)، Yemen: 3000 Years Of Art And Civilization In Arabia Felix، 1987?، op. cit.، p. 110; A. Sima، “Religion” in St. J. Simpson (Ed.)، Queen Of Sheba: Treasures From Ancient Yemen، 2002، The British Museum Press: London، p. 165; A. F. L. Beeston، “The Religions Of Pre-Islamic Yemen” in J. Chelhod (Ed.)، L’Arabie Du Sud Histoire Et Civilisation (Le Peuple Yemenite Et Ses Racines)، 1984، Volume I، Islam D’Hier Et D’Aujourd’Hui: 21، Editions G. -P. Maisonneuve et Larose: Paris، pp. 267-268.

(34) J. C. Greenfield، “From ’LH RḤMN To AL-RAḤMĀN: The Source Of A Divine Epithet” in B. H. Hary، J. L. Hayes & F. Astren (Eds.)، Judaism And Islam: Boundaries، Communication And Interaction – Essays In Honor Of William M. Brinner، 2000، Brill: Leiden

(53) من أشهر الأمثلة على دمج الآلهة هو ما تم من دمج الإله المصري الشمالي الشمسي القديم “رع”، مع إله طيبة الجنوبي الصاعد “المختفي”، “آمون”، مما أنتج الإله الجديد “آمون رع” كحل وسط يرضي الجميع.

(36) The Religion of the Nabataeans: A Conspectus, p26.

(37) PETER JOHN, The Religious Life of NabataeaALPASS, p31.

(38) للاطلاع على بعض تلك النقوش http://www.islamic-awareness.org/History/Islam/Inscriptions

(39) In the Shadow of the Sword: The Battle for Global Empire and the End of the Ancient World, p. 311-313، 335.

 (40)Bosworth، Clifford Edmund (2007). Historic cities of the Islamic world.BRILL. p. 225.

(41) The Syro-Aramaic Reading of the Koran: A Contribution to the Decoding of the Language of the Koran English Edition of 2007 (Die syro-aramäische Lesart des Koran: Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache, 2000).

(42)  Dan Gibson, Qur’anic Geography-2011, Independent Scholars Press, 470 pages.

(34) «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ أَفَصَحُنَا وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا؟ قَالَ: ” كَانَتْ لُغَةُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ دَرَسَتْ فَجَاءَ بِهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَفِظْتُهَا»، تاريخ دمشق لابن عساكر، حرف الألف، ذكر من اسمه أَحْمَد ومحمَّد والحاشر والمقفى والعاقب، باب ما روي فِي فصاحة لسانه وحسن منطقه.

(44) مقال للدكتور الشيخ مصطفى راشد، أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر، بعنوان “لأن قول الحق شرط لصحة الإيمان، المسجد الأقصى موجود بالسعودية”  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=319658

(54) مقال للباحث صباح إبراهيم، بعنوان “أين يقع المسجد الأقصى الحقيقي؟”

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=189134

(64) بعض الروايات:

1- من المغازي للواقدي: «وَانْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْجِعِرّانَةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِخَمْسِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَأَقَامَ بِالْجِعِرّانَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَلَمّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ إلَى الْمَدِينَةِ خَرَجَ مِنْ الْجِعِرّانَةِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَيْلًا; فَأَحْرَمَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الّذِي تَحْتَ الْوَادِي بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى، وَكَانَ مُصَلّى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا كَانَ بِالْجِعِرّانَةِ، فَأَمّا هَذَا الْمَسْجِدُ الْأَدْنَى، فَبَنَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَاِتّخَذَ ذَلِكَ الْحَائِطَ عِنْدَهُ».

2- من كتاب أخبار مكَّة وما جاء فيها من الآثار للأزرقي ج 2 ص 207: «قال محمَّد ابن طارق: اتفقت أنا ومجاهد بالجعرانة فأخبرني أنّ المسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى مصلى النبي كان بالجعرانة، أما هذا المسجد الأدنى فإنما بناه رجل من قريش».

3- جاء في مسند أبي يعلى ج 12 ص 359: «عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله يقول: من أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة».