القبيسيات، الماسونية الضائعة

 

نكشف عن أكبر تنظيمٍ نسائيٍّ سرّيٍّ في سورية ولبنان ودول الخليج: «القبيسيّات» جماعةٌ صوفيّةٌ أم حركةٌ ماسونيّةٌ؟!

الثورات العربية كشفت الكثير من الجماعات السرّية التي تقوم في تنظيمها على طريقة البناء الهرمي الماسوني، لعل أكبر جماعة يقوم بناؤها بنفس هذه الطريقة هي جماعة الإخوان المسلمين التي نجحت في الوصول لحكم أكبر دولةٍ عربيةٍ العام الماضي «مصر»، لكن سرعان ما نجح الشعب بمساندة الجيش في إزاحتها وزجّ قيادتها في السجون، لكن الإخوان المسلمين رغم أنّهم أكبر جماعةٍ سرّيةٍ في العالم، إلا أنّها ليست الجماعة السرّية الوحيدة التي نشأت وتشكّلت فى القرن الفائت، بل يوجد العديد من الجماعات السرّية التي قامت بنفس الطريقة، من هذه الجماعات السرّية «جماعة القبيسيّات» التي نشأت في سورية، ومنها انتشرت في لبنان وعدد من دول الخليج العربي، حيث إنّ لجماعة القبيسيّات مقدّراتٍ ماليةً هائلةً تسمح لها بنشر أفكارها وتجنيد الأتباع، ورغم أنها جماعةٌ سرّيةٌ إلا أنّها لم تنتهج طريق العنف، وحتى الآن هي مواليةٌ للسلطة في سورية، وخاصةً أنّها تعمل على نشر أفكارها بين الطبقات الثرية والعليا في البلاد، كما أنّ الجماعة ليست لها أيّة أفكارٍ مكتوبةٍ سوى بعض الأوراد والأذكار التي يتداولها أعضاؤها فيما بينهم، وهناك العديد من المعلومات غير الدقيقة التي تنتشر حولها.

في هذا الموضوع الذي أنتجته مجلة الملحدين العرب نلقى الضوء من قريبٍ على هذه الجماعة السرّية، ومتى وكيف نشأت، ومن التي أسّستها، وطريقة عملها في نشر أفكارها، ونظرتها للدين، وكيف تستثمر أموالها .

البداية والمناخ:

في ظلّ المناخ السائد في سورية أوائل الثمانينات، وعلى خلفية تفجير الأزبكية، وأحداث الإخوان عامي 1981 و 1982 كان الوضع العام خصباً لظهور جماعاتٍ سرّيةٍ تهدف إلى مدِّ سيطرتها على المجتمع السوري الذي كان يبحث جاهداً عن صورةٍ جديدةٍ للدين، وبالفعل ظهرت مجموعةٌ من الحركات الدينية الاجتماعية التي تستغل اعتبار الدين قيمةً أخلاقيةً ساميةً في عقول الناس في المجتمع السوري، والذي بدأ ينجرف بعيداً عن التديّن في ذلك الوقت.

كانت البداية في دمشق، حيث بدأت في تلك الفترة بعض المدارس الخاصّة في الظهور، وتسيطر عليها فكرياً هذه الحركات والتوجّهات مثل مركز المعونة المسيحي، والذي يركز على استقطاب الشباب واليافعين في فعالياتٍ اجتماعيةٍ خارج الإطار المدرسي، وأيضاً معهد السيدة رقيّة الشيعي، والذي يُعتبر مرجعيةً لعددٍ من المدارس والمعاهد التي تقوم بالتبشير وجمع الأنصار.

كان الهدف العام لهذه التنظيمات خلق ولاءاتٍ وتجمّعاتٍ جديدةٍ تقوم برعايةٍ حقيقيةٍ لأبنائهم، وكانت البداية بالسيطرة على المرأة وتطويعها، إذ أنّهم كانوا يعرفون أنّ من يتحكّم بالمرأة يتحكّم بالأسرة، وبالتالي المجتمع، فتمّ التوجّه للمدارس بهدف السيطرة على النشء الجديد من الفتيات الصغار وحشد المريدين والأتباع، وخلق جيلٍ جديدٍ من التابعين لهذا الانتماء أو ذاك.

لربما كان من أكثر هذه المنظمات ذات الأساس الديني الاجتماعي نجاحاً هو التنظيم الذي أنشأته منيرة القبيسي بالتعاون مع أميرة جبريل، والأخيرة أخت المسؤول اليساري في القيادة الفلسطينية في الفترة بين نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات، والذي لا يزال إلى هذا اليوم موجوداً، ويعمل في الخفاء كتنظيمٍ نسائيٍّ سرّي.

وُلدت منيرة القبيسي عام 1933 في عائلةٍ محافظةٍ ثريةٍ، تتلّمذت على يد الشيخين أحمد كفتارو مفتي الجمهورية العربية السورية عام 1964 والشيخ محمد سعيد البوطي إمام الجامع الأموي في دمشق، وعميد كلية الشريعة سنة 1977.

النشأة المترفة لمنيرة القبيسي في عائلةٍ من تجار دمشق الأثرياء كان لها الأثر الكبير الذي جعلها ضيفة شرفٍ في بيوت العائلات الدمشقية الثرية ذات الحسب والنسب والسلطة والمال، من هنا كانت بداية هذا التنظيم النسائي السرّي.

على خلفية الوضع النفسي العام من خيبة الأمل من القيادات والأيديولوجيات القومية العربية في تلك الفترة بحث الناس عن أصولهم، ووجدوا في العودة التربية الدينية المحافظة التقليدية الحل المناسب لمشاكلهم الاجتماعية، ولا سيّما أن الدين يطرح نفسه كحلٍّ لكلّ المشاكل.

اقترنت حركة العودة للتديّن بالحظر والتنكيل بسبب قانون الطوارئ السائد آن ذاك، والذي كان يمنع التجمّعات، وخصوصاً السرّية منها، واتّسمت بعض تلك الحركات بالتعصّب والراديكالية، ووصلت إلى ذروتها بمحاولة الإخوان المسلمين الاستقلال عن سورية، وإعلان خلافة إسلامية في حماة عام 1984 بالإضافة للكثير من العمليات التخريبية التي كانت ذات خلفيةٍ دينيةٍ متشدّدةٍ.

كان التنظيم الذي أنشأته منيرة القبيسي مجرّد محاولةٍ لتقديم الدين كحلٍّ معتدلٍ منعزلٍ عن أيّ جوانبَ سياسيةٍ، يُركّز في مُجمله على العبادات والأذكار وتحفيظ القرآن والأعمال الخيرية والفعاليات الاجتماعية، وعلى الرغم من أنه كان محظوراً لنفس السبب آنف الذكر، إلا أنها استطاعت من خلال مركز عائلتها الاقتصادي الاجتماعي من استقطاب كثيرٍ من النساء من العائلات الثرية اللائي قُمْنَ بتمويل هذا التنظيم السرّي، والذي أنشأ عدداً من المدارس الخاصة الحصرية بدايةً ببنات وأبناء العائلات الثرية، وذات الحسب والنسب والجمال، فهذه المدارس تسيطر على حياة الطفل من الحضانة إلى تخرّجه من المدرسة الابتدائية، وتعمل كمراكزَ تبشيريةٍ لهذه الجماعة التي تحولت في بدايتها للطريقة الشاذلية النقشبندية، واتهمت بالتصوف.

التبشير والقوة لدى القبيسيات:

طريقة التبشير واستقدام العضوات في هذه المجموعة يكون على نوعين، الأول يكون مُوجّهاً لشريحةٍ عمريةٍ كبيرةٍ عن طريق التأثير العاطفي على النساء بالمديح والترغيب من جهة، وبالترهيب والتخويف من جهةٍ أخرى، فتارةً بترويج فكرة أنّهنّ جواهر يجب إخفاؤها وعدم عرضها كسلعةٍ رخيصةٍ، وبهذا تُعْزَل النّساء اجتماعياً بحيث يكُنَّ تحت سلطتهنّ وأعينهنّ فقط، وتارةً بتخويفهنّ من عذاب النار والفضيحة والإثم.

الطريقة الثانية تتم بسيطرتهنّ على المدارس التحضيرية والابتدائية بالكامل إلى أن تدخل الفتاة إلى المرحلة الإعدادية، ولأنّهنّ لا يستطعنَ السيطرة على مدارس الدولة في تلك المرحلة، كان لحلقات تحفيظ القرآن والحلقات الدينية الخاصة في بيوت الآنسات الثريات الدور المهمّ، ويتمّ خلال هذه الفترة تشكيل الولاء والتبعية لهذا التنظيم.

أما بالنسبة للأولاد فلا يتمّ العمل عليهم بنفس الاهتمام بعد المرحلة الابتدائية، لكن يبقون تحت نظر التنظيم، وفي حال أصبح هذا الشاب ذا سلطةٍ أو مالٍ أو نفوذٍ يتم تزويجه بمعرفتهنّ، من امرأةٍ منهنّ، و ربّما بأكثر من امرأةٍ منهن حصراً، مستفيدين من العادات الاجتماعية حيث يتم تزويج شباب العائلة عن طريق علاقات الأم. 

لا يقتصر الأمر على التزويج بل يتعدّاه إلى استخدام النفوذ والعلاقات في الوساطة والمحسوبية للتوظيف وتقديم المنح الدراسية والاستثناءات والهبات، بل واحتكار باب توظيف الشباب في الخليج عن طريق الجمعيات التي قمنَ بإنشائها في شتى دول الخليج لهذا الغرض، كلّ هذا بغرض تطويع الشباب، وجعلهم خاضعين لهنّ اقتصادياً سلطوياً ويخدمون مصالحهنّ داخل وخارج سورية.

من أشهر العائلات التي عُرفت بانتمائها للقبيسيات كانت عائلات مثل الكزبري والطباع وجبريل وقويدر، والتي اشتهرت كلها بالثراء والتحكم في مجال الصرافة وسوق العملة في دمشق، و قد ازدادت القوة الاقتصادية لجماعة القبيسيّات أثناء الحصار الاقتصادي على سورية في الثمانينات، حيث قامت الحكومة خلاله باعتقال وتصفية جميع مكتنزي الأموال المشهورين من الرجال بحججٍ أمنيةٍ، لكن بقيت نساء هذه الجماعة مع ثروةٍ هائلةٍ غير مُعلنةٍ تحت تصرفهنّ وظفوها لخدمة انتشار الجماعة وإنشاء المشاريع والنوادي الاجتماعية في سورية ودول الخليج العربي، ومدّ النفوذ إلى فئاتٍ اجتماعيةٍ مختلفةٍ أوسع، حيث كانوا يقيمون الولائم ويهبون العطايا ويساعدون الفقراء اقتصادياً لجذب المزيد من المريدات لجماعتهن.

نمو وجودهم وازدياد نفوذهم دفع الحكومة السورية عام 2006 للاعتراف بالجماعة ورفع الحظر عنها، خوفاً من أثرهنّ وقوتهنّ الاقتصادية والسياسية في سورية، حيث كان شرط إعلان رفع الحظر عنهنّ نقل حلقات التدريس والاجتماعات من بيوت الآنسات إلى المساجد العامّة، لكن ذلك لم يُغيّر الكثير في سيطرة القبيسيّات على المساجد، وأيضاً بقيت الاجتماعات تُقام في السرّ.

حافظ تنظيم القبيسيّات على حياديته السياسية في الأحداث السورية، ومازال يحافظ عليها، حيث تمّ لقاءٌ رسميٌّ متلفزٌ بين الرئيس السوري بشار الأسد وتنظيم القبيسيّات في الـ 2012. يتميّز العالم السرّي لتنظيم القبيسيّات بالكثير من الممارسات التي تهدف لبناء هرم سلطةٍ يعتمد على التقديس والحبّ الأعمى للآنسات، ابتداءً من الأطفال الصغار في مدارسهنّ، مروراً بالحلقات الدينية، انتهاءً بالمناسبات الاجتماعية، حيث تتمّ برمجة الأنثى على حبّ الآنسة التي تعتبر كعرّابةٍ أو أمٍّ روحيةٍ وتقديسها والانصياع لكلّ رغباتها.

ورغم أن الإسلام يغدق في وصف النعيم الذي سينعم به الذكور في الجنة، إلا أنه أغفل تماماً أي نوع من النعيم للأنثى فيها، وهذا كان أحد الأسباب التي جعلت السيطرة على النساء في التنظيم يعتمد على التخويف من عذاب جهنم، وتصويره بأبشع الصور وأكثرها رُعباً وزرع هذا الخوف في الفتاة منذ الصغر، وربط خلاصها برضا الآنسة وطاعتها وحبّها لها.

تميّز هذا التدرّج الطبقي في بداية الحركة بتميّز ألوان الحجابات، حيث يُعرف عن القبيسيّات ارتداؤهن لزيٍّ موحٍّد يختلف فيه لون الحجاب حسب مرتبة العضوة، تدرّجا من الأبيض للمنتسبات الجدد، مروراً بالأزرق الفاتح إلى الرمادي والكحلي الغامق للآنسات الكبيرات، مع العلم أن هذا التميّز بالألوان لم يعدْ ذا أهميةٍ في المراحل المتقدمة من تاريخ هذه الجماعة؛ حيث أصبح هناك أكثر من عشرين درجةٍ بالمراتب، ووصول عدد المنتسبات للتنظيم إلى ما يزيد عن 170 ألف قبيسيةٍ حسب بعض التقديرات.

القبيسيات التوسّع والهجرة:

استفاد تنظيم القبيسيّات من الأزمات الاقتصادية في سورية، حيث كانت الهجرة إحدى وسائل توسّع هذا التنظيم، فانتقل من كونه تنظيماً محليّاً سرّياً في دمشق فقط، ليكون تنظيماً عالمياً متواجداً في الكثير من الدول مثل لبنان والأردن والكويت والنمسا وأمريكا وألمانيا، وحديثاً السويد وسويسرا.

وعلى الرغم من أنهنّ ينتسبن إلى منيرة القبيسي التي تُسمّى بالآنسة الكبيرة، إلا أنّهنّ يتميّزن بأسماء الآنسات المسؤولات عنهنّ، واللاتي تتلمذن على يد منيرة القبيسي شخصيًا.

ففي الأردن يُسميّن بالطبّاعيّات نسبة لآنستهنّ فادية طبّاع التي تمتلك وتُدير عدّة مدارسَ في العاصمة عمان.

في الكويت أسّست أميرة جبريل الجماعة، وجمعية البيادر هي الجمعية الرسمية التي تعمل المنظمة من خلالها، تأسست عام1981 وتشرف على مؤسساتٍ تربويةٍ عدّة منها: مدرسة القطوف الخاصة وحضانتا السلام ودار الفرح، ويُكنّينَ العضوات باسم بنات البيادر.

في لبنان توجد السحريّات نسبةً إلى سحر الحلبي التي استلمت قيادة الجماعة من أميرة جبريل.

كما ظهرت تسمية الكزبريّات في دمشق لاحقاً، وتنوّعت التسميات في أوروبا والولايات المتحدة حسب اسم الآنسة المسؤولة عنهنّ، والجدير بالذكر أن هذا التنوّع لم يكن بسبب انشقاقٍ في السلطة عن منيرة القبيسي، لكن بسبب كبر منيرة القبيسي بالعمر وانعزالها عن الجماعة، وضعف تلميذاتها أيضاً بسبب كبر السن أيضاً، ما فتح المجال لأطماع الآنسات من الجيل الثالث لاقتسام مؤسّسات وسلطة الجماعة، بينما يتنافس الجيل الرابع من الآنسات ليأخذ حصته من السلطة، منافساً آنسات الجيل الثالث، وهذا الحال أدّى بدوره إلى ضعف قوتهنّ وسيطرتهنّ مؤخراً.

ما ملكت أيمانكم وكبش الفداء:

في عام 2010 تمّ عرض مسلسل «ما ملكت أيمانكم» للمخرج نجدت إسماعيل أنزور والكاتبة هالة دياب، وهو مسلسلٌ اجتماعيٌّ جريءٌ، سلّط الضوء بشكلٍ خجولٍ سلبيٍ على تنظيم القبيسيّات، ربّما هدف ذلك كان سياسياً أكثر من كونه فنياً.

كما ركّز المسلسل على إظهار السلفية بمظهر المعتدل الرزين والواعي في شخصية الشيخ عمار، كما أظهر المسلسل الجانب السلبي للدين من خلال شخصية توفيق الوصولي الفاسد الذي يُحاول استغلال الدين في تبرير ما يريد، ما جعل المسلسل يحظى بالكثير من النقد والضجة باعتباره عملاً يُسيء للإسلام.

وعلى الرغم من أنّه صوّر الكثير من حياة القبيسيّات، إلّا أنّه لم يكن مُنصفاً في حقّهنّ ولا في قدرتهنّ وسلطتهنّ على المجتمع، ولعل السبب في هذه الصورة السلبية الخجولة هو محاولة لفظهنّ اجتماعيًا كردّة فعلٍ على امتداد النفوذ الديني والاجتماعي لهنّ، ومحاولة ربطهنّ بصورة الإسلام السيئة للطعن فيهنّ ككبش فداءٍ بُغية منح البراءة والصورة الجميلة للجماعات المنافسة مثل جماعة كفتارو والكزبريّات الجدد، وتقسيم الكعكة القبيسية بين الأطراف الأخرى في دمشق.

أساطير وحقائق عن القبيسيّات:

إنّ سرّية تنظيم القبيسيّات وانعزالهنّ عن الجميع، بل وتحدّيهنّ لسلطة الرجل الدينية ومنافستها؛ جعلته هدفاً لإشاعاتٍ كثيرةٍ مغرضةٍ، لتخويف الناس منهنّ ومحاربتهنّ، ومن الأساطير الكثيرة التي تُشاع عنهنّ أنّهنّ يمارسنَ السحر وتحضير الجنّ والرهبنة والعزوف عن الزواج، كما يُتهمنَ أنّهنّ طائفةٌ صوفيةٌ متطرّفةٌ، كما أشيع عنهنّ أنّهنّ يصنّفنَ العضوات تحت مسمّياتٍ حسب الفئة العمرية كما ورد في أحد المواقع عنهنّ كالتالي:

لكن اتّضح أنّ تلك التّصنيفات مجرّد إشاعةٍ، والأسماء الواردة أسماء مدارسٍ تُسيطر عليها القبيسيّات.

كما يشاع كذباً عنهنّ أنّهنّ تعتمدن على طقسٍ أشبه ما يكون بالاعتراف بالخطايا للآنسة، حيث تقدّم العضوة تقريراً مفصّلاً بكلّ خطاياها وأسرارها وأسرار عائلتها، فتستخدم الآنسة هذه المعلومات الخاصة وأسرار البيوت في ابتزاز العضوة إذا ما نشزت عن رغبتها.

كما يُروّج عنهنّ أنّهنّ يُقدّسن الآنسة ويُقبّلن أقدامها كما يحدث في الصوفية، وعلى الرغم من أن تقبيل اليد والتبجيل موجودٌ، إلا أن الابتهال والانتصار بالآنسة أو تقبيل القدمين غير موجودٍ.

كما يُشاع عنهنّ قيامهنّ بالكثير من الطقوسٍ الابتهالية الخاصّة والغريبة، حيث تكون مركز هذه العبادات الآنسة الكبيرة التي تدين لها القبيسيّة بالولاء والحبّ، لكن هذا الكلام لا يعدو كونه مجرّد إشاعاتٍ، أيضاً يُتّهمنَ أنّهنّ يستعملنَ مخطوطاً قديماً يُسمّى مزامير داوود، وهذا غير صحيحٍ، كون المنشور أقدم من التنظيم بكثيرٍ، كما أنّه ليس مخطوطاً إسلامياً، وقد أجمع المؤرخون على فساده، ورغم ورود نصوصٍ عن النبي داوود في بعض كتاباتهن.

اتهمنَ في لبنان أنّهنّ يُقدّسن سحر الحلبي اعتماداً على نصٍّ قرآنيٍّ «إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوطٍ نجّيناهم بسحر – القمر 34 -» لكن ذلك مجرّد اتهامٍ لتنفير الناس منهنّ، باعتبارهنّ مبتدعاتٍ مشركاتٍ، كما أنّهنّ نفينَ علناً، وبوضوحٍ أنّ يكون لاسمهن «القبيسيّات» أيّة علاقةٍ بالآية القرآنية «إذ رأى ناراً فقال لأهله أمكثوا إنّي آنستُ ناراً لعلي آتيكم منها بقبسٍ أو أجدُ على النار هدى – طه 10 -»

وجود ما يعرف بالورد، وهو كتيبٌ صغيرٌ كالحجاب تبقيه القبيسيّة معها في كلّ وقتٍ يتضمن أذكاراً وآياتٍ قرآنيةً وأحاديث كنوعٍ من التميمة التي تحميها من الشرور .

حقائقٌ عامّةٌ:

– تعذيب الذات والمازوخية ونظرتهنّ للعذاب الجسدي على أنّه نوعٌ من التكفير عن الخطايا ومقايضة بالرحمة والمغفرة.

– سلطة الآنسة تتجاوز مريداتها إلى عائلات هؤلاء البنات، فبالنهاية علاقة الآنسة بالبنات تبدأ بعلاقة الآنسة بالأم التي تحترمها وتُجلّها لمكانتها الدينية، وكلّ هذه السلطة تعتمد على الثقة والاحترام والحبّ لرمز الآنسة المبجّل.

– توجد لديهنّ ما يعرف بالصلاة النارية، وهي مجموعة أذكارٍ وابتهالاتٍ تقدّم لله بغية تسليم الذات له، وطلب المغفرة.

– استخدامهنّ للمسباح «المسبحة» بطريقةٍ شبه دائمةٍ ومفرطةٍ من أجل التسبيح.

– يشتهرنَ بكثرة الأذكار والموالد والإنشاد والضرب بالدفّ، حتى إنّهنّ يستخدمن ألحان الأغاني الشهيرة والحديثة للإنشاد الديني الذي يتم اختيار الفتيات لغنائه حسب الجمال والحسب وثروة العائلة، بهدف عرضها على المنتسبات الكبيرات، لإيجاد زوجٍ مرموقٍ وذي سلطةٍ لها عبر علاقاتهنّ .

– أحد أهمّ ما يركّزنّ عليه «حفظ القرآن في سنٍّ مبكّرٍ»، فتُقام الاحتفالات بالبنات اللائي يختمنَ القرآن بشكلٍ سنويٍّ، وتُقدم لهنّ الجوائز والهدايا، فلا تعُتبر الفتاة امرأةً لها قدرها بين النسوة إلا بعد حفظها للقرآن .

– لا يوجد لهذه المنظمة أيّ توثيقٍ مكتوبٍ عن الخطط أو الثروات، أو حتى أسماء المنتسبات ودرجتهن، حيث تمنع كتابة أو توثيق أيّة معلومات داخلية عن التنظيم، فكلّ أعمال القبيسيّات ونشر الأوامر والخطط يتمّ شفهياً، وباللقاء المباشر بينهنّ .

منيرة القبيسي اليوم:

تقطن منيرة القبيسي اليوم في حي المالكي في دمشق، أرقى الأحياء السكنية، ولا تقابل أحداً إلا الآنسات الكبيرات من تلامذتها، حيث يقمنَ برعايتها والاهتمام باحتياجاتها خلال عزلتها في أيامها الأخيرة، وهناك إشاعاتٌ تفيد بوفاتها، لكنّ الآنسات الكبيرات يخفينَ هذا الأمر، للحفاظ على ما تبقّى من هذه المؤسسة الضخمة من الانهيار إن صحّ التعبير والوصف.

القبيسيّات بنيةٌ ماسونيةٌ سلطويةٌ نسائيةٌ سرّيةٌ خاصّةٌ على درجةٍ عاليةٍ جدّاً من القدرة والقوة والنفوذ ….تعيش أيّامها الأخيرة.