الإرهاب له دين

 

نحن لا نعيش في عالمٍ مثاليٍ أبدًا، وإنَّما بوجودنا نسعى إلى خلق هذه المثاليَّة، ونُحاول تحقيقها. لقد صنع الإنسان منظومةً من القيم والمُثل، استقاها من خلال تجاربه الطويلة والمريرة: تجارب الحروب، والصراعات، والنزاعات، والأزمات، وهذه القيم -أيضًا- في تطورٍ مُستمر باستمرار تطور الإنسان، وتراكم تجاربه. لقد فعل الإنسان ذلك ضمن مشروعه الحالم، وسعيه الدؤوب في الوصول إلى الكمال. هذا المشروع الذي كان النَّواة الأولى للمُجرًّدات، والمُطلق، والتي كانت -بدورها أيضًا- نواةً لفكرة الإله عبر الثقافات البشريَّة المُتعاقبة. ولكن لا شيء كاملٌ أو مثاليٌ في هذا العالم، لأنَّ فكرة الكمال نفسها ليس لها وجودٌ، لأنَّها ليست سوى وهم صنعه الإنسان، ووضعه كهدفٍ له يجعله في سعيٍ دائمٍ للتغيير والتطور، تمامًا كما أنَّ الحقيقة وهمٌ مخلوقٌ من رحم المُجرَّد السَّامي والمُطلق، وهو ما يجعل الإنسان في حالةٍ من السَّعي الدائم والمُتواصل للمعرفة؛ فكلما اكتشف شيئًا، فتح له هذا الاكتشاف آفاقًا جديدةً من التساؤلات، وأضافت إليه نهمًا جديدًا للمعرفة. 

إنَّ الطبيعة الحيوانيَّة هي جزءٌ أساسيٌ من تركيبة الإنسان، لأنَّه جزءٌ من هذه العالم وغير مُنفصلٍ عنه. هذه الطبيعة البشريَّة التي تمتاز بالتناقض، كجزءٍ أساسيٍ لابُد منه في سلوك أي كائنٍ حي. هذا التناقض المُتمثل في النَّزعة الشريرة، والميل إلى العدوانيَّة والعنف، جنبًا إلى جنب مع نزعة الخير، والميل إلى التَّعاون والرأفة والمحبة. هذا هو الإنسان: خليطٌ من هذه المشاعر المُتناقضة والمُتضاربة، وهذه المشاعر تتجسد في شكل سلوكٍ عنيفٍ، وآخر مُسالمٍ ووادع. هذا التناقض هو أمرٌ طبيعيٌ في الإنسان، وإلَّا لما احتاج إلى فكرة الإله، ولما احتاج -من قبله- إلى صناعة منظومة القيم، والمُثل المُجرَّدة. هذا التناقض الطبيعي، يخلق لنا -في النهاية- سلوكًا طبيعيًا مهما كان رأينا "الأخلاقي" فيه، فالسلوك الجيد هو سلوكٌ طبيعيٌ، تمامًا كالسلوك الشرير. وعندما نقول "طبيعي" فلا نقصد التقييم، وإنَّما التَّوصيف؛ فالإنسان عندما يتعرَّض للاستفزاز فإنَّه يغضب، وهذا الغضب هو سلوكٌ طبيعي، لأنَّه نتيجة انفعالاتٍ، ومشاعر، وعواطف بشريَّة. وعندما يتعرَّض الإنسان لموقفٍ مُؤلمٍ، فإنَّه يتألم ويحزن، والحزن سلوكٌ طبيعي. وفي الحالتين: (حالة الغضب، وحالة الحزن)؛ فإنَّنا لا نقصد بعبارة "طبيعي" إلَّا الجانب التَّوصيفي، وليس التقييمي. 

قد يستطيع بعضنا التَّحكم في عواطفه وانفعالاته، فيتمالك نفسه عند الغضب؛ فيكون حليمًا، ويتمالك نفسه عند الحزن؛ فيكون صبورًا أو بارد المشاعر، كما يُسميّه البعض، وهذا لا يعني أنَّ تكون انفعالات الغضب أو الحزن استثناءًا؛ كل ما في الأمر أنَّ الحليم والصبور هما الأقدر والأكثر سعيًا من البقيَّة على تحقيق حلم الإنسان للكمال والمُجرَّد، ولكن ذلك لا ينفي طبعًا وجود هذه الانفعالات وطبيعيتها. وفي حياتنا اليومية تمر علينا مجموعةٌ كبيرةٌ من الانفعالات والمشاعر، سواءٌ في تعاملنا مع بني جنسنا أو حتى في تعاملنا مع الطبيعة، فالذي يتعامل مع الكائنات الحيَّة الأخرى بحساسيَّةٍ شديدةٍ كأتباع الديانة الجاينيَّة Jainism (وهي أحد الأديان الهنديَّة)، بحيث يحرصون -كل الحرص- على ألَّا يقتلوا حتَّى الحشرات، هم في الحقيقة مُتشابهون (من حيث التَّوصيف) مع أولئك الذين يتعاملون مع الحيوانات بوحشيَّة، فكلاهما يتعامل مع الحيوانات بسلوكٍ نابعٍ من عواطف ومشاعر وانفعالاتٍ بشريَّة، ولكنهما -رغما تشابههما توصيفيًا- مختلفان تقييميًا، فنُطلق على المجموعة الأولى (مجموعةٌ مُسالمةٌ)، ونُطلق على المجموعة الثانية (مجموعةٌ وحشيَّة)، وهو نفس الاختلاف والتشابه الذي قد نحصل عليه في موقفين مختلفين ومتناقضين، فالإنسان الذي يتلقى خبر وفاة أحد أقاربه أو أصدقائه فيحزن بشدةٍ أو يبكي بقوة، هو من الناحية التوصيفية مُشابهٌ تمامًا للذي يتلقى الخبر ببرود أو جلد، فكلاهما -في الحقيقة- تعاطى مع الموقف بانفعالاتٍ بشريَّةٍ طبيعيَّة، ولكنهما من الناحية التقييميَّة مُختلفين؛ فالأول نسميه (جَزِع) أو (ضعيف الإيمان)، والآخر نسميه (صابر) أو (رابط الجأش)، وبالتأكيد فإنَّ هذا التقييم قد يختلف من بيئةٍ لأخرى، بحسب الثقافة والدين والمُعتقدات، ومنظومة الأخلاق المُطبَّقة في كل مجتمع.

المثال السابق كان شكلًا من أشكال تفاعل الإنسان مع الطبيعة من حوله، وهو ما ينطبق أيضًا على تفاعل الإنسان مع بني جنسه، فالإنسان قد يتعامل مع الآخرين بلطفٍ أو بعصبيَّةٍ وانفعال، سواءٌ مع الذكور أو الإناث، فالشخص الذي يضرب النساء -مثلًا- هو (من الناحية التوصيفيَّة) مشابه تمامًا للذي يتعامل معهن بلطف، فكلاهما يتعامل بانفعالاتٍ إنسانيَّة طبيعيَّة، رغم اختلافهما من الناحية التقييمية أو الأخلاقية، وفي كلا المثالين: سواء في تعامل الإنسان مع الطبيعة أو تعامله مع بني جنسه، لا يُمكننا على الإطلاق الاعتماد على الحالة التقييمية (الجيد والسيء) لنفي الحالة التوصيفيَّة. فالغضب طبيعةٌ إنسانيَّةٌ، لا يمكننا إنكارها، كما لا يمكننا إلغاؤها، وكذلك الحلم أو الرأفة أيضًا، كل ما في الأمر: هو أنَّ هنالك مجموعةٌ تُحاول وتسعى إلى تحقيق المُثل العليا، في سعيها إلى الكمال، فينجحون بقدرٍ كبيرٍ في ذلك، وهنالك أشخاصٌ يفشلون في سعيهم ذلك أو أنَّهم لا يُحاولون أصلًا.

هذا التناقض "الطبيعي" الموجود في الإنسان (حالة الخير، وحالة الشر)، هو ما يجعل الحالات "الإنسانيَّة" والحالات "اللاإنسانية" موجودةً في كل مكانٍ، وفي كل مجتمعٍ إنسانيٍ، فنجد ظاهرةً مثل (التعصب) موجودةً في كل المُجتمعات الإنسانيَّة -تقريبًا- سواءٌ التعصب الفكري أو التعصب الديني أو حتى التعصب الكروي، وكذلك ظواهر مثل: العنصرية والعنف الأسري، وغيرها من سواءٌ عبَّرت عن تفاعل الإنسان مع بني جنسه من البشر أو عن تفاعله مع الطبيعة. فالعنف موجودٌ في كل مكان، لأنَّ العنف سلوكٌ بشريٌ طبيعيٌ، والعنصريَّة موجودةٌ في كل المُجتمعات البشريَّة، لأنَّه سلوكٌ بشريٌ طبيعيٌ، وهكذا كل الظواهر الأخرى، ولهذا لا يُمكننا نسبة أي ظاهرةٍ إلى مجتمعٍ بعينه، أو جماعةٍ بعينها، فلا نستطيع القول بأنَّ العنف ظاهرةٌ شرقيَّةٌ حصرًا أو غربيَّةٌ حصرًا، أو أنَّها ظاهرةٌ دينيَّةٌ أو لادينية؛ فالظواهر الناجمة عن الانفعال البشري هي ظاهرةٌ بشريَّةٌ طبيعية. ولهذا فإنَّنا نجد الجرائم، وحوادث العنف الأسري، وغيرها موجودةٌ، ومُنتشرةٌ في كل المُجتمعات الإنسانيَّة عمومًا؛ بصرف النظر عن الثقافة، والدين، والعِرق، واللغة. وعلى مر التاريخ؛ ارتكب البشر (على اختلاف أديانهم وأعراقهم) وما زالوا، جرائم عنيفةٍ، وشنيعةٍ، ودمويَّة. لماذا؟ ببساطة لأنَّهم بشر، ويسري عليهم قانون التَّناقض ما بين الخير والشر.

إلى هذا الحد يُمكننا التصديق على مقولة (الإرهاب لا دين له)، لماذا؟ لأنَّ الإرهاب قائمٌ على تخويف الآخرين، وهو ما يقوم -بدوره- على استغلال انفعالات بشريَّة طبيعيَّة، واستثمارها في شكل سلوكٍ عنيفٍ، ودمويٍ، وقمعيٍ، وهذه الانفعالات يشترك فيها الناس كلهم: مسلمين وغير مسلمين، ولهذا فإنَّنا نقول إنَّ ما فعلته أمريكا بالهنود الحمر إرهاب، وما فعلته في الفيتنام إرهاب، وما فعلته في اليابان إرهاب، وما فعله الشيوعيون في الاتحاد السوفييتي إرهاب، وما فعله هتلر والحزب النازي إرهاب، وأي عنفٍ تم ممارسته من قبل أي شخصٍ أو جماعةٍ على أي شخصٍ أو جماعةٍ، في أي مكانٍ في العالم هو إرهابٌ، وإجرامٌ غير مقبول من الناحية "الأخلاقيَّة"، ويُمكننا إدانته وفقا لهذه القيم الأخلاقيَّة، ولكن هذا العنف له طبيعةٌ إنسانيَّةٌ، فطمع الإنسان، وجشعه، وحبه للسلطة، وتعصبه لأفكاره هو ما يُنتج كل هذا العنف، فهو عنفٌ طبيعيٌ (أي من طبيعة البشر)، والإنسان -كما قلنا في البداية- يُحاول من خلال تجاربه أن يُعيد صياغة منظومة قيمه الأخلاقيَّة. ولا شك أنَّ هذه التجارب كانت قاسيةً جدًا، ودمويَّةً جدًا، ولكن هكذا هو الإنسان: مزيجٌ من التناقضات على الدوام. 

وفي سعي الإنسان إلى تحقيق الكمال، فإنَّه -ووفقًا لمنظومة القيم والأخلاق، التي نشأت عن طريق تراكم التجارب- بدأ في وضع قوانين تُجرّم بعض الأفعال والسلوكيات، التي تم تقييمها في خانة "الشر" كالقتل، والعنصرية، والسرقة، والاغتصاب وغيرها. ولأنَّ طبيعتنا هي التناقض، والنقصان، وليس الكمال على الإطلاق؛ فما تزال ظواهر القتل، والسرقة، والاغتصاب، والعنصريَّة موجودةً في كل مكانٍ في العالم تقريبًا، بنسبٍ مُتفاوتة، ولا أحد -على الإطلاق- يستطيع إنكار ذلك، أو الزعم بأنَّ دولةً ما، مثاليَّةٌ 100% أو أنَّها بلغت حدًا حققت فيه مستوى المُثل العليا، لأنَّ هذه المُثل العليا مُتوهمةٌ في أساسها؛ كما أوضحنا من قبل، لأنَّها ليست سوى "قيم" و "مُجرَّدات" لا أكثر، ولا وجود لمدينةٍ فاضلةٍ على أرض الواقع. أين تكمن المُشكلة إذن؟ الواقع أنَّ مشكلتنا مع إرهاب الإسلام -سواءٌ الإسلام التَّاريخي أو الإسلام المُعاصر- تنبع من عدَّة عناصر. أُلخصُّها على النَّحو التَّالي: 
1- الإسقاط النَّفسي: يفترض المُسلمون افتتان غير المُسلمين (لاسيما المُلحدين واللادينيين من أصول إسلاميَّة) بالحضارة الغربيَّة، ويعتقدون أنَّ هؤلاء يرون في الحضارة الغربيَّة مدينةً فاضلةً، وأنَّ دساتيرها مُقدّسة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وأنَّ الإنسان الغربي هو النَّموذج الأمثل الذي يجب أن يُحتذى به. وهذا التَّصور -في الحقيقة- خاطئٌ تمامًا، وواقع الأمر أنَّ هذا التَّصور الخاطئ ناتجٌ في أساسه من عُقدة النقص التي يشعر بها كثيرٌ من المُسلمين، ومُنذ عصور طويلةٍ جدًا، والمُسلمون يعيشون داخل عقدةٍ مُركبة تُسمَّى "الحضارة الغربيَّة" ويتوهمون -بناءً على هذه العقدة- صراعًا وحروبًا مع ومن هذه المنطقة الثقافيَّة؛ ولهذا نقرأ ونسمع كلمة "الغرب" تتردد كثيرًا حتى على ألسنة المُثقفين منهم، ولم نسمعهم يومًا يتكلَّمون عن أزمةٍ مع الشرق الآسيوي مثلًا. واقع الأمر أنَّ أحدًا لم يفترض كمال دساتير أو قوانين الغرب أو غيره ببساطة لأنَّ هذه القوانين هي قوانين وضعيَّة، لا تفترض في نفسها المُطلق، ولا الكمال (وإن كانت تسعى إليهما)، ولهذا فإنَّا في تغيّر مُستمر. فما يحدث أنَّ بعض المُسلمين يُسقطون عقدتهم النفسيَّة من الغرب على غير المُسلمين من خلفيَّاتٍ إسلاميَّة، ويعتقدون -مُخطئين- أنَّنا مفتونون بهذه الحضارة، ولا نرى فيها عيبًا واحدًا، والحقيقة أنَّ الحضارة الغربيَّة هي كمثال الرجل الحليم (الأقدر والأكثر سعيًا من البقيَّة على تحقيق حلم الإنسان للكمال والمُجرَّد) ليس أكثر من ذلك؛ وبعبارة أخرى (هو الأفضل حتى الآن)، وليس الأفضل على الإطلاق. 
2-انعدام الشفافيَّة: وكما قلنا سابقًا فإنَّ الانفعالات البشريَّة الطبيعيَّة ينتج عنها سلوك بشري يشترك فيه البشر جميعًا (بصرف النظر عن الدين والثقافة والعِرق ووو إلخ) فالعنصريَّة كما أنَّها موجودةٌ في الدول الإسلاميَّة، فهي موجودةٌ أيضًا لدى الغرب، وكذلك التحرش الجنسي، وكذلك الاغتصاب، وكذلك القتل، وكذلك (زنا المحارم)، وكذلك السرقات وغيرها من الظواهر، فلا وجود لمُجتمعٍ مثالي أبدًا، ولكن الفارق الأكثر أهميَّة هو في تمتع المُجتمعات الغربيَّة بالشفافيَّة، التي تجعلها تُصرّح بوجود هذه الظواهر والجرائم، وتتناولها بالدراسات الإحصائيَّة، وتضع لها قوانين مُجرّمة للحد منها، بينما في العالم الإسلامي تكاد الشفافيَّة أن تنعدم، فلا تُوجد هنالك مراكز مُتخصصة لدراسة مثل هذه الظواهر، ولا تُوجد إحصائياتٌ يُمكن أن يتم الرجوع إليها، وبالنتيجة يبدو أنَّ الذي يُصرّح عن وجود مشكلة هو وحده من يُعاني من مُشكلة، بينما الذي يتستر على عيوبه ويُخفيها تحت السجاد يبدو في مظهر الطاهر والشريف، ولا يُمكننا عقد مُقارنة بين ظاهرة (مثل ظاهرة الاغتصاب) في مُجتمع لديه إحصائيات ودراسات، وبين نفس الظاهرة في مُجتمع لا تُوجد فيه إحصائيات ولا دراسات. عندها ستكون المُقارنة غير عادلةٍ على الإطلاق. 
3- حالة الإنكار: يقع كثيرٌ من المُسلمين في حالة من الإنكار لوجود أية أخطاء أو ظواهر غير أخلاقية في مُجتمعاتهم أو حتى في دينهم، مفترضين -بذلك- الكمال والإطلاق، مع احتمال أن يتواجد الخطأ في أي مُجتمعٍ أو دينٍ آخر. وقد يلجأ البعض إلى تتبع نفس الظواهر والأخطاء في مُجتمعاتٍ أخرى في مُحاولةٍ لنيل الرضا عن الذات، فما أن تكلَّم أحدهم مثلًا عن انتشار ظاهرة التحرش الجنسي في بلده أو مُجتمعه؛ حتى ويُسارع في تزويدك بعشرات الإحصائيات والتقارير في مُجتمعاتٍ مُختلفة (لاسيما الغرب طبعًا) تتكلَّم عن وجود مثل هذه الظواهر والأخطاء. ليخرج بنتيجة نهائيَّة (أنتم لا ترون ولا تنتقدون إلا الإسلام) وهو ما يُعزز لديه فكرة (المًؤامرة) وبأنَّه هنالك هجمةً شرسةً على الإسلام. 
4- دور الضحيَّة: كثيرٌ من المُسلمين يُجسدون في الحقيقة دور الضحية دون أن يشعروا بذلك، فعندما تبدي تعاطفكَ مع ضحايا تفجير في أي مدينة غربيَّة، حتى ويُسارع بتذكيرك بما يحدث للمُسلمين في بورما، أو ما يحدث لأطفال غزة، ليتحوَّل الأمر بالنسبة إليه إلى مُزايدة رخيصة تزن الدماء بميزان المُعتقدات والأديان، فبصرف النظر عن معتقد الضحايا الذين نتعاطف معهم (مسيحيين، يهود، لاديين، بوذيين .. إلخ) فإنَّ المُقابل دائمًا يظل ثابتًا (ضحايا المُسلمين)، وهم بذلك يقعون في معضلةٍ كبيرةٍ جدًا تكشف عن حقيقة خطيرة، وهي أنَّ الإسلام نجح فعليًا في تقسيم العالم (بالنسبة إلى المسلمين) إلى: مسلم وكافر، أو مسلم وغير مسلم. فالمُسلم يستوي لديه المسيحي واليهودي والمُلحد؛ فكلهم بالنسبة إليه كفّار وأتذكر أنَّ أحدهم (ردًا على انتقادنا لما تفعله داعش من قطع الرؤوس) نشر مجموعة من الصور القديمة لجنود فرنسيين وقد قاموا بقطع رؤوس بعض الجزائريين، وهنا تظهر المُشكلة الأساسيَّة التي أحاول تناولها في هذا المقال: لأنَّ الفارق الوحيد والأساسي بين أي ظاهرة عنف في أي مجتمعٍ في العالم، وبين ظاهرة العنف الإسلاميَّة، هو أنَّ العنف في كثير من المُجتمع يأخذ طابعًا (بشريًا طبيعيًا) على النحو الذي تقدّم شرحه، بينما العنف والدمويَّة في الإسلام هو عنفٌ إلهي "مُقدّس"، فالمُسلم يجد في نصوص قرآنه ما يُحرضه على القتل والدموية، بينما أمريكا عندما قتلت الهنود الحمر لم تقل أبدًا إنَّ الله قال لها ذلك، ولم تعتمد على نصوص دينيَّة يُبرر لها هذا الفعل، ولهذا فإنَّ الإرهاب في الإسلام هو شيءٌ لصيقٌ بالإسلام، وليس بالطبيعة البشريَّة حتى يُمكننا أن نقول إنَّ عنف الجماعات الإرهابيَّة الإسلاميَّة هي حوادث "فرديَّة" 

خلاصة ما أود قوله في هذا المقال هو أنَّ الإرهاب موجودٌ باعتباره نزعةً بشريَّةً طبيعيَّةً، ولكن عندما يتم توظيف هذه النزعة البشريَّة في إطارٍ دينيٍ، يُصبح الإرهاب مُقدسًا بقداسة النص الديني، الذي يُحرض على العنف، وعلى الإرهاب، ومن أجل هذا فإنَّنا نقول إنَّ الإرهاب مرتبطٌ بالإسلام، وليس بأي ديانةٍ أخرى، فلا توجد أية ديانةٍ على وجه الأرض تُمارس العنف مُستندةً على نصوصها المُقدسة سوى الإسلام، وحتى أولئك الإرهابيون التابعون لدياناتٍ أخرى غير الإسلام، لم يعتمدوا على نصوصٍ مُقدسةٍ لتبرير أفعالهم، إنَّما قاموا بأفعالهم الإجراميَّة إمَّا خدمةً لدينهم (دون أن يكون هنالك مرجعٌ نصيٌ لأفعالهم تلك)، أو بصورةٍ فرديَّةٍ، منبعها تلك الطبيعة البشريَّة، ولهذا لا يُمكننا محاسبة تلك الأديان على هذه الأفعال، وعندها يُمكننا القول إنَّ إرهاب المسيحيين أو اليهود أو أي طائفةٍ دينيَّةٍ أخرى -غير الإسلام- ليس سببه هذه الأديان نفسها، لأنَّه لا توجد في نصوص هذه الأديان ما يُحرض على العنف أو القتل، على العكس تمامًا من الإسلام، ولهذا فإنَّ الإرهاب دينه الإسلام، ليس لأنَّ الإرهابيين مسلمين؛ ولكن لأنَّ النص الإسلامي نفسه إرهابيٌ، ومُحرضٌ على الإرهاب. ومن هنا يتضح لنا الفارق الكبير بين ما كانت تمارسه الكنيسة من إرهابٍ لرعاياها أو حتى بين ما يفعله البوذيون أو أصحاب أي ديانةٍ أخرى وبين ما تقوم به جماعة من المسلمين، ومحاولة الإشارة إلى جرائم قام بها متدينون لا يعني بالضرورة ارتباط هذه الجرائم بتلك الأديان، وما يقوم به المسلمون من ذكر لجرائم الكنيسة في عصور الظلام أو العنف الذي تمارسه الدولة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين أو ما يفعله البوذيون في المسلمين لا يُمكن مقارنته بالإرهاب الإسلامي، ولا يُمكننا أن ننكر أن ما قاموا به هو جريمة في حق الإنسانيَّة، وبالتأكيد فإنَّنا ندينه وبشدة، ولكن لا يُمكننا الربط بين هذه الجرائم وتلك الأديان؛ فنطلق عبارة (الإرهاب لا دين له) قاصدين بذلك أنَّ الأديان الأخرى تُصدّر الإرهاب أيضًا، فهذا ضد الحقيقة، والحقيقة هي أنَّ الإرهاب له دينٌ معروفٌ وهو الإسلام الذي يُصدر الإرهاب عبر نصوصه، وليس عبر حماس أتباعه.